المياه في ريف حمص الجنوبي تعاني بسبب مخلفات المدينة الصناعية في حسياء

بقلم هلا يوسف
تعد مشكلة تلوث المياه من أخطر المشكلات البيئية التي تؤثر على حياة الإنسان والزراعة والطبيعة بشكل عام، لأن المياه ترتبط مباشرة بصحة السكان والإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية. وفي ريف حمص الجنوبي ظهرت خلال السنوات الأخيرة مخاوف كبيرة بسبب تلوث المياه الناتج عن مخلفات المدينة الصناعية في حسياء، والتي تصل إلى وادي الربيعة ثم إلى نهر العاصي وبحيرة قطينة.
وقد ازدادت هذه المخاوف بعد عودة عدد من المعامل للعمل من جديد، في وقت ما تزال فيه محطات معالجة المياه الصناعية متوقفة أو غير فعالة بالشكل المطلوب. ويرى الأهالي والخبراء أن استمرار تصريف المياه الملوثة يشكل تهديداً خطيراً للبيئة والمياه الجوفية والزراعة وصحة السكان، خاصة أن كثيراً من القرى تعتمد على مياه الآبار ونهر العاصي في الري والاستخدام اليومي.
أسباب التلوث ومصدر المشكلة
أوضح مدير مكتب الإعلام الحكومي في منطقة القصير، نبيل المصري، أن السبب الرئيسي للمشكلة يعود إلى إعادة تشغيل بعض المنشآت الصناعية في المدينة الصناعية بحسياء، وخاصة معمل السكر، من دون تشغيل محطة التكرير الخاصة بالمخلفات الصناعية.
وتقوم عدة معامل بتصريف مياهها الصناعية في مجرى وادي الربيعة، وهو وادٍ يبدأ من المناطق الجبلية ثم يتجه نحو نهر العاصي. وتحمل هذه المياه مواد كيميائية ومخلفات صناعية مختلفة تنتقل مع مجرى المياه إلى الأراضي الزراعية والمناطق السكنية.
وأشار المصري إلى أن محطة المعالجة موجودة بالفعل داخل المدينة الصناعية، لكنها متوقفة عن العمل وتحتاج إلى إعادة تشغيل وصيانة من خلال شركة متخصصة. وأضاف أن الجهات المحلية تواصلت مع إدارة المدينة الصناعية ومحافظة حمص ووزارات البيئة والري من أجل إيجاد حل سريع، كما جرى الحديث عن إمكانية التعاقد مع شركة لإعادة تشغيل محطة المعالجة خلال الفترة القادمة.
وبالرغم من هذه الوعود، ما يزال الأهالي يلاحظون بشكل مستمر تغيرات واضحة في المياه، خاصة خلال فصل الشتاء وفترات الأمطار والسيول. ففي بعض الأحيان يتحول لون المياه إلى الأحمر، وفي أحيان أخرى تظهر رغوة وروائح قوية ومواد غريبة على سطح المياه، ما يؤكد وجود تلوث واضح في مجرى الوادي.
تأثير التلوث على البيئة والزراعة
لا تقتصر آثار التلوث على شكل المياه أو رائحتها فقط، بل تمتد إلى البيئة الطبيعية والزراعة والثروة الحيوانية. فالمياه الملوثة تصل في النهاية إلى نهر العاصي، الذي يُعد من أهم مصادر المياه في المنطقة، كما تصب فيما بعد في بحيرة قطينة.
وكان سكان المنطقة يعتمدون منذ سنوات طويلة على مياه نهر العاصي في الري والصيد والسباحة بسبب نقاء المياه ووجود أعداد كبيرة من الأسماك، إلا أن الوضع تغير بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. فقد تراجعت جودة المياه وقلت أعداد الأسماك، كما بدأت تظهر آثار سلبية على الأراضي الزراعية القريبة من مجرى الوادي.
وأكد الأهالي، بحسب الدراسات الميدانية، أن بعض الأشجار والمحاصيل الزراعية تعرضت للتلف بسبب استخدام المياه الملوثة في الري، كما ظهرت نباتات تتحمل الملوحة والتلوث في مجرى الوادي بدلاً من النباتات الطبيعية التي كانت تنمو سابقاً في المنطقة.
وأشار الخبراء إلى أن استمرار استخدام المياه الملوثة في الزراعة قد يؤدي إلى انتقال المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة إلى المحاصيل الزراعية، ومن ثم انتقالها إلى جسم الإنسان عبر الغذاء، وهو ما يشكل خطراً صحياً كبيراً على المدى البعيد.
المخاطر على المياه الجوفية
حذر الخبير في الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والموارد المائية أحمد إدريس، من أن أخطر ما في المشكلة هو وصول التلوث إلى المياه الجوفية، وليس فقط إلى المياه السطحية.
وأوضح أن وادي الربيعة يمر فوق صخور كلسية متشققة تعمل بطريقة تسمح بتسرب المياه بسهولة إلى داخل الأرض، ولذلك فإن المياه الملوثة تستطيع الوصول بسرعة إلى الخزانات الجوفية التي يعتمد عليها السكان في مياه الري والاستخدامات اليومية.
وأضاف إدريس أن المنطقة تعد من أهم مناطق المياه الجوفية في سوريا، كما أنها منطقة نشطة زلزالياً وتحتوي على فوالق وشقوق أرضية كثيرة، مثل فالق دمشق وفالق اليمونة، ما يزيد من سرعة انتقال الملوثات إلى الأعماق.
وبين أنه تابع هذه المشكلة منذ عام 2018، ووثق ميدانياً مئات الصور ومقاطع الفيديو التي أظهرت تغيرات كبيرة في شكل المياه، حيث ظهرت المياه أحياناً بلون أحمر، وفي أحيان أخرى كانت تشبه المواد النفطية السوداء ذات الروائح القوية.
كما أظهرت الدراسة أن وادي الربيعة لم يعد مجرد مجرى موسمي يعتمد على مياه الأمطار، بل أصبح مجرى دائماً بسبب استمرار تصريف المخلفات الصناعية والصرف الصحي فيه.
وامتد التلوث لمسافة تزيد على 16 كيلومتراً حتى قرية غوغران، حيث أكد مزارعون في قرى دحيريج وغوغران تغير طعم ورائحة مياه الآبار، ما أثار مخاوف من وصول التلوث إلى المياه الجوفية التي يستخدمها السكان بشكل مباشر.
التأثيرات الصحية المحتملة
يحذر المختصون من أن استمرار التلوث قد يؤدي مستقبلاً إلى مشكلات صحية خطيرة، خاصة مع وجود معادن ثقيلة ومواد كيميائية قد تتراكم داخل جسم الإنسان مع مرور الوقت.
وأوضح إدريس أن بعض المواد مثل الرصاص والكادميوم تُعد من العناصر الخطيرة التي قد تسبب أمراضاً مزمنة وتؤثر على الكبد والكلى والجهاز العصبي، وقد ترتبط أيضاً بارتفاع خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.
كما أشار إلى أن محطات تنقية مياه الشرب التقليدية تعتمد غالباً على الترقيد وإضافة الكلور، وهي طرق تساعد في إزالة الجراثيم وبعض الشوائب، لكنها لا تستطيع التخلص من المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة بشكل كامل. ولذلك قد تبدو المياه طبيعية من حيث اللون والطعم والرائحة، رغم احتوائها على ملوثات خطيرة لا يمكن اكتشافها إلا من خلال التحاليل المخبرية الدقيقة.
ومن جهتها، قالت رئيسة دائرة برامج الصحة العامة في مديرية صحة حمص، غدير صليبي، إن مديرية الصحة لا تمتلك حتى الآن دراسات رسمية تثبت وجود علاقة مباشرة بين التلوث الصناعي والأمراض المنتشرة في المنطقة.
وأضافت أن المراكز الصحية لم تسجل حتى الآن حالات جماعية أو مؤشرات وبائية مرتبطة بشكل واضح بالتلوث، لكنها أكدت أن أي تقييم صحي دقيق يحتاج إلى دراسات ميدانية وتحاليل علمية متخصصة بإشراف الجهات المعنية.
الحلول المقترحة لمعالجة الأزمة
يرى الخبراء والأهالي أن الحل الأساسي يبدأ بإعادة تشغيل محطة معالجة المياه الصناعية في المدينة الصناعية بحسياء ومنع تصريف المخلفات بشكل مباشر في وادي الربيعة ونهر العاصي.
كما طالبوا بإجراء تحاليل دورية للمياه الجوفية والتربة والمحاصيل الزراعية في القرى المتضررة، خاصة في مناطق غوغران ودحيريج وخربة رمزون والشقيف والضبعة، من أجل معرفة حجم التلوث الحقيقي وتأثيره على البيئة والسكان.
ودعا المختصون أيضاً إلى إيجاد طرق بديلة وآمنة لتصريف المخلفات الصناعية بعيداً عن مجاري المياه، إضافة إلى فرض رقابة بيئية صارمة على المنشآت الصناعية للتأكد من التزامها بمعايير السلامة البيئية.
في النهاية، تظهر مشكلة التلوث في ريف حمص الجنوبي حجم الخطر الذي قد ينتج عن غياب المعالجة الصحيحة للمخلفات الصناعية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية والزراعة، لأن استمرار تصريف المياه الملوثة في وادي الربيعة ونهر العاصي لا يهدد البيئة فقط، بل قد يؤثر مستقبلاً على صحة السكان والأمن الغذائي في المنطقة.
اقرأ أيضاً: عكارة مياه الشرب في اللاذقية بين التفسير الطبيعي وحق المواطن بالمياه الآمنة









