ثلاثة أشهر تغير الإحداثيات: هل استعادت سوريا قواعدها الروسية أم أعادت تعريفها؟

الكاتب: أحمد علي
حددت دمشق وموسكو ثلاثة أشهر لإنهاء الصيغة التي حكمت الوجود الروسي في حميميم وطرطوس منذ عهد بشار الأسد. مذكرة التفاهم التي أعلنتها وزارة الخارجية السورية في 9 آب 2026 تنقل إدارة مطار حميميم والمنشآت المدنية فيه إلى الدولة السورية، وتعيد الرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس ومستودعاته إلى الإدارة السورية، بينما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة. هذه الصيغة لا تعني خروج روسيا من سوريا، ولا تعني بقاء القواعد كما كانت. ما حدث هو نقل جزء من السيطرة الإدارية إلى دمشق وإلغاء الوظيفة العسكرية القديمة المعلنة للقواعد، مع الإبقاء على حضور روسي جديد لم تُنشر تفاصيله الكاملة بعد.
جاء الاتفاق بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات التي بدأت عملياً عقب سقوط سلطة الأسد في كانون الأول 2024. كان وضع القاعدتين من أكثر الملفات حساسية أمام القيادة السورية الجديدة، لأن الترتيبات السابقة منحت موسكو امتيازات طويلة الأجل في موقعين يشكلان أساس انتشارها في شرق المتوسط. اتفاق طرطوس الذي أقر في عهد الأسد منح روسيا استخدام المنشأة البحرية لمدة 49 عاماً، فيما كان وضع حميميم يقوم على ترتيبات أوسع سمحت للقوات الروسية باستخدام القاعدة من دون إطار زمني مماثل معلن. بعد سقوط النظام، أصبحت دمشق أمام كلفة سياسية في الحالتين، سواء ألغت الوجود بالكامل أو أبقت اتفاقات المرحلة السابقة كما هي.
القواعد الروسية بعد المذكرة
اختارت المذكرة مساراً وسطاً بين الإلغاء والاستمرار. الدولة تستعيد المنشآت المدنية، بينما يتغير تعريف الحضور العسكري نفسه. لم تعد حميميم، وفق الصيغة السورية المعلنة، قاعدة روسية تعمل بوظيفتها السابقة في إدارة العمليات الجوية، ولم يعد الجزء العسكري في طرطوس منشأة روسية مستقلة بالمعنى الذي عرفته السنوات الماضية، بل يفترض أن يتحول الموقعان إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل. كلمة «مشترك» تنقل العلاقة نظرياً من استضافة قوة أجنبية إلى تعاون بين مؤسستين عسكريتين، لكن معناها العملي يتوقف على من يملك القيادة اليومية ومن يحدد عدد القوات والأسلحة وطبيعة النشاط.
البيان السوري لم ينشر نص المذكرة كاملاً. لذلك لا توجد معلومات علنية حتى الآن عن حجم القوات الروسية التي ستبقى، أو وضع الطائرات والسفن والمخازن، أو قواعد الدخول والخروج، أو الحصانات القانونية للعسكريين، أو مدة الترتيبات الجديدة، أو حق أي طرف في إنهائها. الدولة قد تدير بوابة المطار والمنشآت المدنية بينما يحتفظ الطرف الروسي بحرية واسعة داخل منطقة عسكرية، وقد تكون المراكز المشتركة محدودة فعلاً وتحت قيادة سورية. الوثيقة المنشورة لا تسمح بحسم أي من الاحتمالين.
السقف الزمني يوفر اختباراً واضحاً. يمكن متابعة من يدير الحركة المدنية في حميميم، وكيف يدار الرصيف الرابع في طرطوس، وما إذا كانت روسيا ستسحب معدات أو وحدات لا تتناسب مع وظيفة التدريب. كما سيظهر ما إذا كانت المنشآت ستدخل فعلاً ضمن ميزانيات وإدارات سورية، أو ستبقى مناطق عمل منفصلة مع تغيير الاسم فقط. الفرق بين الحالتين سيحدد مقدار ما استعادته دمشق فعلياً.
ما الذي خسرته موسكو؟
أهمية حميميم وطرطوس بالنسبة إلى روسيا تتجاوز العلاقة الثنائية مع سوريا. طرطوس هو موقعها البحري الوحيد من نوعه في البحر المتوسط، ويستخدم للإمداد والصيانة وربط الأسطول الروسي بعملياته خارج البحر الأسود. أما حميميم فكانت قاعدة رئيسية للطيران الروسي منذ التدخل العسكري عام 2015، واستخدمت أيضاً نقطة عبور نحو نشاط روسي في أفريقيا. فقدان الموقعين بالكامل كان سيعني تراجعاً واضحاً في قدرة موسكو على العمل في المتوسط والشرق الأوسط.
الصيغة الجديدة تقلص هذه الوظيفة حتى لو أبقت أفراداً ومعدات روسية. مركز التدريب لا يساوي قاعدة عمليات جوية تنطلق منها الطائرات بقرار روسي، والمنشأة البحرية المشتركة لا تمنح بالضرورة موسكو الحرية التي وفرها اتفاق طويل الأجل في عهد الأسد. استعادة الرصيف التجاري الرابع مهمة أيضاً، لأن موسكو كانت تبحث خلال الأشهر الماضية في إنشاء مركز لوجستي تجاري في طرطوس. الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أصبحت، وفق الإعلان، الجهة المسؤولة عن المواقع التجارية التي كانت تديرها روسيا.
روسيا في المقابل حافظت على موطئ قدم لم يكن مضموناً بعد كانون الأول 2024. القيادة السورية التي تعرضت قواها ومدنها سابقاً للقصف الروسي قررت عدم تحويل الماضي إلى قطيعة شاملة، وواصلت الاتصالات مع الكرملين. قال الرئيس أحمد الشرع في لقاءاته مع الروس إن العلاقة يجب أن تعالج أخطاء المرحلة السابقة، بينما تحدث الطرفان عن إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي ودعم وحدة الأراضي السورية. موسكو تملك أوراقاً تحتاجها دمشق، من النفوذ السياسي الدولي إلى ملفات الديون والعقود والتسليح وبعض مشاريع البنية التحتية.
تفسر هذه المصالح لماذا لم ينته التفاوض بقرار طرد. سوريا في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها الخارجية، وتتعامل في الوقت نفسه مع وجودات عسكرية أجنبية أخرى وحدود شديدة الحساسية. إنهاء كل علاقة عسكرية دفعة واحدة ليس مسألة قانونية فقط، بل يتصل بميزان القوى وقدرة الدولة على ملء الفراغ. المذكرة مع روسيا تضع نموذجاً يقوم على تعديل الوجود ووظيفته بدلاً من تجاهله أو قبول شروطه السابقة.
السيادة في التفاصيل
التحدي الأكبر يبدأ بعد الإعلان. تحويل قاعدة عسكرية إلى مركز تدريب يحتاج إلى تعريف قانوني واضح. هل يكون القائد سورياً أم روسياً، ومن يوافق على دخول طائرة أو سفينة، وأي أنواع من السلاح يمكن تخزينها، وهل تستطيع موسكو استخدام الموقع لدعم عمليات خارج سوريا، ومن يحقق في الحوادث التي تشمل أفراداً روساً؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد الفرق بين تعاون عسكري طبيعي ووجود أجنبي يمتلك استقلالاً داخل الأرض السورية.
هناك أيضاً مسألة الاتفاقات السابقة. لم يعلن البيان إذا كانت مذكرة آب تلغي صراحة الاتفاقات التي منحت روسيا استخدام طرطوس وحميميم، أو تعدلها، أو تحل محل بعض موادها فقط. الصياغة الرسمية تقول إن الوظيفة ستعاد صياغتها وإن الترتيبات الجديدة ستدخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر. من الناحية العملية يفترض أن تتعارض الوظيفة الجديدة مع استمرار حق روسي قديم في إدارة قاعدة مستقلة، لكن الحسم القانوني يحتاج إلى نشر النصوص أو إصدار اتفاقات مصدق عليها تحدد ما أُلغي وما بقي.
الجانب الاقتصادي مهم في طرطوس. إعادة الرصيف التجاري الرابع إلى إدارة المرفأ السوري تعني أن الرسوم والحركة والمستودعات يجب أن تخضع للقواعد السورية نفسها التي تطبق على بقية المرفأ. إذا أرادت شركات روسية استخدامه مستقبلاً، يفترض أن يكون ذلك من خلال عقود تجارية وتراخيص سورية، لا بوصفه امتداداً لمنطقة عسكرية. هذا الفصل يقلل التداخل بين الوظيفة العسكرية والتجارة ويتيح للدولة معرفة الإيرادات والمسؤوليات بصورة أوضح.
مطار حميميم يطرح فرصة مختلفة. إدخال المنشآت المدنية تدريجياً إلى الإدارة السورية يمكن أن يسمح بتوظيف جزء من البنية الموجودة لخدمة النقل المدني أو الإغاثي إذا سمحت المواصفات والترتيبات الأمنية بذلك. لم تعلن الحكومة خطة تشغيل مدنية للمطار حتى الآن، لذلك لا يمكن افتراض أنه سيتحول إلى مطار تجاري. الموجود هو انتقال الإدارة المدنية، أما الاستخدام النهائي فيحتاج إلى قرار منفصل واستثمار وتنظيم للمجال الجوي.
داخلياً، يمنح الاتفاق الحكومة حجة بأنها لم تقبل استمرار الوجود الروسي بالشكل الذي فرض خلال الحرب. لكنه يضعها أيضاً أمام سؤال الشفافية. إذا كان الهدف استعادة السيادة، فإن نشر المبادئ الأساسية للترتيبات العسكرية يخدم هذا الهدف ويتيح معرفة حدود الوجود الأجنبي. السرية قد تكون ضرورية في تفاصيل عسكرية محددة، لكنها لا تبرر غياب المعلومات عن المدة والاختصاص والقيادة والقانون المطبق.
المذكرة لا تعيد التاريخ إلى ما قبل 2015. روسيا ستبقى شريكاً عسكرياً في موقعين كانا قاعدتين لها، والعلاقات بين الجيشين لن تنتهي. الجديد أن دمشق أعلنت انتهاء الصيغة القديمة وحددت موعداً لذلك. إذا انتقلت المنشآت المدنية فعلاً إلى الإدارة السورية، وتقلص الاستخدام العملياتي المستقل، وأصبحت المراكز العسكرية المشتركة خاضعة لقرار سوري واضح، يكون الاتفاق قد استعاد جزءاً مهماً من السيادة مع الاحتفاظ بعلاقة مع موسكو. وإذا بقيت حرية العمل الروسية على حالها تحت اسم جديد، فستكون إعادة التعريف أوسع من الاستعادة.
الثلاثة أشهر المقبلة هي المعيار الأقرب للحكم. حركة الطائرات والسفن، إدارة المطار والرصيف، عدد الوحدات الروسية وطبيعة التدريب، والنصوص القانونية التي ستصدر ستوضح ما إذا كانت سوريا استعادت قواعد كانت تعمل خارج إدارتها المباشرة، أو تفاوضت على نسخة أقل اتساعاً من الوجود نفسه. حتى ذلك الحين، الأدق وصف ما جرى بأنه إعادة تفاوض على السيادة، لا إعلاناً مكتملاً عن خروج روسيا.
اقرأ أيضاً: إلى ما بعد روسيا.. دمشق تعيد رسم خريطة الطاقة؟!









