مقابلات

ثقافة الإجازة في شركات المحاماة: ضرورة تشغيلية لا رفاهية شخصية

د. بشر ياقتي – ثقافة الإجازة في شركات المحاماة: ضرورة تشغيلية لا رفاهية شخصية

أصبح من المعتاد في البيئة القانونية أن يُنظر إلى المحامي المنشغل دائماً باعتباره الأكثر جدية واحترافاً، حتى بات البعض يتعامل مع الإرهاق وكأنه وسام مهني غير معلن، فكلما قلّت إجازاته وزادت ساعات عمله وتعذر الوصول إليه إلا وهو يحمل هاتفين وثلاثة ملفات شعر أنه يقترب أكثر من صورة «المحامي الناجح»، بينما الحقيقة أن هذا التصور من أكثر المفاهيم التي تُرهق الكيان القانوني على المدى الطويل دون أن يشعر أصحابه بذلك.

تالياً، يشرح لنا الدكتور بشر ياقتي الإشكاليات المحيطة بالمفهوم، وطرق حلها، في المقالة الثامنة ضمن سلسلة لقاءات حصرية مع «سوريا اليوم24».

المشكلة لا تبدأ حين ينهار المحامي أو يقرر التوقف، بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل حين يفقد قدرته الطبيعية على الانفصال عن العمل، فيجلس مع أسرته بينما ذهنه في مذكرة لم تُرسل بعد، أو يذهب في إجازة وهو يراجع بريده الإلكتروني كل عشر دقائق، أو يشعر بالقلق إذا مر يوم هادئ دون اتصالات، وكأن الهدوء نفسه أصبح شيئاً غير مريح بالنسبة له.

وفي الواقع فإن بعض المحامين لا يعيشون ضغط العمل فقط، بل يعيشون إدمان الشعور بالأهمية الذي يصنعه هذا الضغط، فيربط أحدهم قيمته المهنية بكونه متاحاً طوال الوقت، ويشعر داخلياً أن توقفه المؤقت قد يجعله أقل حضوراً أو تأثيراً، ومع الوقت تتحول هذه الحالة إلى نمط حياة كامل يصعب الخروج منه حتى أثناء الإجازات والمناسبات والأعياد.

ومن أخطر ما في هذا الأمر أن الاستنزاف المهني لا يأتي بصورة درامية واضحة كما يتخيل البعض، بل يظهر بطريقة أكثر هدوءاً وخداعاً؛ تراجع تدريجي في الحماس، ضيق أسرع من المعتاد، ضعف تركيز في التفاصيل، أخطاء صغيرة متكررة، ثم برود مهني يبدأ بالتسلل إلى طريقة التفكير نفسها، حتى يصل المحامي إلى مرحلة يعمل فيها كثيراً لكنه لم يعد يعمل بنفس الجودة الذهنية التي كان يمتلكها سابقاً.

ولأن العمل القانوني يعتمد على جودة التفكير أكثر من كثافة الحركة فإن الإرهاق الطويل يؤثر على المحامي بطريقة مختلفة عن كثير من المهن الأخرى، فالمحامي المرهق قد يقرأ الصفحة نفسها عدة مرات دون تركيز حقيقي، وقد يدخل اجتماعاً وهو حاضر جسدياً فقط، وقد يندفع لاتخاذ قرار سريع لأنه لم يعد يمتلك الطاقة الذهنية الكافية للتحليل العميق، وهذه الأمور لا تُلاحظ فوراً لكنها تتراكم حتى تصبح جزءاً من الأداء اليومي.

وفي المقابل ما زالت بعض البيئات المهنية تمجّد فكرة «المحامي الذي لا يتوقف»، فتُروى قصص العمل الليلي المستمر وكأنها النموذج المثالي للنجاح، بينما يتم تجاهل سؤال أكثر أهمية: هل هذا النموذج قابل للاستمرار فعلاً؟ لأن هناك فرقاً كبيراً بين مرحلة تأسيس استثنائية يضطر فيها الإنسان لبذل جهد مضاعف وبين تحويل الضغط المؤقت إلى أسلوب حياة دائم.

بل إن بعض شركات المحاماة تساهم دون وعي في تكريس هذه الثقافة حين تجعل الشخص الأكثر إنهاكاً يبدو الأكثر قيمة داخل الفريق، فتُرسل الرسائل في منتصف الليل ويُشاد بمن لا يأخذ إجازة ويُنظر إلى التوازن وكأنه ضعف في الالتزام، ومع الوقت يصبح الموظفون في سباق غير معلن لإثبات تحملهم لا لإثبات كفاءتهم.

ومن الزوايا التي يغفل عنها كثيرون أن الإجازة ليست مجرد راحة شخصية بل اختبار حقيقي لقوة النظام داخل الشركة، لأن الكيان الذي يتعطل بمجرد غياب أحد أفراده ليس كياناً مستقراً مهما بدا ناجحاً من الخارج، بل كيان يعتمد على الحضور المستمر للأشخاص أكثر من اعتماده على وجود منظومة واضحة تستطيع الاستمرار دون ارتباك.

ولذلك فإن الشركات الناضجة لا تبني نجاحها على أشخاص يعملون حتى الاحتراق، بل على أنظمة تسمح للإنسان أن يستعيد توازنه دون أن يشعر أن غيابه يهدد كل شيء، لأن الاستدامة في المهنة القانونية لا تعني أن تعمل بأقصى طاقتك طوال الوقت، بل أن تعرف كيف تستمر لسنوات طويلة دون أن تستهلك نفسك تدريجياً وأنت تظن أنك تحقق النجاح.

للملاحظات والمقترحات
bisher.sa@gmail.com

د. بشر:
دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.

اقرأ أيضاً: إدارة الموارد البشرية في شركات المحاماة: الاستنزاف الصامت للكفاءات القانونية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى