تعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي: بين الجدل القانوني وارتفاع الأسعار

بقلم هلا يوسف
لا يمر يوم على السوق السورية دون أن تشهد خضة سعرية ترفع الأسعار بدلاً من أن تخفضها. فمع تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع كلفة الاستيراد بشكل عام يزداد الوضع المعيشي صعوبةً. ومع البرنامج الضريبي الذي أعلنت عنه وزارة المالية، لفت الأنظار رسم الإنفاق الاستهلاكي المفروض على عدد من المستوردات، بحيث ارتفعت نسبته بين 5% و20% على سلع مختلفة. وجاء هذا القرار في وقت حساس اقتصادياً، إذ وصل سعر صرف الليرة إلى نحو 13,700 ليرة مقابل الدولار الواحد، مع تراجع إضافي في قيمتها تجاوز 6%، مما جعل أي تغيير في الرسوم الجمركية أو المالية ينعكس مباشرة على الأسواق.
هذا القرار فتح نقاشاً كبيراً بين خبراء القانون والاقتصاد حول مدى قانونيته من جهة، وحول تأثيره المتوقع على أسعار السلع من جهة أخرى، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطن السوري.
الإطار القانوني للقرار وإشكالية الصلاحيات
يرى عدد من المختصين أن القرار المتعلق بتعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي يثير إشكاليات قانونية تتعلق بجهة إصدار القرار وصلاحيتها. فالمبدأ الذي استقر في القوانين السورية السابقة يقوم على أن فرض أي ضريبة أو رسم أو تكليف مالي يجب أن يتم عبر قانون صادر عن جهة تشريعية، وليس من خلال قرار إداري أو وزاري.
ويستند هذا الرأي إلى المرسوم التشريعي رقم (54) لعام 2006 المعروف بالقانون المالي الأساسي، والذي ينص على أن تحصيل الضرائب والرسوم يتم وفق القوانين والأنظمة النافذة، دون منح الوزارات صلاحية تعديلها بشكل مستقل. كما يعزز قانون ضريبة الدخل رقم (24) لعام 2003 هذا التوجه، إذ يربط أي التزام ضريبي بوجود نص قانوني واضح، وهو ما يلخص بقاعدة “لا جباية إلا بقانون”.
بينما لم يتضمن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 نصاً صريحاً يعيد تنظيم هذه الصلاحيات بشكل واضح، مما خلق مساحة من الجدل القانوني، لكنه لم يلغِ القوانين المالية السابقة التي ما تزال سارية المفعول.
وتزداد المشكلة تعقيداً مع تضمين القرار بنداً يسمح بتطبيق الرسم بأثر رجعي، بحيث يشمل البضائع المستوردة بين 8 كانون الأول 2024 و30 أيار 2026. وهذا يعني عملياً أن المستوردين قد يطلب منهم دفع فروقات مالية على بضائع دخلت السوق أو تم بيعها بالفعل، ما يفتح باب التساؤلات حول عدالة هذا الإجراء وأثره على التكاليف النهائية للسلع.
ما الذي تغير في الرسوم والسلع المشمولة؟
جاء القرار الجديد ليعيد تنظيم نسب رسم الإنفاق الاستهلاكي على مجموعة من السلع المستوردة، حيث شملت التعديلات رفع النسبة على التبغ ومشتقاته مثل السجائر والسيجار والمعسل لتصل إلى 20%، وهي زيادة كبيرة مقارنة بالنسب السابقة التي كانت أقل بكثير.
كما شملت التعديلات رفع الرسم إلى 15% على مواد البناء مثل الرخام والأحجار الكلسية والغرانيت والإسمنت، بعد أن كان رسم الإسمنت تحديداً منخفضاً جداً لا يتجاوز 0.5%، بسبب ارتباطه المباشر بقطاع إعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، تم فرض رسم بنسبة 10% على العطور ومستحضرات التجميل وملمعات الشعر، بينما تم فرض نسبة 5% على الحلي والمجوهرات الفضية. أما المستوردات ذات القيمة المنخفضة التي تقل عن 600 دولار، فقد خضعت لشرائح مخففة تتراوح بين الإعفاء ونسبة لا تتجاوز 5%.
وبحسب القرار رقم (636/ق. و)، فإن احتساب الرسم لا يتم على قيمة السلعة فقط، بل على قيمتها مضافاً إليها الرسم الجمركي، مما يعني أن النسبة الفعلية تصبح أعلى من النسبة المعلنة. كما اعتمد القرار على القيمة التي يصرح بها المستورد في البيان الجمركي، مع تحميله المسؤولية القانونية عن صحتها، وهو ما يمنح الجهات المختصة حق التدقيق اللاحق في تلك القيم.
كيف سينعكس القرار على الأسعار والمعيشة؟
يرى الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي من شركة “كرم شعار للاستشارات” أن رسم الإنفاق الاستهلاكي يعد من الضرائب غير المباشرة، أي أنه لا يدفع مباشرة من المستهلك للدولة، وإنما يفرض على المستورد عند دخول البضائع إلى البلد، ثم ينتقل أثره فيما بعد إلى المستهلك من خلال ارتفاع أسعار السلع.
ويشرح الجزماتي أن هذا النوع من الرسوم ينعكس بسرعة على السوق السورية، لأن السوق حساسة جداً لأي تغيير في تكاليف الاستيراد. فالتاجر لا ينتظر دائماً وصول شحنات جديدة حتى يعيد التسعير، بل قد يعيد تسعير البضائع الموجودة لديه بناءً على توقعه لارتفاع الكلفة في المستقبل، مما يجعل الأثر يظهر خلال فترة قصيرة.
كما يشير إلى أن هذا الرسم يتميز بأنه سريع التحصيل، لأنه يتم جبايته عند دخول البضائع إلى السوق في مرحلة التخليص الجمركي، وليس لاحقاً عبر متابعة الأرباح أو الدخل، وهو ما يجعله أداة مالية فعالة من جهة الدولة، لكنه سريع الانعكاس على الأسعار من جهة السوق.
ومن المهم أيضاً أن الرسم لا يتم حسابته على سعر السلعة الأساسي فقط، بل يضاف إليه الرسم الجمركي أولاً، ثم تحتسب النسبة عليه، ما يؤدي إلى زيادة فعلية أكبر من الرقم المعلن رسمياً.
هل ترتفع الأسعار بنفس نسبة الرسم؟
يشير الخبراء إلى أن ارتفاع الأسعار لا يحدث دائماً بنفس نسبة الرسم المفروض، بل يختلف حسب ظروف كل سوق وسلعة. فهناك سلع يتحدد سعرها بسهولة في السوق بسبب كثرة المنافسين وتوفر البدائل، وفي هذه الحالة قد يتحمل التاجر جزءاً من الكلفة ويخفف من تمريرها للمستهلك. في المقابل، هناك سلع لا تتوفر لها بدائل كثيرة أو يكون السوق فيها محدود المنافسة، وهنا تنتقل الزيادة بسرعة إلى المستهلك وبشكل شبه كامل.
كما أن حجم المخزون لدى التاجر يلعب دوراً مهماً، إذ قد يؤجل بعض التجار رفع الأسعار إذا كانوا يمتلكون مخزوناً قديماً، بينما يقوم آخرون برفع الأسعار فوراً إذا كانت بضائعهم جديدة أو متوقعة الكلفة الأعلى.
ويرى الجزماتي أن بعض السلع المشمولة بالزيادة مثل العطور والمجوهرات تعد سلعاً كمالية، مما قد يخفف من تأثيرها المباشر على السلع الأساسية، لكنه لا يمنع انعكاسها على القدرة الشرائية بشكل عام.
وقد لوحظ في الأسواق السورية مؤخراً ارتفاع في أسعار التبغ ومشتقاته بنسبة تتراوح بين 7% و8.3%، خصوصاً في السجائر المستوردة بشكل نظامي، في حين بدأت أسعار السجائر المهربة بالارتفاع تدريجيًا أيضاً، ولكن بنسب متفاوتة.
باختصار، يأتي تعديل رسم الإنفاق الاستهلاكي كإجراء مالي يهدف إلى زيادة إيرادات الدولة لكن على حساب المواطن، لأنه ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع في الأسواق، ويزيد من الضغوط على المستهلكين مما يجعلهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
اقرأ أيضاً: النظام الضريبي الجديد: كيف يعمل وما هي إيجابياته وسلبياته؟









