9 ملايين ليرة.. كيف سيدفئ السوريون عظامهم الباردة؟!

الكاتب: أحمد علي
شتاء جديد يطرق أبواب البيوت السورية، لكنه لا يأتي هذه المرة محمّلاً برائحة المطر فقط، بل محمّلاً بدفاتر حسابات صغيرة يفتحها كل أب وكل أم قبل أن يقرروا متى يشعلون المدفأة، ولأي غرفة، ولأي عدد من الساعات.
لم تعد المدافئ جزءاً من طقوس الدفء العائلية بقدر ما صارت مشروعاً اقتصادياً معقّداً، يتداخل فيه سعر المازوت وسعر الكهرباء وسعر الدولار، مع راتبٍ لا يكفي أساساً لطعام الشهر. ومع بداية شتاء 2025، تتحوّل تكلفة التدفئة في سوريا إلى سؤال أساسي: كم تحتاج أسرة سورية اليوم لتدفئة بيتٍ متواضع، في ظل أسعار كهرباء غير مسبوقة، وعجز واسع عن الاعتماد على الكهرباء للتدفئة؟
تعديل أسعار المحروقات الذي أعلنته «سادكوب» في 20 تشرين الثاني 2025 شكّل نقطة تحوّل واضحة، فوفق النشرة الجديدة ارتفع سعر ليتر المازوت من 8775 إلى 9000 ليرة سورية، وربطت الشركة التسعير بسعر صرف مقداره 12 ألف ليرة للدولار الواحد، مع تسعير المازوت بنحو 0.75 دولار لليتر، وأسطوانة الغاز المنزلي بنحو 10.5 دولارات، ما يعكس اعتماد سياسة تسعير مباشرة بالدولار ثم تحويلها إلى الليرة وفق سعر صرف ثابت لدى الشركة.
في الخلفية، تتكدّس أرقام أخرى لا تقل ثقلاً: تعرفة كهرباء جديدة تبدأ من 600 ليرة للكيلوواط الساعي للأسر حتى 300 كيلوواط ثم تقفز إلى 1400 ليرة لما فوق ذلك، بينما تصل التعرفة للمشتركين المعفيين من التقنين إلى 1700 و1800 ليرة، في وقت لا يحصل فيه كثير من السوريين إلا على بضع ساعات قليلة من التغذية الكهربائية يومياً حتى الآن.
تكلفة التدفئة في سوريا اليوم
لفهم الصورة بشكل ملموس، يمكن الانطلاق من سيناريو افتراضي ومقبول (متقشف) عن أوضاع الأسر مع اقتراب الشتاء، عنوانه أن الأسرة تحتاج إلى نحو 225 لتراً شهرياً من الوقود لتشغيل المدفأة لست ساعات يومياً.
إذا طبّقنا هذا الرقم على سعر ليتر المازوت الحالي (9000 ليرة)، فهذا يعني أن الأسرة تحتاج شهرياً إلى 225 × 9000 = 2.025.000 ليرة سورية، وإذا حوّلنا المبلغ إلى الدولار وفق سعر الصرف المعتمد لدى سادكوب (12 ألف ليرة للدولار)، فنحن أمام نحو 170 دولاراً شهرياً تقريباً فقط لتدفئة المنزل، بغض النظر عن باقي النفقات.
هذا الرقم هو الكلفة الشهرية، ولأربعة أشهر شتوية فعلية، ترتفع كلفة التدفئة وحدها إلى نحو 8.1 ملايين ليرة سورية في موسم واحد، وهذا الحديث يدور حول مدفأة واحدة في المنزل، ويتضاعف بحال وجود مدفأتين ليتجاوز 16 مليون ليرة سورية خلال الموسم، وفي ظل هذا المستوى من الأسعار، تصبح تكلفة التدفئة في سوريا بنداً منافساً للغذاء والسكن، لا مجرد كلفة موسمية يمكن امتصاصها ضمن ميزانية الأسرة.
مازوت أغلى من الرواتب
التحدي الأكبر ليس في الرقم نفسه، بل في مقارنته بالدخل، فالمعطيات تشير إلى أن متوسط الراتب الشهري اليوم لا يتجاوز نحو 900 ألف ليرة سورية، بينما وصلت تكاليف معيشة الأسرة في بداية تموز 2025 إلى 7.1 مليون ليرة سورية وفق حساب أجرته صحيفة قاسيون السورية لتغطية الحاجات الأساسية، قبل موجة الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة.
وبافتراض أن تكاليف المعيشة لم تتغير منذ شهرين حتى الآن، فإن تكلفة المعيشة مضافةً إلى تكلفة الدفء في أشهر الشتاء ستتجاوز 9 مليون ليرة سورية في الشهر الواحد!
إذا وضعنا هذه الأرقام جنباً إلى جنب، نرى أن سيناريو 225 لتراً شهرياً (2.025.000 مليون ليرة) يعادل أكثر من ضعفي متوسط الراتب الشهري (2.25)، وهذا الضغط يأتي فوق طبقة أعمق من الأزمة؛ فوفق منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويحتاج 16 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، مع انعدام أمن غذائي يطال أكثر من 14 مليوناً.
ضمن هذا السياق، يتضح بصورة جليّة أن تكلفة التدفئة في سوريا تتحول إلى عنصر إضافي يدفع الأسر إلى الاختيار بين الدفء والطعام، أو بين شراء المازوت وتسديد الإيجار.
كهرباء مكلفة وغير متاحة
نظرياً، قد يبدو اللجوء إلى الكهرباء بديلاً عن المازوت، لكن التعرفة الجديدة للكهرباء تجعل هذا الخيار محفوفاً بكلفة عالية أيضاً. فوفق قرار وزارة الطاقة السورية، أصبحت تعرفة الاستهلاك المنزلي تعتمد شريحتين: 600 ليرة للكيلوواط الساعي حتى 300 كيلوواط في الدورة، و1400 ليرة لما يزيد عن ذلك.
فإذا افترضنا أسرة تستخدم مدفأة كهربائية باستطاعة 2 كيلوواط لمدة 8 ساعات يومياً (على فرض أن الكهرباء ستتوفر لهذه المدة استناداً إلى الوعود التي تتحدث عن ساعات وصل من ذلك)، فهذا يعني استهلاكاً قدره 16 كيلوواط ساعي في اليوم، أي نحو 480 كيلوواط في الشهر.
أول 300 كيلوواط تُحتسب بـ 600 ليرة (180 ألف ليرة)، والـ 180 كيلوواط المتبقية بـ 1400 ليرة (252 ألف ليرة)، لتصل فاتورة التدفئة وحدها إلى نحو 432 ألف ليرة شهرياً، أي ما يقارب نصف متوسط الراتب الشهري تقريباً، وذلك من دون احتساب إنارة المنزل أو تشغيل باقي الأجهزة، ومع احتسابها سيكون الراتب الشهري «طار» كليّاً.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أن السوريين لا يحصلون إلا على بضع ساعات محدودة من الكهرباء، تتراوح في بعض المناطق ما بين 2 – 4 ساعات فقط في اليوم، ما يعني أن خيار الاعتماد على الكهرباء للتدفئة أصبح شبه مستحيل عملياً، حتى لمن يستطيع نظرياً دفع الفاتورة.
وهذا ما سيدفع الكثير من الأسر إلى الاعتماد على المازوت رغم غلائه، أو إلى الحطب والفحم والقشور، أو حتى إلى حلول خطرة مثل حرق البلاستيك وبقايا القمامة داخل المدافئ، مع ما تحمله من أخطار صحية مباشرة على الأطفال وكبار السن.
في مناطق شمال غرب سوريا، يقدّر تقرير صحفي أن سعر برميل المازوت تجاوز هذا الشتاء 200 دولار، بعد أن كان نحو 125 دولاراً في الشتاء السابق، بينما وصل سعر طن الحطب إلى حدود 200 دولار، وارتفع سعر طن قشور الفستق والجوز والبندق من 150 إلى نحو 230 دولاراً، ليصبح القشور خياراً مفضلاً نسبياً لأنه يكفي لتشغيل مدفأة طوال فصل الشتاء، في حين تحتاج مدفأة المازوت إلى برميلين على الأقل.
الأرقام تعكس عمق الأزمة
عند جمع كل هذه العناصر، تتضح ملامح المشهد، وتصبح تكلفة التدفئة في سوريا كاشفاً مكثفاً للأزمة/ الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي تعيشها العوائل السورية: أسرة تريد دفئاً «معقولاً» قد تحتاج إلى ثلاثة رواتب شهرياً فقط للمازوت، أو إلى التضحية بالدفء والاكتفاء بطبقات من الأغطية والملابس الثقيلة، أو الاعتماد على حلول بديلة غير آمنة.
ومع أن الأرقام الواردة هنا تبقى تقديرية وتختلف من منطقة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، فإنها تكفي لتوضيح أن معركة السوريين مع برد 2025 لم تعد معركة مع الطقس فقط، بل مع معادلة اقتصادية قاسية تحوّل أبسط حق إنساني، وهو الشعور بالدفء في البيت، إلى مسألة حسابات معقّدة بين ما يدخل إلى الجيب وما يخرج منه.
اقرأ أيضاً: كم كلفة فواتير الكهرباء على الناس العاديين بعد رفع الأسعار؟









