تراخيص شركات الصرافة الجديدة.. هل تقضي على السوق السوداء أم تمنحها وجهاً آخر؟

تكشف محاولات مصرف سوريا المركزي لإعادة هيكلة قطاع الصرافة، عبر التوسع في منح التراخيص، عن إشكالية مركبة، حيث تتصادم الأهداف المعلنة لضبط السوق مع واقع ميداني يزداد تعقيداً وفوضى.
في هذا المقال سوف نناقش انعكاسات زيادة عدد شركات الصرافة المرخصة على السوق، وما هي شروط نجاح هذه الخطوة؟ وهل يمكنها أن تساعد في استقرار سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، أم أنها وجه جديد لأزمة السوق السوداء؟
هيمنة السوق السوداء على قطاع الصرافة
تكشف محاولات مصرف سوريا المركزي لإعادة تنظيم قطاع الصرافة والحوالات المالية عقب سقوط النظام البائد عن مفارقة عميقة بين الأهداف التنظيمية والواقع الميداني. فعلى الرغم من أن الهدف من منح تراخيص جديدة لشركات الصرافة كان استعادة السيطرة على سوق القطع الأجنبي وتضييق الخناق على السوق السوداء، إلا أن الأرقام تشير إلى نتيجة مغايرة تماماً.
حيث تستحوذ الشركات المرخصة، البالغ عددها 40 شركة، على ما لا يتجاوز 30% فقط من حجم التداول اليومي للعملة الأجنبية، في حين تسيطر المكاتب غير المرخصة على 70% من السوق، وذلك بحسب ما كشف عنه أحد مالكي شركات الصرافة المرخصة منذ قبل عام 2010، خلال تصريحات إعلامية.
ويعكس هذا الخلل الهيكلي حقيقة مفادها أنه بينما تحتفظ الشركات الكبيرة بقدرتها على التعامل مع الحوالات الخارجية الرسمية، فإن الهيمنة الفعلية على السوق المحلية وديناميكيات المضاربة تظل في قبضة السوق السوداء، مما يحد بشكل كبير من فاعلية الإجراءات التنظيمية ويُبقي الاقتصاد النقدي خارج سيطرة القنوات الرسمية.
قرار المصرف المركزي يُثير الجدل وسط غموض الرقابة
يكشف قرار مصرف سوريا المركزي، خلال آب الماضي، والذي يقضي بترخيص 40 شركة صرافة موزعة 14 شركة مرخصة ومسجلة أصولاً، و26 شركة كانت تعمل سابقاً في مناطق الشمال السوري عن تعقيدات تتجاوز مجرد زيادة عدد الفاعلين في السوق. فبعيداً عن الجدل الأولي بين مخاوف المنافسة وآمال كسر الاحتكار، وزيادة حجم كتلة العملات الأجنبية الموجودة بيد مؤسسات الصرافة الخاصة، بدل أن تكون تحت إدارة مصرف سورية المركزي أو المصارف الرسمية، تكمن السلبية الأبرز لهذا القرار في خلق حالة من الغموض الرقابي والجهات الفعلية التي تشرف على عمل شركات الصرافة.
فالشركات، التي كانت تخضع لسلطات إدارية سابقة مثل الحكومة المؤقتة أو حكومة الإنقاذ، تجد نفسها اليوم تحت مظلة المركزي، مما يثير تساؤلات جدية حول الجهة المشرفة الفعلية ويفتح الباب أمام إمكانية استغلال هذا التضارب لارتكاب مخالفات بهدف تحقيق أرباح إضافية دون رقابة فعلية، بحسب ما صرح به أحد شيوخ كار الصرافة خلال تصريحات إعلامية. ولم يقتصر الأثر على الجانب التنظيمي، بل امتد ليخلق حالة من الفوضى في الأسواق، حيث أدى دخول هذه الشركات إلى تعدد أسعار صرف الدولار وتأجيج المضاربات بينها شركات الصرافة التي دخلت حديثاً إلى السوق.
التراخيص الجديدة.. تعزز المنافسة ولكن!
بعد صدور قرار المصرف المركزي القاضي بزيادة عدد شركات الصرافة المرخصة، سيطرت حالة من التفاؤل الحذر على الأسواق، حيث أن هذه الخطوة تحمل في طياتها مؤشرات إيجابية قادرة على تعزيز المنافسة وإنهاء الاحتكار. من هذا المنطلق، يُنظر إلى القرار كآلية لتنويع الخدمات في سوق الصرافة وتحسين جودتها، وفي الوقت نفسه تقليص هيمنة السوق السوداء عبر توفير خيارات رسمية وموثوقة للمواطنين، وذلك بحسب ما أشار إليه خبير الإدارة المالية والتدقيق البنكي الدكتور علي محمد، خلال تصريحات إعلامية.
إلا أن هذا التفاؤل يبقى مرهوناً بتحقق شرطين أساسيين لضمان نجاح السياسة الجديدة، الأول هو اعتماد أسعار صرف واقعية، إذ أن أي ابتعاد عن سعر السوق الفعلي سيدفع المتعاملين حتماً للعودة إلى السوق الموازية. أما الشرط الثاني فيتعلق بالتحدي الهيكلي المتمثل في التوزيع الجغرافي غير المتوازن للشركات الجديدة، والذي يهدد بنقل القوة الاقتصادية وتركيزها في مناطق محددة، مما قد يخلق احتكارات جديدة بصورة مختلفة، ويقوض الهدف الأساسي من زيادة عدد اللاعبين في السوق.
كيف يمكن لزيادة شركات الصرافة المرخصة تقويض السوق السوداء؟
يمثل التوسع في منح تراخيص لشركات الصرافة خطوة استراتيجية قد تساهم في تقليص نفوذ السوق السوداء وتعزيز الشفافية المالية، لكن نجاح هذه الخطوة مرهون بشكل أساسي بوجود رقابة فعالة وصارمة من قبل مصرف سوريا المركزي.
حيث أن زيادة عدد الشركات المرخصة من شأنها تفكيك هيمنة الكيانات الكبرى وتوزيع الكتلة النقدية الأجنبية على نطاق أوسع، مما قد يجذب جزءاً كبيراً من عملاء السوق السوداء ويحد من عمليات المضاربة. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا إذا ترافقت هذه السياسة مع إجراءات حاسمة، فبدون تقديم أسعار صرف مرنة ومنافسة لأسعار السوق الموازية، وتبسيط إجراءات التصريف للعملاء، ستظل السوق السوداء هي الخيار المفضل للكثيرين، بحسب ما تصريحات إعلامية للأكاديمي المختص بالاقتصاد المالي والنقدي الدكتور ياسر المشعل.
والأهم من ذلك، أن غياب الرقابة الفعالة، التي تتطلب زيادة الكوادر الفنية والبشرية للمصرف المركزي وتطبيق نظام رقابي إلكتروني متطور، قد يحول هذه الزيادة في عدد الشركات إلى فوضى، ويفتح ثغرات للفساد والاستغلال، وربما يؤدي إلى تفاقم الجرائم المالية مثل غسيل الأموال وتمويل نشاطات غير مشروعة بدلاً من مكافحتها. بالتالي، فإن الفعالية الحقيقية لهذه السياسة لا تكمن في مجرد زيادة عدد اللاعبين في السوق، بل في قدرة البنك المركزي على ضبط أدائهم وضمان التزامهم الكامل بالشفافية والقوانين.
استقرار سعر الصرف: رهان على الشفافية والرقابة على قطاع الصرافة
إن زيادة عدد شركات الصرافة المرخصة يحمل في طياته فرصة لتحقيق استقرار نسبي في سعر صرف الليرة السورية، إلا أن هذا الهدف مرهون بتحقيق شرطين أساسيين: المرونة في التسعير والشفافية الخاضعة لرقابة صارمة. ويرى خبراء الاقتصاد أن قدرة هذه الشركات على المنافسة تكمن في اتباعها أسعار صرف مرنة وقريبة من السوق الموازية، مما يقلل من جاذبية السوق السوداء ويحد من المضاربات الضارة. حيث يمكن لهذه الشركات المساهمة في استقرار السوق عبر تقديم أدوات مالية متنوعة وزيادة الكفاءة العامة، الأمر الذي من شأنه تقليل التقلبات الحادة في سعر الصرف.
ومع ذلك، يبرز غياب الشفافية كعقبة رئيسية، فالافتقار إلى إحصائيات دقيقة حول حجم الحوالات الخارجية، التي تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً، وحجم سوق الصرف اليومي، يعرقل فهم الأداء الحقيقي للقطاع ويصعّب تقييم فعالية السياسات النقدية. وهذا النقص في البيانات لا يمنع التحليل الاقتصادي السليم فحسب، بل يفتح باباً واسعاً أمام الفساد، حيث يمكن أن تتحول الشركات غير الشفافة إلى واجهات لأنشطة غير مشروعة كغسيل الأموال، مما ينسف الهدف من ترخيصها ويعيد إنتاج أزمات السوق السوداء، بحسب ما أشار إليه الدكتور ياسر المشعل.
لذلك، فإن نشر تقارير دورية من قبل البنك المركزي وتطبيق نظام رقابي صارم ليس فقط أداة لضبط السوق، بل ضرورة حتمية لضمان سلامة القطاع المالي وتحقيق الاستقرار المنشود.
اقرأ أيضاً: لتحسين الوضع الاقتصادي.. مصرف سوريا المركزي يتخذ خطوات هامة
في الختام، جاء قرار مصرف سوريا المركزي بزيادة عدد شركات الصرافة المرخصة كخطوة مثيرة للجدل، فالصراع الحقيقي هو بين الرقابة الشكلية والواقع الميداني الذي يزداد تعقيداً. وبينما تظل قنوات الاقتصاد الرسمي غارقة في الغموض، تستمر السوق السوداء في فرض سطوتها، لتُثبت أن الإجراءات التنظيمية لا تجدي نفعاً ما لم تترافق مع شفافية حقيقية ورقابة صارمة. ولن يكون لقرارات المركزي أي قيمة ما لم تكن هناك إرادة حقيقية لمعالجة المشكلة من جذورها، وليس مجرد إعادة رسم حدود الفوضى.









