سياسة

تسوية محمد حمشو .. إدارة ذكية أم إعادة تدوير؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت قضية تسوية وضع رجل الأعمال محمد حمشو مع الحكومة السورية الجديدة، جدلاً واسعاً لدى الشارع السوري، وذلك لخلفيته الداعمة للنظام السابق، كونه من أكبر رجال الأعمال الموالين له، ما عرّضه للعقوبات الأوروبية والأمريكية منذ عام 2011، وهذا ما يفتح عدة تساؤلات هامة حول دلالات الرسائل التي تبعثها الجهات المعنية عبر التسويات مع شخصيات ارتبطت أسماؤها في ذاكرة الناس بالفساد ونهب أموال الشعب وممتلكاتهم “عبر التعفيش أو الصفقات الاقتصادية المشبوهة قبل الحراك الثوري”، ومدى شفافية المعايير التي تتبعها السلطات الجديدة في الفصل بين الجرائم العسكرية والاقتصادية.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

تسوية وضع محمد حمشو

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً، منشوراً تابعاً لرجل الأعمال السوري محمد حمشو، يفيد بتسوية وضعه مع الدولة الجديدة، وطيّ صفحة الماضي مع التخطيط لآفاق مستقبل جديد وفق وصفه، مشيراً إلى ضرورة دعم السياسات الحكومية الجديدة والوقوف بجانبها للنهوض من جديد، بما يتماشى مع مصلحة الوطن والمواطن.

وفي هذا السياق، تشير اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع إلى أن الاتفاق القانوني مع رجل الأعمال السوري محمد حمشو، يندرج ضمن إطار العدالة والشفافية الاقتصادية، وذلك بعد إجراء تحقيق شامل لمختلف الأصول المالية الخاصة بحمشو، مؤكدة أهمية هذه الخطوة للاقتصاد الوطني.

وما يثير الجدل بشكل أكبر لدى الشارع السوري والأوساط الإعلامية هو عدم إرفاق الإعلان الرسمي بتفاصيل وافية حول الاتفاق، مع غياب واضح لأي تعليق حكومي، في ظل انتشار أخبار وتداولات تفيد بتنازل حمشو عن حوالي 80% من ثرواته للصندوق السيادي الذي تم إنشاؤه خلال العام الماضي.

آراء متناقضة

على الرغم من الطابع القانوني للاتفاق الجديد مع حمشو، إلا أنه فتح باباً واسعاً من التساؤلات حول معايير المحاسبة والعدالة تجاه كبرى الشخصيات الموالية للنظام المخلوع، حيث يرى البعض أنها تعدٍّ واضح على حرمة الدم السوري، الذي روى أرض الوطن على مدار 14 عاماً، خاصة وأن شخصية حمشو بالتحديد ارتبطت بقضايا حساسة كالمساومة على أنقاض أملاك السوريين، والفساد، فضلاً عن دعمه وتمويله لمراكز القوة الخاصة بالسلطات السابقة.

ويرى محللون، أنه في ظل التمسك بمبدأ تحقيق العدالة ومحاسبة كل من شارك بقتل أبناء وطنه بالسلاح أو التحريض، توضع عدة خطوط حمراء تحت معايير الشفافية المتبعة التي تجرِّم شخصيات مثل المفتي السابق بدر الدين حسون، لكنّها تقوم بتبرئة حمشو وغيره، فكلاهما لم يمسك سلاحاً إن كان السلاح هو المعيار هنا.

في المقابل، يعتقد خبراء اقتصاديون أن الاتفاق مع كبار الممولين للنظام السابق مثل محمد حمشو، خطوة إصلاحية تصبّ في مصلحة الاقتصاد السوري وتشجع الاستثمار، شرط أن تكون هذه الاتفاقيات وفق الأطر القانونية ودون المساس بحقوق المواطنين، بحيث تتمّ التسوية على الحق العام، ولكن لا يتم إزالة أي حق شخصي بحجة التسوية.

بينما أشارت تقارير دولية سابقة، إلى مساعي الحكومة السورية الجديدة من خلال لجنة مكافحة الفساد لاستعادة الأموال والأصول المرتبطة بالنظام المخلوع ورجال أعماله الفاسدين، كمحاولة لإنعاش الاقتصاد المتدهور، عبر تسويات تمنحهم الحصانة مقابل التنازل عن الحصص الأكبر من تلك الأصول، وسط نفي رسمي لوجود أي حصانة قانونية تشمل جرائم الحرب.

وما بين السلب والإيجاب، تُطرح قضية هامة وهي: هل يندرج هذا النوع من التسويات التي تشمل كبار الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، كمحمد حمشو وفادي صقر، ضمن استراتيجيات اقتصاد إدارة الأزمات لسد العجز المالي؟

وفي هذا الصدد، يؤكد بعض المحللين أن تسوية حمشو، عبارة عن أداة من أدوات اقتصاد إدارة الأزمات، وهي جيدة على المدى القصير ليس إلا، ولكنّها لا ترقى إلى مستوى الاستراتيجية، بالتالي تبقى ضمن إطار “إعادة تدوير“* رموز النظام السابق أكثر من كونها إدارة.

الوجه الاقتصادي البارز والعقوبات

يرتبط اسم حمشو بالنظام المخلوع كوجه اقتصادي بارز، منتفعاً من علاقته الوطيدة بشقيق الرئيس المخلوع ماهر الأسد، الأمر الذي منحه صلاحيات شبه مُطلقة ساعدته على الانتشار والتوسع بمختلف المجالات، كالاتصالات والسياحة فضلاً عن العقارات والتسويق، كما حاز على عدة مناصب منها أمانة اتحاد غرف التجارة السورية، ورئاسة مجلس “مجموعة حمشو الدولية”، فضلاً عن تعيينه كعضو في مجلس الشعب السوري الذي عكس توسّع نفوذه السياسي بشكل أكبر.

أما بالنسبة للثروات الطائلة التي يمتلكها حمشو، فتعود وفقاً لعدد من التقارير المحلية إلى إجرائه صفقات النفط مع النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين، وذلك ضمن برنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي أنشأته الأمم المتحدة، إضافة إلى نشاطاته المشبوهة في غسيل الأموال العراقية ضمن بنوك لبنان خلال الفترة ما بين (2000 و2003)، لتتوالى بعد ذلك أعماله الاقتصادية وتأسيسه للعديد من الشركات، ليلمع اسمه كقوة بارزة في عالم الأعمال السورية.

ولكن وتيرة نموه الاقتصادي، وفقاً لتقارير إعلامية تنقل عن مصادر مطلعة، تذبذبت نتيجة للعقوبات الأوروبية والأمريكية المفروضة عليه وعلى “مجموعة حمشو الدولية” منذ عام 2011م، نتيجة لدعمه للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر.

في النهاية يمكن اعتبار قضية محمد حمشو اختباراً جديداً لمدى وضوح الرؤية والسياسات الاقتصادية للمرحلة القادمة، وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد عصراً اقتصادياً جديداً بإدارة ذكية، أم أننا بصدد إعادة تدوير رموز الماضي كأداة لإدارة الأزمات قصيرة المدى؟

*إعادة التدوير: عودة شخصيات ورموز محسوبة على نظام سابق، للعمل ضمن نظام جديد، ولكن بحلّة وواجهات جديدة، دون محاسبة فعلية على ممارسات الماضي، تحقيقاً لمصالح قد يراها البعض مؤقتة، ولو أنها قد تكون مصالح عامة وليس خاصة.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري من النمو إلى إدارة الأزمات: ماذا ينتظر البلاد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى