سياسة

توقيف الصحفي إياد شربجي: تطبيق صرف للقانون أم محاولة لمصادرة حرية الرأي؟

بقلم هلا يوسف

شكلت الحرية والتعبير عن الرأي نواة الثورة التي خرج بها الشعب السوري ضد النظام السابق. ومنذ أيام احتفل السوريون في الذكرى الأولى لتحرير سوريا. وشارك الكثير من المغتربين الذين قدموا إلى بلدهم خصيصاً للمشاركة بهذه الفرحة. ومن بينهم الصحفي السوري المقيم في الولايات المتحدة إياد شربجي، وبعد أيام من ظهوره الإعلامي وإشادته بهامش الحرية في البلاد على قناة الإخبارية في برنامج “على الطاولة”، جرى توقيفه يوم الأحد 14 كانون الأول داخل فرع الأمن الجنائي في دمشق، على خلفية دعوى قضائية مرفوعة ضده بتهمة “إثارة النعرات”.

وبحسب المعلومات المتاحة، فإن شربجي توجه لمراجعة الفرع الأمني، حيث تم احتجازه، من دون صدور أي بيان رسمي من وزارة الداخلية يوضح أسباب التوقيف.

تعود القضية إلى شكوى قانونية قدمها المحامي رشيد عبد الجليل، شملت الصحفي إياد شربجي والممثل جلال شموط. وتركز الشكوى على اتهامات بالقدح والذم وإثارة النعرات الطائفية، واعتبار ما صدر عنهما مساساً بالوحدة الوطنية.

الخلاف بدأ بعد نشر شربجي مقطعاً مصوراً فُسر على أنه إساءة لشريحة واسعة من السوريين، ولا سيما الجيل الذي نشأ في محافظة إدلب خلال سنوات الثورة. في المقابل، رفض شربجي هذه الاتهامات، وأكد عبر منشور على فيسبوك أنه لم يكن يقصد إدلب أو سكانها، بل كان يتحدث عن جيل الألفية الذي نشأ في ظروف استثنائية، وضم أبناء من مختلف المحافظات السورية.

وطالب المحامي عبد الجليل في دعواه، بإحالة شربجي إلى إدارة الأمن الجنائي وتحريك دعوى أمن عام تمهيداً لتقديمه إلى القضاء.

بينما نفى محامي شربجي هادي بازغلان الأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وضع موكله، والتي تحدثت عن أنه غير موقوف، أو موجود في منزله، أو خاضع لإقامة جبرية، أو أنه خضع لاستجواب سريع ثم أخلي سبيله، أو عن وجود وساطات أدت إلى الإفراج عنه.

وأوضح بازغلان أن هذه المعلومات عارية عن الصحة تماماً، مؤكداً أن موكله محتجز حالياً على ذمة التحقيق في فرع أمن المعلوماتية لمدة 24 ساعة قابلة للتمديد، إلى حين الانتهاء من التحقيقات الجارية.

وأكد أن موكله قدم وجهة نظره في ظاهرة مجتمعية بوصفه خبير في دراسة منظمات المجتمع المدني وعلم الاجتماع وحاصل على دبلوم تربية يؤهله النظر في هذه المسائل وهو لم يتقصد التهجم والاساءة لاحد كان .

وأضاف أن شربجي يعامل معاملة جيدة داخل الفرع، وأنه على تواصل مباشر معه، مشيراً إلى أن موكله رفض أي تدخل من أي جهة كانت، وأصر على أن تسير الإجراءات وفق القانون دون أي استثناء.

كما حاولنا في موقع “سوريا اليوم 24” التواصل مع شربجي إلا أنه لم يجب، وعندما سألنا بعضاً من أصدقائه عن السبب، أخبرونا بأنّه محتجز دون السماح له بالاحتفاظ بهاتفه.

على صعيد آخر، أوضح نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل أنه بتاريخ 23 تشرين الثاني الماضي، كلف المحامي رشيد عبد الجليل بتقديم الشكوى بحق شربجي وشموط، إلى جانب تكليف محامين آخرين برفع إخبارات ضد شخصيات مختلفة منها وئام وهاب ونضال معلوف وماهر شرف الدين في قضايا تتعلق بأمن الدولة. واعتبر الطويل أن تحرك النقابة في مثل هذه القضايا يأتي من باب المسؤولية المهنية والوطنية، وعدم السماح بالإساءة إلى الدولة أو رموزها.

ويعد شربجي من الوجوه الإعلامية المعروفة في المعارضة السورية للنظام السابق، كما أنه معروف بمعارضته للنظام الحالي وينتقد “الصبغة الدينية” للدولة، وسبق أن شارك في تأسيس رابطة الصحفيين السوريين عام 2012، كما أسهم في إطلاق موقع “السوري الجديد”عام 2015 وتولى رئاسة تحريره. وقبل الثورة السورية، كان رئيساً لتحرير مجلة “شبابلك”، التي توقفت عام 2009 بعد تعرضها لضغوط ومضايقات أمنية.

عقاب أم تطبيق للقانون؟

رأى عدد من الصحفيين والحقوقيين والناشطين، أن توقيف إياد شربجي يأتي في سياق ضاغط وعقابي أكثر مما هو ضرورة قانونية، خاصة في ظل غياب معايير واضحة لقوانين الحريات، والاعتماد على نصوص قانونية عامة وفضفاضة تفسر بحسب مضمون ما يعبر عنه الفرد.

وأشاروا إلى أن القضايا المرتبطة بإبداء الرأي لا تستدعي عادة التوقيف، بل تقتصر على الاستماع للأقوال ومتابعتها عبر المسار القضائي الطبيعي، معتبرين أن ما يجري يفتح الباب أمام تجريم الرأي ويثير تساؤلات حقيقية حول ازدواجية المعايير، ولا سيما مع تجاهل خطابات تحريضية وطائفية علنية شهدتها الفترة الماضية من دون محاسبة.

ولفت هؤلاء إلى أن تهماً عامة مثل “تهديد السلم الأهلي” و”إثارة النعرات” باتت تستخدم كوسائل ترهيب، لا كمعايير قانونية محددة وواضحة.

وأكدوا أن المسألة تتجاوز شخص الموقوف، لتطال مبدأ حرية التعبير نفسه، مشددين على أن إبداء الرأي أو معارضة السلطة أو انتقاد الأوضاع العامة يجب ألا يكون سبباً لتوقيف أي فرد، في بلد خرج شعبه مطالباً بالحرية.

من جهتها جددت رابطة الصحفيين السوريين في بيان على موقعها الرسمي، مطالبتها بضرورة صون حرية التعبير وحماية الصحفيين من الملاحقات المرتبطة بآرائهم المهنية، مؤكدة أن أي مساءلة قانونية يجب أن تتم وفق معايير واضحة، وبما ينسجم مع القوانين السورية والالتزامات الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، وبما يمنع الخلط بين النقد أو النقاش العام وبين خطاب الكراهية أو التحريض.

وفي الخندق المقابل، عبّر البعض عن عدم رضاهم بالخلط بين الصحافة ومخالفة القانون، ودعوا إلى عدم “منح الصحفيين حصانة لا يستحقونها”.

من الذي طرحوا هذه الفكرة ويمكن أن يختصر هذا الرأي، الناشط السوري-السويدي مصطفى عيسى، والذي غمز من طرف الموضوع دون تسميته قائلاً: “قبل خمسة عشر عاماً، أقدم صحفي في صحيفة يومية سويدية معروفة على شراء مسدّس من السوق السوداء…في محاولة لتقصّي مدى سهولة حيازة السلاح في السويد واتساع نطاق انتشاره. ورغم نيّة الصحيفة المعلَنة وادّعاء ضرورة تسليط الضوء على هذه القضية، اعتبر المدّعي العام الفعل جريمة مكتملة الأركان. استمرّت القضية في أروقة المحاكم خمس سنوات كاملة، إلى أن أقرّت المحكمة العليا إدانة الصحفي، ورئيس التحرير، ومدير الصحيفة…بجريمة حيازة سلاح بطرق غير مشروعة. خلص القضاء السويدي…بعد سنوات من التحقيق والنقاش، إلى حقيقة واضحة: مهنة الصحافة لا تمنح صاحبها صكّاً مفتوحاً يبيح له تجاوز القانون، ولا تُدرج كل فعلٍ يقوم به تلقائياً تحت مظلّة حماية الصحافة وحرية التعبير. لا تزال سوريا تخطو خطوات متواضعة نحو بناء دولة العدل…ونحو قضاءٍ حرّ ونزيه. ولذا فلا يجب أن تتحوّل أي حالة اعتقال، سواء لشخصية عامة أو غير عامة، إلى قضية رأي عام تفرض ضغطها على القضاء، فتعيق تطوّره، وتنتقص من حياده وتجرده”.

باختصار، قضية توقيف الصحفي إياد شربجي تتجاوز شخصه سواء كنا مؤيدين لرأيه أو معارضين له. إذ تشكل هذه القضية اختبار حقيقي لمدى احترام حرية التعبير وسيادة القانون في سوريا الجديدة. وهي منطلق بناء الثقة بين الدولة والشعب الذي يريد التحدّث بحريّة.

اقرأ أيضاً: الحرية الرقمية في سوريا الجديدة: تعبير عن الرأي أم فوضى مؤسساتية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى