سياسة

تقرير رويترز حول تحركات شخصيات مرتبطة بالأسد: بين الواقع وتشكيك المحللين

بقلم هلا يوسف

لتحقيقات رويترز حول سوريا وقع خاص داخل المجتمع السوري الذي يعتبر أنها وكالة لا تنشر كلاماً عن عبث، فوراء كل تقرير تنشره معلومات مؤكدة وتفاصيل مخفية حتى عن الكثير من المسؤولين. إلا أن توقيتات هذه التقارير تفتح المجال للتاؤيلات والتفسيرات، وتأخذ تقاريرها أبعاد مختلفة. فمثلاً كان لتقريرها الأخير أصداء واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي حول تحركات لشخصيات مرتبطة بالنظام السابق في الساحل السوري.

فبحسب تحقيق أجرته وكالة رويترز، يقوم عدد من الشخصيات التي كانت مقربة من بشار الأسد، والذين هرب كثير منهم إلى الخارج بعد سقوط النظام، بتحويل ملايين الدولارات إلى عشرات الآلاف من المقاتلين، على أمل إشعال انتفاضات ضد الحكومة السورية الجديدة واستعادة جزء من نفوذهم السابق.

وتذكر رويترز أن الأسد بدا مستسلماً لخروجه من سوريا، إلا أن بعض الشخصيات البارزة في دائرته الضيقة، ومن بينهم شقيقه ماهر، ما زالوا غير قادرين على تقبل فقدان السلطة.

ووجد التحقيق أن اثنين من أبرز المقربين من الأسد، هما اللواء كمال الحسن ورجل الأعمال الملياردير رامي مخلوف، يتنافسان على تشكيل ميليشيات في الساحل السوري ولبنان، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد عناصرها يتجاوز 50 ألف مقاتل في محاولة لكسب الولاء.

وتظهر وثائق داخلية نشرتها رويترز أن الحسن يدعي السيطرة على 12 ألف مقاتل، بينما يقول مخلوف إنه يشرف على أكثر من 54 ألف. غير أن قادة ميدانيين أكدوا للوكالة أن الرواتب المدفوعة للمقاتلين قليلة، وأن كثيرين منهم يتقاضون أموالاً من الجانبين معاً.

كما قال أربعة أشخاص على صلة بالأسد إن شقيقه ماهر، المقيم أيضاً في موسكو، والذي لا يزال يملك نفوذاً على آلاف الجنود السابقين، لم يقدم أموالاً أو يصدر أوامراً حتى الآن.

وتسعى الأطراف المتنافسة، بحسب رويترز، للسيطرة على شبكة من 14 غرفة قيادة سرية بنيت قرب الساحل السوري خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد، إضافة إلى مخابئ أسلحة مخفية. وقد أكد ضابطان ومسؤول محلي وجود هذه المنشآت، كما اطلعت الوكالة على صور تظهر تفاصيلها.

انقسام حاد بين الحسن ومخلوف

بحسب ما ذكرته وكالة رويترز يبرز انقسام حاد بين كمال الحسن ورامي مخلوف في سعي كل منهما لاستعادة نفوذ فقداه بعد سقوط نظام الأسد. فالحسن، الذي تولى سابقاً رئاسة المخابرات العسكرية، يمضي معظم وقته في إجراء اتصالات وإرسال رسائل صوتية لقادة ومقربين، يظهر فيها غاضباً من خسارته للنفوذ، ويتحدث عن رؤيته للسيطرة على الساحل السوري، الذي كان يعد المركز التقليدي لانتشار الطائفة العلوية وقاعدة حكم عائلة الأسد.

أما رامي مخلوف ابن خال الأسد، والذي كان أحد أبرز ممولي النظام خلال سنوات الحرب قبل أن يدخل في صراع مع بشار وأفراد من عائلته ويوضع تحت الإقامة الجبرية، فيقدم نفسه اليوم في رسائله على أنه “المنقذ” للعلويين بعد القيام بما يصفه “بالمعركة الحاسمة”. ولم يستجب أي من الحسن أو مخلوف لطلبات رويترز للتعليق، كما لم تتمكن الوكالة من الوصول إلى بشار أو ماهر الأسد رغم التواصل مع وسطاء.

وتشير رويترز إلى أن الحسن ومخلوف، اللذين يقيمان حالياً في موسكو، يتصوران سوريا مقسمة ويحاول كل منهما فرض سيطرته على المناطق ذات الغالبية العلوية. وبحسب ما توصل إليه التحقيق، أنفق الرجلان ملايين الدولارات لبناء قوات متنافسة، موزعين الوسطاء بين روسيا ولبنان والإمارات.

ويواجه الطرفان انقساماً واضحاً وتراجعاً في آمال الحصول على دعم من روسيا، التي كانت الحليف الأبرز للأسد. وبينما يشك كثير من أبناء الطائفة العلوية في نوايا الرجلين، تعمل الحكومة السورية الجديدة على إحباط تحركاتهما.

ولا تزال التفاصيل الدقيقة موضع شك، إذ لم تتمكن رويترز من التحقق من أعداد المقاتلين أو خططهم على الأرض، لكن محافظ طرطوس قدر عدد المقاتلين المحتملين بعشرات الآلاف.

غرف عمليات سرية

بحسب ما نقلته رويترز، قال أحد كبار المنسقين العسكريين لدى كمال الحسن إن القتال هو الطريقة الوحيدة لاستعادة “كرامة العلويين”، مضيفاً أن الطائفة يجب أن تقدم تضحياتها حتى لو أدى ذلك إلى سقوط آلاف القتلى.

وتظهر وثائق تعود إلى كانون الثاني 2025 أن قوات موالية للأسد وضعت خطة لتشكيل قوة شبه عسكرية تضم 5780 مقاتلاً، اعتماداً على شبكة من غرف قيادة تحت الأرض مجهزة بأسلحة وطاقة شمسية وإنترنت وأجهزة اتصال. لكن الخطة لم تنفذ، وبقيت الغرف الممتدة على مساحات كبيرة بحالة خمول. وتظهر صور اطلعت عليها رويترز إحدى هذه الغرف، وفيها ذخيرة وبنادق AK-47 وقنابل يدوية، إضافة إلى أجهزة حاسوب وطاولة كبيرة عليها خريطة. وصفت هذه الشبكة من قبل أحد القادة بأنها جزيرة كنز، رغم أن محافظ طرطوس قال إن أهميتها تراجعت كثيراً بعد تحرير المنطقة.

وتشير وثائق الرواتب التي تحدثت عنها رويترز، إلى أن مخلوف يحول الأموال عبر مديري أعمال في لبنان والإمارات وروسيا لضباط علويين مقابل رواتب ومعدات. وتظهر البيانات أنه دفع ما لا يقل عن 6 ملايين دولار، بينها 976 ألف دولار في أيار، و150 ألف لخمسة آلاف مقاتل في آب. وأكد قادة ميدانيون يتلقون رواتب منه أن أعداد القوات المذكورة صحيحة، لكن رواتب المقاتلين لا تتجاوز 20 و30 دولار شهرياً، ساخرين من محاولته شراء الولاء بالفتات. كما حاول فريقه الحصول على أسلحة من مخابئ قديمة ومن مهربين، من دون وضوح ما إذا تم أي شراء فعلي.

وبالمجمل قال قادة ميدانيون إنهم يشرفون على نحو 12 ألف مقاتل بمستويات استعداد متفاوتة، لكنهم يرون أن الظرف لم ينضج بعد. وأوضح أحدهم أن آلاف العلويين يعيشون فقراً شديداً بعد فقدان وظائفهم، معتبراً أنه لا ضير في أخذ بعض المال من هؤلاء الحيتان.

وتضيف رويترز أن الحسن، بحسب منسقه في لبنان، أنفق 1.5 مليون دولار على 12 ألف مقاتل، ووجه رسالة صوتية قال فيها: “اصبروا ولا تسلموا سلاحكم. أنا من سيعيد لكم كرامتكم”. كما ظهرت في منتصف العام جمعية خيرية ممولة منه، تستخدم وفق ضباط ومسؤولين كغطاء لتوسيع نفوذه. وفي آب، دفعت الجمعية 80 ألف دولار لإيواء 40 عائلة، فيما أرسل الحسن 200 ألف دولار نقداً لحوالي 80 ضابطاً في لبنان.

وجند الحسن، بحسب الصحيفة، فريقاً من 30 قرصاناً إلكترونياً لتنفيذ هجمات ضد الحكومة الجديدة. وباع الفريق لاحقاً مجموعات من البيانات المسروقة من وزارات سورية عبر الإنترنت المظلم مقابل 150–500 دولار. وقال مهندس مشارك إن الحسن يخطط لهجوم متعدد الجبهات، مؤكداً أن الحرب ليست على الأرض فقط.

وتذكر رويترز أن ماهر الأسد يبقى لاعباً محتملاً في أي محاولة لزعزعة الحكومة الجديدة، إذ كان يقود أقوى وحدات الجيش السوري ويدير شبكة مالية واسعة، ولا يزال مقاتلو الفرقة الرابعة يعتبرونه قائدهم، ما يمنحه قدرة على تعبئتهم إذا قرر ذلك. وفي المقابل، فإن مخلوف لا يسعى لدعم عائلة الأسد، بل سخر منهم بوصفهم هاربين، بينما يحاول الحسن استثمار علاقاته القديمة لكسب دعم ماهر.

ويؤكد أحد القادة الميدانيين المراقبين لمخابئ الأسلحة على الساحل أن المعدات تخزن بهدوء في الغرف تحت الأرض وستكون جاهزة عندما يحين الوقت، لكنه أضاف أنه لا يرى حتى الآن أي طرف يستحق الانضمام إليه.

الحكومة السورية تستعين بصديق الشرع

بحسب ما أفادت به رويترز فقد استعانت الحكومة السورية الجديدة بشخصية كانت من الموالين السابقين للأسد، وهو خالد الأحمد، صديق طفولة الرئيس الجديد أحمد الشرع وقائد ميليشيا سابق انقلب على الأسد خلال الحرب. وتتمثل مهمته في إقناع العلويين والجنود السابقين بأن مستقبلهم يكمن داخل سوريا الجديدة وليس في محاولات إحياء نفوذ النظام السابق.

وقال الباحث أنصار شحود، المتخصص في دراسة النظام السوري منذ أكثر من عشر سنوات، إن ما يجري هو امتداد لصراع السلطة داخل منظومة الأسد، موضحاً أن المنافسة مستمرة اليوم لكن بهدف إيجاد بديل عن الأسد والسيطرة على الطائفة العلوية.

ويعتمد تحقيق رويترز على مقابلات مع 48 شخص، تقول بأنّهم مطلعين مباشرة على هذه الخطط، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، إضافة إلى مراجعة سجلات مالية ووثائق تشغيلية ورسائل صوتية ونصية.

وقال محافظ طرطوس أحمد الشامي إن الحكومة على علم بهذه التحركات وتعمل على مواجهتها. وأكد وجود شبكة غرف القيادة التي أسسها النظام السابق، لكنه أشار إلى أن معظمها أصبح ضعيف وغير فعال. وأضاف: “نحن واثقون أنهم لا يملكون القدرات اللازمة لتنفيذ أي عمل مؤثر”. ولم تستجب وزارتا الداخلية اللبنانية والخارجية الروسية لطلبات رويترز للتعليق، بينما قال مسؤول إماراتي إن بلاده ملتزمة بمنع أي استخدام لأراضيها في تحويلات مالية غير مشروعة.

وترى رويترز أن أي تمرد جديد قد يهدد الحكومة السورية الجديدة المدعومة من الولايات المتحدة ودول إقليمية بقيادة الشرع، التي تخشى من موجة جديدة من العنف الطائفي بعد عام مضطرب. ووفق مصادر عدة، تبدو فرص نجاح الانقلاب ضعيفة في الوقت الحالي.

وفي تعليق مقتضب، وفقاً لرويترز، قال الأحمد الذي يمثل الحكومة عن الطائفة العلوية إن “عملية الشفاء تبدأ باقتلاع الكراهية الطائفية وتكريم القتلى”، معتبراً أن ذلك هو الطريق الوحيد لبناء سوريا القادرة على التعايش. وتظهر رسائل صوتية اطلعت عليها رويترز أنه شجع ضباطاً على التخلي عن الأسد مقابل عفو وضمانات قبل سقوط النظام. وقال الأحمد إنه كان يسعى لمنع مزيد من الدماء، لكنه أقر بأن الظلال الطائفية ما تزال قائمة.

ويتنقل الأحمد اليوم بين بيروت ودمشق، ويلعب دوراً رئيسياً في بناء الثقة بين الحكومة والمجتمع العلوي، إلى جانب العمل على دعم برامج اقتصادية لتخفيف البطالة بين العلويين بعد حل الجيش. وفي تشرين الأول أعلنت وزارة الداخلية اعتقال خلية ممولة من مخلوف كانت تخطط لاغتيال صحفيين ونشطاء، فيما أشار محافظ طرطوس إلى توقيف عشرات المرتبطين بالحسن ومخلوف.

أما بالنسبة لروسيا فبحسب رويترز لم تظهر أي دعم للمخططين حتى الآن. فرغم استضافة موسكو لهم، يظل تركيزها الأساسي الحفاظ على قواعدها العسكرية في الساحل. وقد توسط ضابط سوري كبير يحمل الجنسية الروسية يدعى أحمد الملا في اجتماعات بين نواب الحسن ومخلوف ومسؤولين روس، نُصح فيها المنفيون بأن ينظموا صفوفهم ويقدموا خطط واضحة. لكن الاجتماعات توقفت بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع لموسكو في تشرين الأول.

ونقل دبلوماسي أن الزيارة حملت رسالة صريحة للمتمردين: بأنه لن يأتي أحد لإنقاذكم. وتشير المعلومات أيضاً إلى أن مخلوف يواجه ضائقة مالية، إذ لم تدفع رواتب مقاتليه عن شهر تشرين الأول.

كيف يحلل الباحثون هذا التقرير؟

يرى الباحث والمحلل السياسي السوري ضياء قدور أن تقرير رويترز بالغ كثيراً في أعداد المقاتلين التي ذكرها. ويوضح أن وجود بعض المجموعات أو غرف العمليات التي قد لا تستطيع الحكومة الوصول إليها بسبب طبيعة المنطقة أمر ممكن، لكن هذا لا يعني وجود أعداد كبيرة كما ورد في التقرير. كما يشير إلى أن الأشخاص الذين يتقاضون رواتب من رامي مخلوف أو كمال الحسن يفعلون ذلك بدافع الحاجة الاقتصادية فقط، لا بدافع الولاء، فهم يعتبرون هؤلاء من رموز الفساد الذين استغلوهم خلال سنوات الحرب. وهذا، برأيه، يجعل أي قوة عسكرية مرتبطة بهم ضعيفة وغير مؤهلة.

أما الباحث السياسي مؤيد غزلان، فيتفق هو الآخر مع وجود مبالغة واضحة في الأرقام التي تحدثت عنها رويترز. ويؤكد أن الحاضنة الشعبية التي كانت تدعم هؤلاء سابقاً لم تعد تثق بهم اليوم. وحتى في حال ظهور نوع من الحكم الذاتي في الساحل، فإن المجتمع هناك لن يختارهم لتمثيله، لأنه جرّب فسادهم سابقاً. ويضيف غزلان أن أبناء الساحل، مثلهم مثل باقي السوريين، عانوا الفقر في عهد النظام الذي كان هؤلاء جزءاً منه.

ويتفق عبد الله الغضوي، مدير مركز تقدم للحوار والسلم الأهلي، مع ما قاله غزلان حول المبالغة الكبيرة في الأرقام، متسائلاً: “هل هم أشباح حتى لا تعرف الحكومة السورية بوجودهم؟”. كما يشكك في وجود غرف عمليات سرية، مع احتمال وجود اتصالات فردية بين بعض الشخصيات والضباط، لكنها لا ترقى لما ورد في التقرير. ويؤكد الغضوي أن أبناء الساحل لا يثقون بهؤلاء الذين غادروهم سابقاً ويعودون الآن لمحاولة استعادة نفوذهم، فالمجتمع ما زال يفضّل البقاء ضمن إطار الدولة. ويشير إلى أن اللافت في التقرير هو الحديث عن سعي كمال الحسن لتوسيع نفوذه، رغم أنه لم يكن في أي وقت مرجعية سياسية حقيقية.

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي الروسي رولاند بيجاموف أن التقرير يحمل الكثير من المعاني، فهو لا يكتفي بالمبالغة في الأرقام، بل يوحي أيضاً بأن روسيا قد تدعم أي تحرك عسكري ضد الحكومة السورية، وهو ما يعتبره تشويهاً لدور موسكو. كما يحذّر من أن التقرير قد يتسبب باستفزاز طائفي خطير داخل سوريا.

في النهاية، مهما تكن هذه التقارير والتحليلات لها، يبقى الشعب السوري بمختلف مكوناته ينشد الأمن والأمان بمعزل عن أي حسابات سياسية وعسكرية قد ينجر إليها البعض. وتبقى سيادة القانون والمساواة أمامه هو الحد الذي تقف عنده جميع المجتمعات.

اقرأ أيضاً: رويترز: الشرع في مواجهة داعش وسط توقعات بالانضمام للتحالف الدولي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى