سياسة

تفجيرات دمشق.. من يستفيد من إرباك عودة سوريا إلى العالم؟

الكاتب: أحمد علي

أصابت تفجيرات دمشق الأخيرة أكثر من مكان في وقت واحد، ولم تكن الأضرار في عدد الضحايا فقط، بل في التوقيت أيضاً. انفجار مقهى قرب القصر العدلي في 2 تموز، وقبله في جرمانا، ثم عبوتان قرب فندق فورسيزنز أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 7 تموز. كل ذلك وغيره وضع العاصمة أمام سؤال واضح هو من يريد أن تبدو دمشق عاجزة عن تثبيت أمنها في اللحظة التي تحاول فيها فتح باب جديد مع الخارج؟

ليس لهذا السؤال جواب واحد حتى الآن، فالتحقيقات الرسمية لم تعلن نتيجة حاسمة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرين اللذين وقعا قرب مقر إقامة ماكرون. لذلك لا يصح التعامل مع أي تفسير كحقيقة نهائية. لكن تجميع القراءات المتداولة يساعد على فهم ما الذي يريده الفاعل، أو ما الذي يمكن أن يستفيد منه، سواء كان تنظيماً متطرفاً، أو بقايا شبكة قديمة، أو طرفاً إقليمياً لا يريد لسوريا أن تستقر سريعاً.

توقيت شديد الحساسية

في 2 تموز 2026، قالت وزارة الداخلية السورية إن عبوة ناسفة انفجرت في مقهى وسط دمشق قرب القصر العدلي، ما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة عشرين آخرين. وبحسب ما نقلته رويترز، أظهرت التحقيقات الأولية أن العبوة بدائية الصنع، وزنها نحو كيلوغرام واحد، ومحشوة بشظايا معدنية. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، لكن الواقعة أعادت الحديث عن قدرة خلايا صغيرة على ضرب مناطق مركزية في العاصمة.

بعد خمسة أيام، وقع انفجاران قرب فندق فورسيزنز، في منطقة قريبة من وزارة السياحة والمتحف الوطني، خلال زيارة ماكرون إلى دمشق. رويترز نقلت أن الانفجارين أسفرا عن إصابة 18 شخصاً، وأن العبوتين كانتا موضوعتين في سيارة مركونة وحاوية قمامة. ووزارة الداخلية السورية قالت إن العبوتين كانتا خارج الطوق الأمني المخصص للوفد الفرنسي، وإن القوات كانت تستعد للتعامل معهما حين انفجرتا.

المعنى السياسي للتوقيت ظهر سريعاً، فالزيارة الفرنسية كانت الأولى لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ سقوط بشار الأسد في 2024، وكانت تتزامن مع بحث إعادة العلاقات الدبلوماسية، وتوقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار والنقل والصحة والتعليم العالي والمصارف والطيران المدني واللوجستيات. لذلك بدا التفجير قريباً من رسالة سياسية أكثر من كونه حادثاً أمنياً منفصلاً.

المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا قال للجزيرة إن الغاية المباشرة من التفجيرات هي إحداث صدى إعلامي سلبي، والتشويش على مسار الانفتاح السياسي والاقتصادي، وإفساد الزيارة الرسمية التي كانت ستشهد توقيع اتفاقيات مهمة. وهذا توصيف رسمي، لكنه لا يحدد الفاعل. هو يحدد الاتجاه العام للرسالة، أي ضرب صورة الاستقرار عند لحظة انفتاح خارجي.

أربع قراءات للجهة المستفيدة

القراءة الأولى تذهب إلى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». وهذه الفرضية تستند إلى نمط معروف يقوم على عبوات محدودة الكلفة، اختيار مناطق مدنية أو قريبة من مراكز حساسة، ومحاولة إثبات أن التنظيم ما زال قادراً على العمل داخل المدن. رويترز أشارت إلى أن التنظيم أعلن في وقت سابق من هذا العام ما وصفه بمرحلة جديدة من العمليات ضد حكومة أحمد الشرع، وأن مسؤولين أمنيين يرون أنه يحاول استغلال الفراغات الأمنية بعد سقوط السلطة السابقة. لا توجد حتى الآن مسؤولية معلنة عن تفجيرات دمشق الأخيرة، لكن هذه القراءة تبقى حاضرة لأن التنظيم يستفيد من أي ارتباك أمني يضعف الثقة بالمرحلة الجديدة.

القراءة الثانية تركز على بقايا النظام السابق والشبكات التي خسرت نفوذها. بعض المحللين ربطوا تفجير مقهى الحجاز بتوقيت سياسي داخلي حساس، شمل بدء تشكل مجلس الشعب الجديد ومحاكمات مرتبطة بقيادات من المرحلة السابقة. هذه القراءة تفترض أن هناك أطرافاً محلية متضررة من تثبيت سلطة جديدة ومن انفتاح دولي يعزز موقعها. فائدتها، إن صحّت، ليست عسكرية، بل سياسية ونفسية، تقوم على إظهار أن الأمن لم يستقر، وأن الدولة الجديدة لا تملك السيطرة الكاملة.

القراءة الثالثة تبحث في العامل الإقليمي. باحثون ظهروا في تغطيات إعلامية، ومنهم من تحدث للجزيرة، رجحوا أن تكون “إسرائيل” من أكثر الأطراف تضرراً من عودة دمشق إلى موقع إقليمي فاعل، خاصة إذا ارتبط ذلك بممرات اقتصادية وشراكات أوروبية وعربية جديدة. هذه فرضية سياسية وليست اتهاماً مثبتاً. قوتها أنها تقرأ المستفيد من تعطيل الاستقرار، وتعرض هنا كقراءة في المصالح، لا كخلاصة لتحقيق ما تم إنجازه، لكن المراقب لسلوك كيان الاحتلال الإسرائيلي ليس من الصعب عليه الوصول لمثل هذا الاستنتاج السياسي.

القراءة الرابعة أوسع من تسمية جهة محددة. هناك أطراف كثيرة قد لا تريد عودة سوريا إلى علاقات طبيعية مع أوروبا والعالم العربي. بعضها يخاف خسارة نفوذ قديم، وبعضها يخشى أن تنجح دمشق في جذب استثمارات ومشاريع لوجستية وطاقة ومصارف، وبعضها يريد أن تبقى البلاد في صورة منطقة خطر. في هذه القراءة، الفاعل لا يهم وحده بقدر ما تهم الرسالة التي مفادها أن كل خطوة خارجية نحو سوريا ستبقى مكلفة أمنياً وسياسياً.

المشكلة أن هذه القراءات كلها تتحرك في منطقة رمادية. التفجير ينتج أثراً سريعاً، أما التحقيق فيحتاج وقتاً.

وبين السرعة والوقت يدخل الإعلام، وتدخل الحسابات السياسية، وتتحول الأسئلة إلى اتهامات جاهزة. لهذا يحتاج المقال الصحفي إلى احتراز واضح، فالمستفيد من التفجير ليس بالضرورة هو المنفذ، والجهة التي ترتاح للنتيجة لا تصبح تلقائياً مسؤولة عنها.

ما الذي يريده الفاعل؟

الفاعل، أياً كان، اختار لحظة لا يمكن عزلها واقعياً عن زيارة ماكرون. التفجير قرب فندق يرتبط بإقامة رئيس فرنسي، وفي يوم تُعلن فيه اتفاقات وشراكات، يعني أن الهدف ليس إيقاع أكبر عدد من الضحايا فقط. لو كان الهدف عسكرياً مباشراً لاختلف المكان وربما الطريقة. هنا كان المطلوب على الأرجح إنتاج صورة من دخان في وسط دمشق، سيارات إسعاف، حديث عاجل عن اختراق أمني، وخبر عالمي يسبق أو يرافق خبر الاتفاقيات.

هذه الصورة تخدم أكثر من هدف. تضغط على الحكومة السورية الجديدة في ملف الأمن، وتحرج الوفد الفرنسي أمام الرأي العام، وتعطي المتشككين في الانفتاح على دمشق مادة إضافية. وتقول للمستثمرين إن العاصمة التي تبحث عن عقود لوجستية ومصرفية وطاقة ما زالت قابلة للاهتزاز. لذلك فإن التفجيرات الصغيرة، إذا تكررت في توقيتات محسوبة، قد تتحول إلى أداة لإبطاء السياسة حتى من دون أن تغير ميزان السيطرة على الأرض.

لكن أثر التفجير ليس مضموناً دائماً، ماكرون تابع زيارته، والتقى أحمد الشرع، وأُعلن الاتفاق على تعيين سفراء بين البلدين. كما تحدثت باريس ودمشق عن اتفاقات تشمل النقل واللوجستيات والمصارف والطيران المدني، وعن إعادة أكثر من 50 مليون يورو من أصول مرتبطة برفعت الأسد شقيق الرئيس الأسبق لسوريا حافظ الأسد.

خفف استمرار الزيارة أثر الرسالة التي أرادها المنفذ، لكنه لم يلغ السؤال الأمني، فصورة الدولة لا تُبنى بالزيارة وحدها، بل بقدرتها على منع تكرار مثل هذه العمليات وكشف الفاعلين للرأي العام.

السؤال العملي الآن لا يدور حول تسمية المستفيد في عنوان عريض، بل الأهم أن تُنشر نتائج التحقيق، وأن يعرف الناس كيف وصلت العبوات إلى مناطق حساسة، وهل كان الأمر نتيجة خلية صغيرة أو اختراق أو ثغرة في إجراءات التفتيش. إذا بقي الجواب غامضاً، ستتوسع مساحة التأويل. وإذا اتضحت الوقائع، ستضيق هذه المساحة، وسيصبح ممكناً التعامل مع الخطر بحجمه الحقيقي لا بحجم الصدمة التي أحدثها.

الخلاصة أن المستفيد من تفجيرات دمشق هو كل طرف يريد إبطاء انتقال سوريا من مرحلة الحرب والفراغ إلى مرحلة العلاقات الطبيعية. وقد يكون تنظيماً متطرفاً يبحث عن حضور جديد، أو شبكة محلية خاسرة، أو جهة إقليمية ترى في استقرار دمشق خسارة لموقعها. لا يوجد دليل علني يحسم الجهة المنفذة حتى الآن. الثابت أن التفجيرات استهدفت المعنى السياسي للحظة، لا الشارع وحده. والرد الحقيقي عليها يبدأ من تحقيق معلن، ومن أمن أكثر مهنية، ومن استمرار المسار السياسي والاقتصادي من دون تحويل الخوف إلى سياسة عامة.

اقرأ أيضاً: ماكرون في دمشق: بوابة استثمار جديدة لسوريا أم ماذا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى