تقسيم سوريا… هل يتحول الكابوس إلى واقع؟

الكاتب: أحمد علي
في شوارع دمشق وحواري حلب، وعلى امتداد الجغرافيا السورية المثخنة بجراح الحرب، يرتسم سؤال مصيري يقلق الجميع: هل تسير سوريا فعلاً نحو التقسيم، أم أن وحدة البلاد ما زالت ممكنة؟ عقدٌ دامٍ من الصراع رسم خطوط تماس على الخريطة أشبه بحدود غير رسمية، وولّد قوى أمر واقع. وهذا الواقع الممزق أطلق العنان لسيناريوهات تتنبأ بمستقبل سوريا بين الوحدة والتقسيم. ورغم أن معظم السوريين يتمسكون بوطن موحد، إلا أن الوقائع خلال الأشهر الأخيرة فرضت نقاشاً صريحاً: فهل يتحول شبح تقسيم سوريا إلى حقيقة ملموسة؟
سيناريوهات تقسيم سوريا: طائفي أم جغرافي؟
منذ بدايات الأزمة، طُرحت تكهنات حول احتمال نشوء كيانات أو دويلات على أسس طائفية أو إثنية أو مناطق نفوذ جغرافية. يتخيل البعض مستقبل سوريا مقسّماً: دولة علوية في الساحل، وإقليم كردي ذو حكم ذاتي في الشمال الشرقي، ودويلة درزية في الجنوب، فيما تتولى السلطة في دمشق أمر ما تبقى. لكن هل يمكن لهذه المناطق أن تتحول إلى دويلات مستقلة حقاً؟
يشير خبراء الديمغرافيا إلى صعوبة التطبيق؛ إذ لا توجد في سوريا كتل سكانية ذات لون طائفي واحد. فالساحل مثلاً فيه مزيج من السنّة والعلويين والمسيحيين جنباً إلى جنب، والشمال الشرقي مختلط بالعرب والأكراد بما لا يسمح بقيام كيان قومي نقي، والجنوب (السويداء) يفتقر إلى مقومات الانفصال. وهذا لا ينفي أن الحرب غيّرت التركيبة السكانية في بعض المناطق بفعل التهجير، فجعلت بعضها أكثر “تجانساً”.
وهناك من يطرح التقسيم على أساس جغرافي – سياسي أكثر منه طائفي؛ أي تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تدور في فلك قوى خارجية مختلفة. هناك من يتصور ثلاث مناطق نفوذ رئيسية: منطقة غربية تحت الهيمنة الروسية، وشمالية برعاية تركيا، وشرقية بتأثير أمريكي (مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية الغنية بالموارد). في إشارة إلى أن هذه المناطق قد لا تُعلن دويلات مستقلة رسمياً، لكنها عملياً تعمل ككيانات منفصلة بحدود ومعابر وسلطات خاصة. وليست فكرة التقسيم جديدة تماماً؛ فخلال الانتداب الفرنسي سعت باريس عام 1920 إلى تقسيم سوريا إلى خمس كيانات طائفية ومناطقية: دمشق، حلب، جبل الدروز، جبل العلويين، وقيام دولة لبنان الكبير. ورغم اندماج تلك الدويلات لاحقاً تحت ضغط الرفض الشعبي، يعود الحديث اليوم عن سيناريوهات مشابهة لكن بصيغ مستحدثة وبفعل عوامل داخلية وخارجية معقدة.
مواقف اللاعبين الدوليين: رفض معلن ومصالح خفية
على المسرح السوري، لا تقتصر قضية الوحدة أو التقسيم على رغبات السوريين؛ فالقوى الدولية والإقليمية تمتلك تأثيراً حاسماً في رسم مستقبل سوريا. واليوم علناً، تعلن كل الأطراف تمسكها بوحدة الأراضي السورية. روسيا مثلاً، تكرر في كل مناسبة حرصها على سيادة سوريا ووحدة ترابها، وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك خلال زيارة الوفد السوري لروسيا مؤخراً.
تركيا من جهتها تضع أولوية قصوى لمنع قيام كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية. وقد أعلنت وزارة الدفاع التركية أن سلامة أراضي سوريا ووحدتها السياسية تمثل هدفاً أساسياً لأنقرة، مؤكدةً أنها «لا يمكنها أن تقبل بتفتيت وحدة الأراضي السورية تحت أي ذريعة». وريما ينبع هذا الموقف من هاجس الأمن القومي التركي؛ فأي تقسيم لسوريا قد يفضي إلى دويلة كردية في الشمال وهو ما تعتبره أنقرة خطاً أحمر. لذا تدخلت تركيا عسكرياً مراراً داخل الأراضي السورية، وهي تسيطر اليوم على شريط حدودي واسع. ورغم تأكيد أنقرة دعم وحدة سوريا، فإن سيطرتها على تلك المناطق تفرض أمراً واقعاً انفصالياً قد يمتد طالما بقي «التهديد الكردي» قائماً، غير أن ذلك غير وارد في مستقبل الأيام، فالملف الكردي في تركيا والمنطقة وضع على طاولة الحل ما بعد تسليم حزب العمال الكردستاني السلاح ودعوة عبد الله أوجلان للانتقال للعمل السياسي.
أما الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون فيعلنون بدورهم التزامهم بوحدة سوريا. ومع ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة بقوات لها ونفوذ في الشرق، مما يطرح تساؤلات حول نواياها الفعلية. خصوصاً مع أخذ موقف كيان الاحتلال الإسرائيلي بعين الاعتبار، فهذا الأخير لم يوفر مناسبة منذ سقوط سلطة الأسد في سوريا وتدمير مقدرات الجيش السوري السابق، إلا وأعلن عن رغبته بتقسيم سوريا، وصحف الكيان تزخر بتحليلات من هذا القبيل. وكشفت تقارير أن «إسرائيل» ضغطت على واشنطن في الفترة الماضية لإبقاء سوريا “ضعيفة وغير مركزية”، أي بلا حكومة مركزية قوية تفرض سيطرتها التامة. ومحاولات فرضها منطقة معزولة السلاح في الجنوب السوري كاملاً تكشف ما تصبو إليه.
عربياً، تعلن دول مثل السعودية تمسكها الثابت بوحدة سوريا. وقد شهد عام 2023 إعادة انفتاح عربي على دمشق وعودة سوريا إلى الجامعة العربية في مسعى لدعم استقرارها. وراء الكواليس، لدى بعض العواصم العربية مخاوف حقيقية من أن استمرار الفوضى سيؤدي إلى تفكك سوريا. عبّر عن ذلك مسؤول خليجي كبير محذراً من “مخاوف حقيقية من أن سوريا تتجه نحو تقسيمها إلى دويلات” في ظل إراقة الدماء وانعدام الثقة بين مكونات الشعب. هذا التحذير يعكس هاجساً إقليمياً من أن تقسيم سوريا قد يفتح باباً لاضطرابات يتجاوز أثرها حدود البلد.
الخلاصة أن الجميع يتحدث عن وحدة سوريا ظاهرياً، لكن لكل طرف أولوياته الخفية المبنية على المصلحة والمشروع، والواضح الآن أن أمريكا و ربيبتها «إسرائيل» يحاولان أن يرسما المشاريع الجديدة للمنطقة بما فيها سوريا، وهما من يتحدثان عن مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وهنا لا يمكن الفصل بين الموقف الإسرائيلي والأمريكي، فهما واحد وموقفها ثابت حول الأساسيات ولو حدث بعض التباين فيما يتعلق ببعض القضايا الجزئية أو الثانوية.
دروس التاريخ: التقسيم وصانعو الخرائط الكبار
بالعودة إلى صفحات التاريخ، نجد أن التقسيم غالباً ما جاء بإرادة القوى الكبرى أكثر منه بإرادة الشعوب. من اتفاقية سايكس-بيكو التي رسمت حدود المشرق قبل قرن متجاوزةً تطلعات أهله، إلى تقسيم شبه القارة الهندية، وصولاً إلى تفكيك يوغوسلافيا في التسعينيات، كلها شواهد على دول تفككت تحت ضغط ظروف دولية وحروب إقليمية. في يوغوسلافيا مثلاً، أدت حرب أهلية مدمرة وتوترات إثنية إلى تدخل غربي حاسم عجّل بتفكيك الاتحاد اليوغوسلافي إلى دول عدة. وقد تداخلت في مسار انهيار الدولة اليوغسلافية أبعاد داخلية عرقية ودينية مع أبعاد خارجية مرتبطة بنفوذ قوى إقليمية وكبرى. وبالمثل، لم تكن محاولة تقسيم سوريا إبان الانتداب الفرنسي لتفشل لولا تضافر مقاومة السوريين محلياً مع تغير حسابات القوى المستعمرة. لكن دروس التاريخ تقول إن رفض الشعوب للتقسيم لا يكفي وحده؛ إذ قد تفرض القوى الكبرى رؤيتها إن وجدت أن مصالحها تتطلب ذلك.
واليوم، مهما صدحت أصوات بعض السوريين بالدعوة إلى التقسيم، يبقى مصير خريطتهم مرهوناً بتوافقات أو صراعات القوى الدولية. وهذا ليس تبريراً لمن قد يروجون لمشاريع انفصالية في الداخل، بل تنبيه إلى واقع لعبة الأمم.
في ضوء كل ما سبق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سوريا ذاهبة فعلاً باتجاه التقسيم أم أن هذه الفزاعة ستتبدد؟ الواقع أن سوريا اليوم ليست موحدة ولا مقسمة رسمياً؛ إنها تعيش حالة رمادية بين الاثنين. تسيطر الحكومة على الجزء الأكبر من البلاد، لكن أجزاء مهمة لا تزال خارج قبضتها. هذا التقسيم الفعلي يمكن أن يستمر ويتكرس كأمر واقع، ما لم يتم التوصل إلى حل يعيد توحيد البلاد. وكلما طال أمد هذا الوضع، زادت احتمالية تحوله إلى تقسيم رسمي عبر ترسيم حدود دائمة بين مناطق النفوذ.
بالمقابل، قد تبرز فرصة للوحدة عبر تسوية سياسية كبرى ترعاها القوى الدولية، تضمن حقوق جميع المكونات ضمن دولة سورية واحدة ربما بنظام فيدرالي أو حكم لامركزي، أو حتى دونهما. مثل هذه الصيغة يمكن أن تلبي تطلعات الأكراد والفئات المحلية للإدارة الذاتية، وربما أهل السويداء والساحل وفي الوقت نفسه تحافظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها المعترف بها.
صحيح أن وجدان غالبية السوريين يرفض فكرة التقسيم رفضاً قاطعاً، لكن ميزان القوى هو الذي سيتكفل بترجمة ذلك على الأرض. إن استمرار الحرب والتدخلات الخارجية دون حل سياسي يعني أن قرار الوحدة أو التقسيم قد يُتخذ في عواصم الخارج وفق مصالحها، بغض النظر عن رغبات الشعب. لذا، فإن منع التقسيم يتطلب عملاً يتجاوز التمنيات، عبر مشروع وطني سوري جامع يدعمه الإقليم والمجتمع الدولي، يبدد مخاوف الجميع ويقدم بديلاً ثابتاً عن سيناريو التفكك. حينها فقط قد تتوافق إرادة السوريين بوطن موحد مع مصالح الفاعلين الخارجيين، فيصبح الحفاظ على وحدة سوريا نقطة التقاء بدلاً من نقطة صراع.
في المحصلة، تقف سوريا اليوم على مفترق طرق تاريخي. المستقبل لا يزال غير محسوم: قد تنجح في البقاء دولة موحدة تستعيد عافيتها، وقد تنزلق إلى التقسيم إذا استمرت عوامل الصراع والانقسام قائمة. الأمر ليس حتمياً؛ فالتقسيم ممكن الحدوث إذا لم تُبذل جهود كافية لمنعه، لكنه ليس قدراً لا رجعة فيه إن وجدت الإرادة والتفاهمات اللازمة لإفشاله. ومهما يكن من أمر، ستظل العوامل الخارجية اللاعب الأبرز في تحديد مصير سوريا، إلا أن ذلك لا يلغي دور السوريين أنفسهم. فإذا استطاع السوريون توحيد كلمتهم وترتيب بيتهم الداخلي، فسيمتلكون ثقلاً أكبر في أي تسوية قادمة، وقد ينجحون في فرض خيار سوريا الموحدة على جدول أعمال الحل النهائي، مهما اشتدت ضغوط مخاطر التقسيم.
اقرأ أيضاً: تقسيم سوريا: الموقف التركي ودوافعه والتحديات التي تواجه البلاد








