تركيا في أحداث حلب: هدفاً أم فاعلاً في الاستهداف؟

الكاتب: أحمد علي
حلب لا تصلح لتكون خبراً عابراً، هذه حقيقة، ولذلك في كل مرة يهتز فيها شمال المدينة تعود الأسئلة نفسها للواجهة: من يطلق النار، ومن يستثمر الدخان، ومن يدفع الثمن؟ اشتباكات الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في الأسبوع الأول من كانون الثاني الجاري أعادت المدينة إلى واجهة التوتر بين دمشق وقسد، وبشكل أو بآخر بين الأكراد والعرب.
تركيا في أحداث حلب: قراءة
حين تتردد عبارة تركيا في أحداث حلب يذهب البعض إلى تفسير مكثف، أن أنقرة مستهدفة ضمن مشروع أميركي إسرائيلي لتكريس الفوالق القومية وإفشال أي تهدئة كردية، بما يشمل المبادرة المرتبطة بعبد الله أوجلان منذ 2025 وما رافقها من نقاش نزع السلاح. ويُضاف إلى ذلك أن واشنطن تواصل شراكتها مع “قسد” ضد «داعش»، بينما ترى تركيا في هذه القوات امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
المفارقة أن مشهداً يرفع احتمالات صدام عربي كردي في حلب يمكن أن يرتد على الداخل التركي عبر تقويض الثقة بأي “حل كردي” يفترض بيئة أقل توتراً. ومن هنا فإن سؤال “هدف أم فاعل؟” يتطلب مراقبة أين تتقاطع خيارات أنقرة مع التصعيد، وأين تتحول تركيا في أحداث حلب من متلقٍ للضغط إلى صانع لجزء منه.
حلب أكبر من حيّين
الشيخ مقصود والأشرفية ليسا مجرد مكانين دارت حولهما وفيهما معارك الأيام الأخيرة ما بين دمشق وقسد، فتاريخياً كانا مساحة اختلاط سكاني واقتصادي بين عرب وأكراد ووافدين من ريف المدينة، ثم اكتسبا رمزية أمنية بعد نشوء مؤسسات محلية مرتبطة بالإدارة الذاتية خلال سنوات الحرب، وذلك قبل التغير الأخير بموجب المعركة، والذي أفضى -عبر اتفاق بين الطرفين برعاية أمريكية- إلى خروج مقاتي قسد و«الأسايش». لذلك فإن الاشتباك فيهما يتجاوز “الحي” إلى شبكة الطرق والأسواق، وإلى العلاقة بين المدينة وحدودها الشمالية.
وحلب بوابة تجارة وحركة بشر نحو الحدود التركية، فعندما تتعطل الطرق أو تُغلق مفاصل مثل المطار والطرق السريعة، يصبح الصراع “اقتصادياً” بقدر ما هو عسكري، ويتحول ضغط الأهالي إلى عامل يدفع الأطراف للتشدد. كما برزت مخاوف من اتساع دائرة الاشتباك إلى محيط المدينة وريفها الشرقي مع تبادل القصف وإجراءات أمنية مشددة.
بهذا المعنى، أحداث حلب كانت ولازالت اختباراً لقدرة دمشق على بناء دولة مركزية دون إعادة إنتاج صراع أهلي صغير، واختبار لقدرة “قسد” على الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق التسوية بدل الاستنزاف المتكرر.
مقولة الاستهداف الأميركي الإسرائيلي
الحديث عن “مشروع أميركي إسرائيلي” لا يأتي من فراغ، لكنه قد يتحول إلى عنوان جاهز يختصر تعقيدات متشابكة. فالتوتر بين تركيا و”إسرائيل” تصاعد على خلفية غزة والساحة السورية، مع تحليلات تتحدث عن انتقال الخلاف إلى تنافس جيوسياسي وعن اتهامات تركية لـ “إسرائيل” بالسعي إلى “تفتيت سوريا”.
وفي المقابل، تُظهر أدبيات السياسة الأميركية في سوريا أولوية معلنة، وهي منع عودة تنظيم الدولة، والسعي إلى تهدئة القتال عبر تفاهمات بين دمشق و“قسد”، لأن واشنطن لا تريد فراغاً أمنياً ينعش التنظيمات المتطرفة.
حتى دون “خطة مكتوبة”، تلاقي المصالح يصنع ضغطاً على تركيا: واشنطن تريد شريكاً ميدانياً فعالاً، و”إسرائيل” تريد تقليص تهديدات محيطها، وتركيا تريد حدوداً بلا كيان كردي مسلح. لكن حلب ليست مجرد ساحة يتلاعب بها الخارج؛ المدينة تتفاعل فيها حسابات دمشق و“قسد” والفصائل والناس معاً، وهذا ما يجعل تركيا في أحداث حلب أقرب إلى معادلة مصالح متصارعة منها إلى مؤامرة واحدة متماسكة.
سلوك أنقرة ومعنى المخاطرة
تبقى نقطة الاحتكاك الأهم هي خيارات أنقرة نفسها. خلال اشتباكات كانون الثاني 2026، نُقل أن تركيا تعتبر “قسد” تنظيماً إرهابياً، وأنها قد تقدم دعماً إذا طلبت دمشق ذلك، مع تلويح بإجراءات أشد إذا تعثر مسار الانسحاب أو الدمج.
من منظور تركي، الضغط هدفه منع ترسيخ حكم ذاتي مسلح على الحدود، ودفع الأكراد السوريين إلى الاندماج في الدولة السورية بما يقلص استقلالهم الأمني، وهو ما ينسجم مع تصريحات تركية تدعو “YPG/قسد” إلى عدم المماطلة في الاندماج داخل سوريا.
غير أن هذا الضغط يخلق مخاطرة مزدوجة، فهو يغذي صراعاً عربياً كردياً داخل سوريا، ويضع مبادرة أوجلان ومسار التهدئة داخل تركيا في بيئة إقليمية معادية. وقد يكون الدافع الحقيقي لبعض دوائر أنقرة هو استخدام “حلب” كورقة تفاوض عبر تحسين شروط الدمج، أو انتزاع ضمانات أمنية على الحدود، أو دفع واشنطن لتقليص هامش “قسد”.
انقسام تركي يورّث انقساماً
ضمن هذا السياق، ربما ينبغي الأخذ في الاعتبار أن الملف السوري قد لا يُدار من “تركيا واحدة” متجانسة. الأمن يضع “قسد” في خانة التهديد، والاقتصاد لا يريد اضطراب حلب لأنها سوق وجسر، والسياسة الداخلية محكومة بتوازنات قومية تجعل أي ليونة مكلفة، وهذا يظهر مثلاً في استمرار الحملات الأمنية والسياسية داخل تركيا بالتوازي مع الحديث عن مسار سلام.
وهذا التباين ليس من المستعبد أن يتسرب إلى سوريا عبر تعدد الوسطاء والقنوات، فيتحول إلى ولاءات سورية مختلفة وتنافس بين مقاربات: تصعيد سريع ضد الأكراد، أو ضبط إيقاع يترك باب التسوية مفتوحاً، مع وجود فصائل مسلحة مدعومة من تركيا.
وفي الخلاصة، أنقرة نعم قد تكون مستهدفة في بعض مفاصل الإقليم، لكن هذا لا يمنعها من أن تتحول، بقراراتها أو بتناقضاتها، إلى فاعل يزيد قابلية الاستهداف. وإذا كان المقصود حماية الأمن القومي التركي ومسار السلام الكردي، فإن تقليل دوافع الصدام الأهلي في سوريا جزء من الأمن لا تفصيل جانبي فيه…
اقرأ أيضاً: «حلب بعد التمشيط»: من يملك الشيخ مقصود فعلياً… وما الذي تغيّر على الأرض؟









