تيكه الروماني.. حكاية تاريخ وحجر من حوران

بقلم: ريم ريّا
في قلب مدينة الصنمين بريف درعا، وبين حركة السوق والحياة اليومية، يقف ما تبقى من معبد “تيكه” الروماني شاهداً على زمن بعيد كانت فيه مدن حوران واحدة من المحطات المهمة على طرق التجارة والحضارة في جنوب سوريا. المعبد الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 191م لم يبقَ منه سوى أجزاء محدودة، لكنها تكفي لإعطاء صورة عن مهارة البنائين القدماء في التعامل مع الحجر البازلتي، وعن مكانة المنطقة خلال الحقبة الرومانية. فالحجر الأسود الذي يميز عمارة حوران لم يكن مجرد مادة للبناء، بل تحول في أيديهم إلى أعمدة وواجهات ومحاريب ونقوش بقي بعضها حاضراً حتى اليوم.
من حوران الرومانية تبدأ الحكاية
لفهم قيمة معبد تيكه، لا بد من العودة إلى حوران في العصر الروماني، حين كانت المنطقة جزءاً من فضاء عمراني وتجاري نشط، وظهرت فيها مدن وقرى تركت آثاراً معمارية ما زالت شاهدة على تلك المرحلة. وفي هذا السياق نشأ معبد تيكه في الصنمين، ليكون جزءاً من المشهد الديني والعمراني للمدينة. وتشير الكتابات الموجودة في الموقع إلى أن أحد أبناء المنطقة شيّد المعبد وأهداه إلى “الأريسيين”، أي سكان مدينة الصنمين. ويحمل هذا التفصيل قيمة تاريخية خاصة، لأنه لا يتحدث فقط عن بناء ديني قديم، وإنما يقدم لمحة عن العلاقة بين السكان ومؤسسات مدينتهم في تلك الفترة، وعن حضور المعبد داخل الحياة العامة للمجتمع المحلي.
كان الحجر البازلتي الأسود المادة الأبرز في بناء المعبد، وهو حجر ارتبط بصورة وثيقة بالعمارة التاريخية في حوران نتيجة توفره في المنطقة. وعلى الرغم من صعوبة التعامل مع البازلت مقارنة ببعض أنواع الحجر الأخرى، تمكن البناؤون القدماء من تشذيبه واستخدامه في عناصر معمارية دقيقة. وما بقي من المعبد اليوم يكشف هذا الجانب بوضوح، إذ تظهر أجزاء من الأعمدة والتيجان والسواكف المزخرفة، إلى جانب الأرضية التي كسيت بالحجر البازلتي الأسود. وهكذا تحولت طبيعة الأرض نفسها إلى جزء من هوية العمارة، فأصبح الحجر المحلي يحمل ملامح المدينة وتاريخها في الوقت ذاته.
مقصورة الإله وما بقي من المعبد
لم يعد المعبد قائماً بكامل عناصره، لكن الأجزاء المتبقية منه تسمح بتصور بنيته الأساسية. فالجزء الباقي مستطيل الشكل، وكان يمثل مقصورة الإله، ويتوسط جدارها الجنوبي محراب مزين. أما الجهة الجنوبية فتضم حجرتين، إحداهما تحتوي على درج كان يؤدي إلى سطح المقصورة، فيما كان درج آخر يقود إلى المصطبة التي وضع عليها تمثال الربة تيكه. وتشير الكتابة الموجودة في الموقع إلى ارتباط هذه المصطبة بتمثال الربة، بينما تكشف الحجرة الثانية عن طابقين ومدخل يؤدي إلى حجرة صغيرة تقع أسفل المحراب. كما تزين الجهة الجنوبية للمعبد بقايا عمودين من الطراز الكورنثي، في حين تنتشر المحاريب على الجدران، ويُعتقد أنها كانت مخصصة للتماثيل والمنحوتات وربما لأسرجة الإنارة.
لم يتوقف تاريخ الموقع عند نهاية العصر الروماني، إذ كشفت أعمال التنقيب السابقة عن كسر فخارية تعود إلى عصور مختلفة، في إشارة إلى استمرار حضور المكان ضمن المشهد الأثري للمنطقة عبر فترات زمنية متعاقبة. ولا تزال في محيط المبنى مجموعة من القطع الأثرية، بينها توابيت حجرية وسواكف مزخرفة وأجزاء من أعمدة وتيجان، وهي عناصر تضيف إلى صورة الموقع وتكشف حجم النشاط العمراني الذي شهدته المنطقة في الماضي. وخضع المعبد في مرحلة سابقة لأعمال ترميم، كما شهد الموقع أعمال تنقيب هدفت إلى الكشف عن مزيد من تفاصيل تاريخه وبنيته.
موقع أثري وسط مدينة نابضة
ربما تكمن خصوصية معبد تيكه اليوم في وجوده وسط مدينة الصنمين، وليس في موقع أثري معزول بعيد عن الحياة اليومية. فالمعبد يقع داخل نطاق السوق التجاري، الأمر الذي يجعل الحفاظ على محيطه مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والسكان والزوار.
ولهذا شهد الموقع مؤخراً نشاطاً تطوعياً شاركت فيه دائرة آثار درعا وشعبة آثار الصنمين ومديرية منطقة الصنمين ومجلس مدينة الصنمين إلى جانب المجتمع المحلي، بهدف تنظيف أروقة المعبد ومحيطه داخل السور وإظهار قيمته المعمارية والأثرية. لا تتوقف حماية المواقع الأثرية عند الترميم والتنقيب، فالموقع الذي يعيش وسط مدينة يحتاج أيضاً إلى وعي سكانها وزواره.
ومن هنا برزت الدعوة إلى استمرار التعاون المحلي للحفاظ على نظافة محيط المعبد وعدم رمي النفايات قربه، خصوصاً أن وجوده داخل منطقة تجارية يجعله أكثر عرضة لتراكم المخلفات وفقدان جزء من المشهد البصري الذي يحيط به. وفي حال استمر الاهتمام بالموقع، يمكن أن يتحول المعبد من أثر يمر به سكان الصنمين يومياً دون انتباه إلى معلم ثقافي وسياحي يروي جانبًا من تاريخ المدينة وحوران.
شاهد أقدم على عمارة البازيليكا في سوريا
تزداد أهمية المعبد من الناحية التاريخية والمعمارية باعتباره، وفق دائرة آثار درعا، نموذجاً مبكراً لبناء البازيليكات، وهو نمط معماري سبق استخدامه لاحقاً في العمارة الكنسية. وقد سُجل المعبد على لوائح التراث الوطني بموجب القرار 148/آ لعام 1968، اعترافاً بقيمته التاريخية والأثرية. وبين الأعمدة البازلتية والمحاريب والكتابات القديمة، يقدم المعبد صورة صغيرة عن تاريخ أكبر عاشته حوران عبر قرون طويلة.
لا يحتاج معبد تيكه إلى أن يستعيد شكله الأول حتى يستعيد حضوره. فما بقي منه كافٍ لفتح نافذة على مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ الصنمين وحوران. ويبقى التحدي اليوم في الحفاظ على هذه البقايا، وحمايتها من الإهمال والعوامل المحيطة بها، وربطها بالمشهد الثقافي والسياحي للمنطقة.
ففي مدينة تغيرت ملامحها وتبدلت وظائف أماكنها، ما زال الحجر البازلتي يحتفظ بحكايته. وربما تكون أفضل طريقة لقراءة تاريخ حوران ليست في الكتب وحدها، بل في هذه الحجارة التي بقيت واقفة، بعد أن غادر أصحابها منذ نحو ألفي عام.









