سياسة

كيف تُقرأ انعكاسات كلفة الطاقة على معيشة السوريين والأسواق؟

الكاتب: أحمد علي

لا يصل سعر الوقود إلى الناس من طريق محطة المحروقات وحدها. يصلهم في أجرة السرفيس، وفي سعر الخضار، وفي ربطة الخبز، وفي فاتورة المولدة، وفي كلفة كل ورشة صغيرة تحاول أن تبقى مفتوحة. لذلك لا يبدو تعديل أسعار المشتقات النفطية قراراً فنياً محصوراً بقطاع الطاقة. هو قرار يمر في السوق كله، ثم يستقر في النهاية عند دخل الأسرة وقدرتها على احتمال يوم جديد من الغلاء.

أسعار المشتقات النفطية والسؤال المعيشي

أعلنت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية، محروقات، تعديل أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية اعتباراً من الخميس 7 أيار 2026. وبموجب النشرة الجديدة، أصبح سعر ليتر المازوت 0.88 دولار، وسعر ليتر بنزين أوكتان 90 عند 1.10 دولار، وبنزين أوكتان 95 عند 1.15 دولار، فيما حدد سعر أسطوانة الغاز المنزلي بـ12.50 دولار، وأسطوانة الغاز الصناعي بـ20 دولاراً. كما حددت الشركة ما سمته دولار المحروقات عند 133 ليرة سورية جديدة.

هذه الأرقام جاءت بعد نشرة سابقة كان فيها سعر بنزين 90 عند 0.85 دولار، والمازوت عند 0.75 دولار، وأسطوانة الغاز المنزلي عند 10.50 دولارات، والغاز الصناعي عند 16.80 دولاراً. وبذلك تبلغ الزيادة نحو 17% في المازوت، و29.4% في بنزين 90، وحوالي 19% في الغاز المنزلي والصناعي. أما بنزين 95 فتظهر في بعض التغطيات فروقات في احتساب سعره السابق ونسبة الزيادة، لكن السعر الجديد المعلن بقي عند 1.15 دولار.

قد تبدو النسب، في لغة الجداول، قابلة للشرح. لكن السوق لا يقرأها بهذه البرودة. المازوت ليس مادة واحدة. هو نقل وزراعة ومخابز ومولدات وورش ومضخات ومخازن تبريد. والبنزين لا يتعلق بأصحاب السيارات الخاصة وحدهم، بل بحركة العاملين والتوصيل وبعض وسائل النقل غير المنتظمة. أما الغاز المنزلي، فهو أقرب إلى البيت من أي مادة أخرى، لأنه يدخل إلى المطبخ مباشرة، وإلى قرار الأسرة في الطبخ والاستهلاك وترتيب اليوم.

الشركة قالت إن التعديل يرتبط بارتفاع تكاليف التوريد والنقل والإنتاج، وأسعار النفط العالمية، والشحن والتأمين، وتقلبات سعر الصرف، والظروف الإقليمية التي تضغط على قطاع الطاقة. هذه أسباب لا يمكن تجاهلها. فبلد يعتمد على الاستيراد لا يستطيع فصل نفسه عن السوق العالمية. لكن وجود السبب لا يلغي أثر النتيجة. فالأسرة لا تدفع كلفة التوريد في بيان رسمي، بل تدفعها في السوق، وفي الطريق، وفي آخر الشهر.

حين ينتقل السعر من النشرة إلى السوق

المشكلة في تعديل الوقود أنه لا يبقى في خانة الوقود. كل حلقة في السوق تلتقط القرار بطريقتها. السائق يرفع حسابه اليومي. ناقل البضائع يعيد تقدير الرحلة. بائع الخضار يقول إن الشاحنة صارت أغلى. صاحب المطعم يضيف الغاز إلى كلفة الوجبة. والورشة الصغيرة تضيف المازوت إلى سعر الخدمة. هكذا يتحول القرار، خطوة خطوة، إلى موجة صغيرة أو كبيرة بحسب قدرة السوق على الامتصاص.

في اقتصاد قوي، يمكن أن تمتص الأجور أو الدعم أو المنافسة جزءاً من الزيادة. في سوريا، مساحة الامتصاص ضيقة. الدخل ضعيف، والادخار محدود، والأسعار تتحرك عادة أسرع من قدرة الأسر على التكيف. لذلك لا يتعامل الناس مع رفع المحروقات كخبر اقتصادي معزول، بل كإشارة مبكرة إلى ارتفاعات أخرى قد تأتي تباعاً.

تقول محروقات إن المراجعة الدورية للأسعار تهدف إلى ضمان استمرار تأمين المادة ومنع الاختناقات. هذا منطق إداري مفهوم، لأن السعر المنخفض لا يفيد إذا اختفت المادة، أو إذا انتقلت بالكامل إلى السوق السوداء. لكن السؤال لا ينتهي هنا. فإذا ارتفع السعر من دون أن يتحسن التوفر، أو إذا بقيت السوق السوداء، أو إذا لم تضبط أجور النقل، فإن المواطن يكون قد دفع الثمن مرتين، مرة في السعر الرسمي، ومرة في السوق الفعلية.

النقل أول من يشعر بالزيادة

النقل هو الترجمة السريعة لسعر الوقود. السرفيس، التكسي، الشاحنة، سيارة التوصيل، كلها تحسب الكلفة فوراً. ومن هنا تبدأ الحلقة الأقرب إلى الناس. فالطالب والموظف والعامل اليومي لا يستطيعون دائماً تقليل تنقلهم. الذهاب إلى العمل أو الجامعة أو السوق ليس خياراً كمالياً. وعندما ترتفع الكلفة، يصبح الطريق نفسه جزءاً من العبء المعيشي.

تزداد الحساسية لأن النقل العام لا يعمل في كثير من المناطق بطاقة كافية ولا بجودة مستقرة. حين تكون الحافلات قليلة، والسرافيس مرتبطة بتوفر الوقود، والبدائل محدودة، لا يكون أمام المواطن هامش واسع للمناورة. إما أن يدفع أكثر، أو ينتظر أكثر، أو يقلل حركة ضرورية أصلاً. وكل خيار من هذه الخيارات له كلفة.

أما نقل البضائع، فيحمل الزيادة إلى الأسواق. الخضار والفواكه والمواد الغذائية والسلع المستوردة أو المنقولة بين المحافظات لا تصل من دون شاحنات. لذلك قد تظهر زيادة الوقود أولاً في أجرة النقل، ثم في سعر السلعة. وربما لا تكون الزيادة مطابقة تماماً لنسبة رفع المازوت أو البنزين، لكنها غالباً تفتح الباب أمام إعادة تسعير واسعة.

الغذاء يدفع الكلفة أكثر من مرة

الغذاء من أكثر القطاعات حساسية تجاه الطاقة. الفلاح يحتاج إلى الوقود للري والحراثة والنقل في حالات كثيرة. التاجر يحتاج إليه لنقل البضاعة. بعض المحال تحتاج إلى كهرباء بديلة أو تبريد. المطاعم والأفران الخاصة تحتاج إلى الغاز أو المازوت. حين ترتفع كلفة كل حلقة، لا يبقى السعر النهائي ثابتاً إلا إذا قبل طرف ما بالخسارة، وهذا نادر في سوق مضغوط.

تزداد خطورة ذلك لأن القاعدة المعيشية ضعيفة أساساً. برنامج الأغذية العالمي يشير إلى أن 9.1 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما أظهرت نشرات سوقية إنسانية أن سلة الحد الأدنى من الإنفاق في شباط 2026 بلغت نحو 2.43 مليون ليرة سورية قديمة. هذه الخلفية تجعل أي زيادة في النقل أو الغاز أو المازوت ضغطاً مباشراً على الأسرة، حتى لو بدت الزيادة محدودة على الورق.

ليست كل سلعة سترتفع بالنسبة نفسها. بعض التجار يملكون مخزوناً قديماً. بعض المناطق تتأثر أكثر بسبب بعدها عن مراكز التوزيع. بعض السلع يدخل الوقود في كلفتها بنسبة أعلى. لكن الاتجاه العام يبقى واضحاً. الطاقة حين ترتفع، تبدأ الأسواق بإعادة ترتيب أسعارها، ومن لا يملك دخلاً مرناً يدفع الفرق من غذائه أو دوائه أو تعليمه.

الخبز والغاز والحد الأدنى للحياة

يبقى الخبز أكثر الملفات حساسية. لا ينتج الرغيف من القمح وحده. هناك مطاحن ونقل ومخابز ووقود وكهرباء وعمالة وتوزيع. لذلك فإن أي ارتفاع في المازوت أو الغاز يضغط على هذه السلسلة، حتى لو لم يظهر فوراً في السعر الرسمي. وقد يظهر الضغط في مكان آخر، في الوزن، أو الجودة، أو الانتظام، أو كلفة الدعم.

هذا ما يجعل السؤال عن المشتقات النفطية قريباً من سؤال الرغيف. فإذا أرادت الحكومة حماية سعر الخبز، فعليها أن تمنع انتقال كلفة الطاقة إليه مباشرة، أو أن تتحمل الفارق بطريقة واضحة. وإذا لم تفعل، فقد يجد المواطن نفسه أمام سعر ثابت ظاهرياً وخدمة أضعف فعلياً. وهذه صيغة عرفها السوريون أكثر من مرة.

الغاز المنزلي لا يقل حساسية. رفع الأسطوانة إلى 12.50 دولاراً يلامس المطبخ مباشرة. الأسرة تستطيع أن تؤجل شراء سلعة ما، لكنها لا تستطيع الاستغناء بسهولة عن الطبخ. وقد تبحث عن بدائل أقل أماناً أو أكثر إنهاكاً إذا لم تتمكن من تأمين الأسطوانة. أما الغاز الصناعي بسعر 20 دولاراً، فيدخل في كلفة المطاعم وبعض الورش والأفران الخاصة، ثم يعود إلى المستهلك في صورة أسعار أعلى.

الورش الصغيرة تحت ضغط التشغيل

لا يقف أثر القرار عند الأسر والأسواق الغذائية. الورش الصغيرة، والمطابع، ومحال التبريد، ومعامل الألبان، والأفران الخاصة، والحرفيون، كلها تتعامل مع الطاقة كشرط للتشغيل. ومع ضعف الكهرباء في مناطق كثيرة، تصبح المولدة جزءاً من كلفة الإنتاج لا خياراً إضافياً.

صاحب الورشة الصغيرة لا يملك غالباً هامشاً واسعاً. لا يستطيع تخزين الوقود بكميات كبيرة، ولا تحديث معداته بسرعة، ولا تمرير كل الزيادة إلى الزبون من دون أن يفقد طلباً. لذلك يكون أمامه أحد خيارات صعبة، رفع السعر، تقليل ساعات العمل، تخفيض الإنتاج، أو تقليص العمالة. وفي كل حالة، يتسرب أثر الطاقة من القرار إلى فرص العمل والنشاط الاقتصادي.

هذا الجانب أقل ظهوراً من أجرة السرفيس وسعر الغاز، لكنه لا يقل أهمية. فالغلاء لا ينتج فقط من زيادة سعر السلعة، بل من تراجع قدرة السوق على الإنتاج. عندما تقل ساعات العمل أو تتعطل الورش، تتراجع المعروضات، وتضعف الأجور، وتزداد هشاشة الأسر التي تعتمد على دخل يومي أو عمل غير ثابت.

هل يمنع رفع السعر الاختناق؟

الحجة الرسمية تقول إن تعديل الأسعار يساعد على استدامة التوريد ومنع الانقطاعات. هذه حجة واقعية إذا أدت فعلاً إلى توفر أفضل للمادة. السوريون يعرفون أن السعر المنخفض بلا مادة لا يحمي أحداً، وأن الطوابير والسوق السوداء قد تكون أكثر قسوة من النشرة الرسمية. لكن الاختبار لا يكون في الحجة، بل في النتيجة.

إذا توفرت المشتقات النفطية بانتظام، وتراجعت السوق السوداء، وتحسنت قدرة المحطات على البيع، وتم ضبط النقل والقطاعات الأساسية، فقد تقول الحكومة إن القرار كان ثمناً صعباً لتأمين المادة. أما إذا بقيت الاختناقات، أو ظهرت فروقات جديدة بين السوق الرسمية والفعلية، فسيظهر التعديل كعبء إضافي من دون مقابل واضح.

هنا لا يعود السؤال اقتصادياً فقط. يصبح سؤال ثقة. المواطن الذي يدفع أكثر يريد أن يرى خدمة أفضل. والتاجر الذي يعيد تسعير بضائعه يريد أن يعرف أن السعر لن يتغير فجأة بعد أيام. والمزارع يريد كلفة يمكن أن يبني عليها موسمه. إذا بقيت الطاقة في دائرة المفاجآت، سيضيف السوق هامش خوف إلى كل سعر.

الشفافية جزء من السعر

أحد آثار القرار جاء من الارتباك نفسه. فقد تداولت وسائل إعلام أخباراً عن النشرة، ثم عن حذفها أو تعديلها، قبل أن تتضح الصورة الرسمية. في ملف مثل المحروقات، لا يمر الارتباك بلا كلفة. التاجر يتصرف احتياطاً. السائق يطلب زيادة قبل صدور التعرفة. المواطن يحاول التخزين إذا استطاع. والشائعة تصبح جزءاً من السوق.

لهذا تبدو الشفافية ضرورية لا كزينة إدارية، بل كجزء من إدارة السعر. يجب أن يعرف الناس كيف حُسب السعر، وهل يرتبط بسعر النفط العالمي، أم بكلفة الشحن والتأمين، أم بسعر الصرف، أم بمزيج من ذلك كله. ويجب أن يعرفوا أيضاً متى يمكن أن ينخفض إذا تراجعت الكلفة، لا أن تكون المراجعة باتجاه واحد فقط.

كذلك تحتاج القطاعات الأساسية إلى وضوح خاص. النقل العام، المخابز، الزراعة، وبعض الصناعات الغذائية لا يمكن تركها للسوق وحدها. إذا تُركت بالكامل، ستنقل الزيادة إلى الناس بسرعة. وإذا دُعمت بلا رقابة، قد تتسرب الكميات أو تظهر أسواق موازية. المطلوب ليس شعار الدعم، بل دعم منضبط ومعلن وقابل للمحاسبة.

من يتحمل الفاتورة؟

السؤال الاجتماعي الأهم هو من يدفع فرق الكلفة. إذا دفعته الأسر وحدها، فالقرار قاس. وإذا توزع بين الدولة والقطاعات القادرة والتجار والمستهلكين بآليات واضحة، قد يصبح أثره أخف. لكن توزيع العبء يحتاج إلى سياسة، لا إلى ترك السوق تتصرف وحدها.

يمكن ضبط أجور النقل بين المحافظات والمدينة. ويمكن حماية المخابز من انتقال كامل الكلفة. ويمكن إعلان مخصصات واضحة للزراعة في مراحل الإنتاج الحساسة. ويمكن نشر بيانات أسبوعية عن الكميات المتاحة والتوزيع لتقليل الشائعات. هذه الإجراءات لا تلغي أثر الزيادة، لكنها تمنع تحولها إلى موجة مفتوحة.

أما الاكتفاء بالقول إن الأسعار ارتفعت عالمياً فلن يكفي. المواطن لا يعترض فقط على معرفة الحقيقة. يعترض على أن يحمل الحقيقة وحده. فإذا كانت كلفة الطاقة ارتفعت، فعلى السياسات العامة أن تجيب كيف سيحمي القرار من لا يستطيع حماية نفسه.

القرار بوصفه امتحاناً لا نشرة

تعديل أسعار المشتقات النفطية في سوريا قد يكون مفهوماً من زاوية كلفة التوريد والضغط العالمي وسعر الصرف. لكنه من زاوية المعيشة قرار ثقيل، لأنه يلامس مواد تتحرك عبر الاقتصاد كله. المازوت والبنزين والغاز ليست أسعاراً مستقلة. هي مفاتيح لأسعار أخرى.

نجاح القرار لن يقاس بما إذا كانت النشرة الجديدة متوازنة حسابياً. سيقاس بما إذا كانت المواد ستتوفر فعلاً، وبما إذا كانت أجور النقل ستبقى قابلة للضبط، وبما إذا كان الخبز والغذاء والغاز المنزلي لن يتحولوا إلى عبء أكبر على أسر استنزفها الغلاء. وسيقاس أيضاً بما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع الطاقة كملف اجتماعي، لا كملف توريد فقط.

السوريون لا يرفضون سماع الحقيقة عن كلفة الوقود. لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا الحلقة الأخيرة التي تتحمل كل شيء. إذا كان لا بد من رفع السعر لضمان التوريد، فلا بد أيضاً من حماية الحد الأدنى من المعيشة. ومن دون هذه الحماية، ستبقى كل نشرة محروقات خبراً عن السوق كله، لا عن الوقود وحده.

الطاقة ليست رقماً في جدول. هي الخيط الذي يمر من المحطة إلى الفرن، ومن الشاحنة إلى السوق، ومن الورشة إلى أجر العامل. لذلك فإن أي تعديل في سعرها يحتاج إلى ما هو أكثر من تبرير الكلفة. يحتاج إلى عدالة في توزيع العبء، ووضوح في الحساب، ورقابة تمنع أن يتحول التصحيح الرسمي إلى غلاء لا سقف له.

اقرأ أيضاً: تقرير لوكالة رويترز: تصاعد اعتماد سوريا على النفط الروسي بعد التحرير

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى