تكشف لأول مرة: خارطة طريق تطوير حقول الغاز في سوريا لربع قرن!

الكاتب: أحمد علي
بينما يبدو المستقبل أبعد مما ينبغي، تخرج من ملفات الطاقة السورية قصةٌ جديدة تشبه وعداً مؤجلاً. ليس لأنها تتحدث عن الغاز وحده، بل لأنها تمتحن قدرة دولة أنهكتها الأزمات على صياغة عقدٍ طويل الأمد يعيد حرارة العصب الطاقي إلى الجسد الاقتصادي. هنا، تتداخل الحسابات التجارية مع الوقائع السياسية، وتلتقي شهية الاستثمار مع هشاشة البنية، فيما يحمل العنوان العريض اسماً سورياً مألوفاً: أيمن الأصفري، وعرضٌ مفصل لتطوير حقول الغاز في سوريا على مدى ربع قرن.
المقال التالي يعتمد بمعظمه على المعلومات التي تمّ تحقيقها من خلال موقع «هاشتاغ» في 5 أيلول 2025.
ما الذي يتضمنه عرض تطوير حقول الغاز في سوريا؟
تفيد «هاشتاغ» بأن شركة «نوفاتيرا» للطاقة، التي يقودها الأصفري، تستعد للدخول في مفاوضات مع وزارة الطاقة السورية مطلع تشرين الثاني 2025، على أساس خطة تمتد 25 عاماً لتطوير 47 حقلاً موزعة في حمص والحسكة والجبسة. الهدف التشغيلي قريبٌ زمنياً: توقيع الاتفاق في كانون الأول 2025، وبدء أعمال التطوير والإنتاج في 1 كانون الثاني 2026. ويقوم جوهر الخطة على زيادة إنتاج الغاز بمقدار 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية السنة الثالثة، ثم المحافظة على هذا المستوى لأطول فترة ممكنة.
من يدفع وكيف تُقسَّم العوائد؟
تضع «نوفاتيرا» على الطاولة تمويلاً إجمالياً قدره 5 مليارات دولار على مدى العقد، مع إنفاق يُقارب 1.4 مليار دولار في السنوات الثلاث الأولى (دون تكاليف التشغيل) لتحقيق قفزة الإنتاج المستهدفة. ومن الناحية التعاقدية، تُحدِّد «هاشتاغ» أن الإطار المقترح هو اتفاق تقاسم إنتاج مع مفاوضات حصرية لا تقل عن ثلاثة أشهر، تحصل الدولة بموجبه على 12.5% من قيمة الإنتاج مباشرة “كإتاوة” حكومية، ثم تسترد الشركة تكاليفها التشغيلية والتدريبية، قبل تقسيم أرباح البيع التجاري وفق ما يُتفق عليه لاحقاً.
خرائط التنفيذ
لا يكتفي العرض بعناوين عامة؛ بل يضع مساراً مرحلياً متدرجاً. تبدأ الخطة بإصلاح المرافق والآبار القائمة، وتركيب منظومات تعزيز الضغط، وإجراء مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد على الحقول المطورة والاكتشافات الجديدة، إلى جانب إعادة تأهيل شبكة الغاز وربطها بمحطات محددة مثل SMAG GTP وNMAG GTP وMAG.
ومع انتقال العمل إلى المرحلة اللاحقة، يُفتح باب الحفر الإضافي وربط الآبار ونمذجة الخزانات وتحديث أنظمة التحكم في محطات حيان وإيبلا ودير الزور وبيلعاس. وفي مرحلة ثالثة، يُستأنف الحفر في مناطق مكتشفة حديثاً وربط الآبار وتوسيع أعمال الاستكشاف باتجاه محطات الحسكة وجبسة، وصولاً إلى مرحلة رابعة تُخصَّص للاستكشاف الخالص وتوسيع قاعدة الموارد المتاحة.
أرقام الإنتاج المتوقعة
تقدّر «هاشتاغ» أن يصل الإنتاج خلال المرحلة الأولى إلى نحو 67 مليون متر مكعب يومياً ولمدة ثماني سنوات، ثم يدور في محيط 58 مليون متر مكعب يومياً خلال 12 عاماً تليها، قبل أن يستقر في المرحلة الثالثة عند نحو 38 مليون متر مكعب يومياً لعشر سنوات إضافية. ورغم اختلاف طبيعة هذه الأرقام بين طاقة إنتاجية ومتاح قابل للاستخراج زمنياً، فإنها ترسم منحنى طويل الأمد يُراهن على تحسين الكفاءة وفتح طبقات إنتاج جديدة بالتوازي. ما يعني أن نجاح «نوفاتيرا» في بلوغ زيادة 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية السنة الثالثة سيحتاج إلى صيانة تقنية ومالية متواصلة كي لا تتبدد المكاسب عند أول هبوطٍ في الضغوط أو تعطلٍ في الشبكة.
الشراكات المحلية والتمويل الموازي
على الأرض، تقترح الشركة العمل جنباً إلى جنب مع «الشركة السورية للغاز» عبر كيانٍ تشغيلي مشترك. تتولى «نوفاتيرا» دور المشغّل لاستعادة الإنتاج، فيما تقدّم الشركة السورية المشورة الفنية وتُسهل الوصول إلى البيانات والحقول، وتراقب الامتثال لسلسلة التوريد.
وعلى صعيد المال، تقول «هاشتاغ» إن التمويل سيأتي من موارد داخلية وشركاء محتملين عبر حقوق ملكية وربما ديون، مع رغبة «نوفاتيرا» في الاحتفاظ بحقوق السوائل والمكثفات لسداد الاستثمارات وتحقيق العائد، إضافةً إلى نقاشاتٍ مع ائتلافٍ قطري–تركي مرتبط بمحطات توليد جديدة داخل سوريا. كما يتضمن الطرح بند «ضمان حكومي» لتعويض أي عجز في سداد حصة الشركة من إنتاج الغاز، وهو تفصيلٌ يزيد جاذبية المشروع للممولين ويُلزم الطرف العام بإطارٍ مالي واضح.
هل تمضي الحكومة في التوقيع؟
يبقى السؤال السياسي واقفاً عند بوابة القرار: هل تمضي الحكومة السورية في توقيع اتفاق تقاسم الإنتاج واتفاق التشغيل المشترك قبل نهاية 2025، أم تميل إلى تأجيلٍ تفرضه اعتبارات داخلية وخارجية؟
تُذكّر «هاشتاغ» بأن الأشهر القليلة المقبلة كفيلة بإظهار اتجاهات السياسة تجاه الاستثمارات الدولية في ملف الغاز، وبأن المنافسة المحتملة من أطرافٍ أخرى ستجعل من تفاصيل الضمانات ونموذج تقاسم الأرباح والتزامات الصيانة والشفافية عناصر حاسمة في الترسية النهائية. أما ربح المجتمع والاقتصاد، فمرتبطٌ بقدرة تطوير حقول الغاز في سوريا على الانتقال من جداول التنفيذ إلى ساعات التشغيل الفعلي دون انقطاعاتٍ تُبدد الثقة.
في المحصلة، تظهر أمامنا معطياتٍ دقيقة حول مشروعٍ متكامل العناوين، من التمويل إلى التشغيل، ومن خطوات الإصلاح إلى طموحات الاستكشاف. وإذا كان الطريق إلى استعادة أمن الطاقة طويلاً، فإن وضوح مسار تطوير حقول الغاز في سوريا قد يكون الشرط الأول لقطع نصفه.
اقرأ أيضاً: أذربيجان والغاز إلى سوريا ومنها: كيف تصبح معادلة ربح ربح للجميع؟









