سياسة

تصريحات وزير المالية تربك الشارع السوري.. فما هي الحقيقة؟

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير المالية السوري، محمد يسر برنية، ضجة كبيرة في الشارع السوري، فعلى الرغم من أنها كانت إيجابية، إلا أنها تحتمل العديد من التفسيرات، مما جعلها محط شك. في هذا المقال سوف نناقش ما قاله وزير المالية السوري، ونستعرض دلالاته من وجهات نظر مختلفة.

تصريحات وزير المالية السوري تثير الجدل

أكد وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، خلال تصريحات إعلامية، أن الموارد الحالية تفوق حجم الإنفاق وأن الإيرادات الجمركية ارتفعت بأكثر من عشرة أضعاف، مشيراً إلى أن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى مكافحة الفساد، فالحكومة باتت تجني من الإيرادات الجمركية خلال شهر واحد ما كان يُجنى خلال عام كامل في أيام النظام البائد.

هذا وقد أوضح الوزير خلال حديثه، أن خزينة الدولة لم تدخلها أي أموال خارجية حتى الآن، وأن زيادة الرواتب الأخيرة قد تم تمويلها بشكل كامل من إيرادات الحكومة. وهو ما يتوافق مع جملة قالها الرئيس أحمد الشرع في حفلة إطلاق صندوق التنمية السوري، حينما قال “نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة مرحلة البناء والإعمار التي نكتب فيها تاريخ سوريا الجديد بأيدينا وأموالنا وجهدنا”.

وعلى الرغم من أن تصريحات الوزير كانت مفعمة بالإيجابية، إلا أنها لاقت جداً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإعلامية، فبينما يرى البعض في هذا الإعلان تحولاً إيجابياً نحو الشفافية والإصلاح المالي، يطرح آخرون تساؤلات حول واقعية الأرقام المطروحة، وفي حال كان حقيقية فما هو مصدرها الفعلي ومدى استدامتها؟

القطيعة مع الفساد: المحرك الأول لخزينة الدولة السورية الجديدة

على الرغم من أن خطة الحكومة الجديدة لمواجهة شبكات الفساد التي كانت مستشرية في عهد النظام البائد، لا زالت في مراحلها الأولى، إلا أن هناك جزء كبير من الفساد تلاشى مباشرة لحظة السقوط، وهو الذي كان يتمثل بالحواجز العسكرية التي كانت تقتطع حصة هائلة من الدخل الوطني، وهو بات الآن يدخل بطريقة صحيحة إلى خزينة الدولة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.

أما الوجه الآخر للفساد والذي كان متجذراً في المعاملات اليومية للمواطنين مع موظفي الدولة، فهو ما تتم مكافحته بالتدريج من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الرقابية، وتشجيع الرقابة المجتمعية عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يساعد في عملية الردع والمحاسبة الفورية وكسر شوكة الفساد بشكل فعال، إلا أنه يحتاج إلى فترة زمنية للقضاء عليه بشكل كامل، وفق ما أشار إليه الصحفي مصطفى السيد.

ومن هنا نجد أن موارد الدولة في الحقيقة لم تزدد، إنما تمّ تنظيمها وإدخالها إلى الخزينة بشكل صحيح. وبهذا، فإن الإنجاز المالي لا يُعزى إلى سياسات اقتصادية معقدة، بل إلى قرار سياسي حاسم بشن حرب على الفساد كقاعدة أساسية لبناء الدولة.

كيف تمكنت الحكومة من جمع هذه الإيرادات الجديدة؟

عل الرغم من أن الحديث عن مكافحة الفساد وارتفاع الإيرادات الجمركية يعتبر خطوة إيجابية نظرياً، إلا أنه يحمل معه العديد من الأسئلة من أهمها: كيف تحقق ذلك؟

هنا نجد احتمالين أشار إليهما الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الناصر الجاسم، الأول هو أن تكون نتاجاً لسياسة اقتصادية سليمة تقوم على تحسين الجباية ومكافحة التهريب، الاحتمال الثاني هو أن تكون هذه الإيرادات تأتي من خلال رفع في قيمة الضرائب والرسوم والتي سوف تعود في النهاية بطريقة سلبية على حياة المواطنين.

تفوق الموارد على الانفاق ليس دائماً مؤشراً إيجابياً

الأهم من كل ما سبق، هو العلم بأن الفائض المالي ليس بالضرورة علامة إيجابية أو مؤشر لنمو الاقتصاد، إنما على العكس تماماً فقد يكون مؤشراً خطيراً يدل على وجود قصور في الإنفاق على المشاريع الاستثمارية والخدمات الأساسية التي من شأنها أن تحرك دورة الاقتصاد في البلاد وبالتالي ضمان الاستدامة في تحسين مستوى الحياة.

ومن هذا المنطلق أوضح الجاسم، أن المقارنة مع الماضي غير منصفة، في حين أن التحليل الصحيح لما يجري يجب أن يعتمد على الواقع الراهن وما يجري فيه.

تصريحات وزير المالية السوري: خطاب سياسي أم واقع اقتصادي؟

تبدو تصريحات وزير المالية، محمد يسر برنية، بمثابة رسالة سياسية تهدف إلى بث التفاؤل وإظهار قدرة الحكومة على إدارة موارد الدولة بكفاءة، أكثر من كونها انعكاساً دقيقاً للواقع الاقتصادي المعاش. فعلى الرغم من أن الحديث عن تفوق الموارد على الإنفاق وزيادة الإيرادات الجمركية بعشرة أضعاف يبدو إنجازاً استثنائياً، إلا أن هذا الخطاب يتجاهل السياق الأوسع للأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد، بما في ذلك التضخم الجامح والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية.

ومن الجدير بالذكر، هو أن الزيادة المُشار إليها في الإيرادات، إذا قيست بالليرة السورية، قد تتبخر قيمتها الحقيقية بسرعة، وبالتالي فإن وعد تحسين الرواتب قد لا يؤدي إلى تغيير ملموس في القوة الشرائية للمواطنين. كما أن ربط هذا التحسن المفاجئ بمكافحة الفساد يطرح تساؤلات حول حجم الهدر الذي كان سائداً، ويضع الحكومة أمام تحدي إثبات استدامة هذه الموارد وتحويلها إلى تحسن حقيقي ومستدام في حياة السوريين الذين يعانون من ظروف معيشية قاسية.

في الختام، إنّ التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يقتصر على زيادة الإيرادات، بل يكمن في تحويل هذا الفائض إلى مشاريع استثمارية وخدمات أساسية تُحدث فرقاً ملموساً في حياة المواطنين، وتضمن استدامة التحسن في القوة الشرائية، بدلاً من أن تتبخر قيمته بفعل التضخم.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى