تداعيات حرب الشرق الأوسط على موقع سوريا الإقليمي… هل تتغيّر سياسة دمشق؟

الكاتب: أحمد علي
لا تبدو سوريا اليوم في موقع الدولة القادرة على اختيار العاصفة أو الابتعاد عنها كما تشاء. الجغرافيا تضغط، والحدود مفتوحة على احتمالات كثيرة، والحرب الإقليمية لم تعد خبراً خارجياً يمكن التعامل معه ببيان سياسي. فكل تصعيد بين إيران وكيان الاحتلال «إسرائيل» والولايات المتحدة يمر، بطريقة ما، بالقرب من دمشق، ولو لم تمر الصواريخ فوقها دائماً…
لذلك لا يُقرأ موقف دمشق الجديد من الحرب بوصفه حياداً بارداً، ولا بوصفه انقلاباً كاملاً على السياسة السابقة. هو أقرب إلى محاولة نجاة سياسية إن صح التعبير. دولة خارجة من سنوات قاسية، تحتاج إلى الإعمار والتمويل وإعادة وصل العلاقات، ولا تملك ترف الدخول في حرب إضافية، لكنها لا تستطيع أيضاً التصرف كأن المنطقة من حولها هادئة.
سياسة دمشق: خروج من الحرب أم إدارة للحدود؟
في آذار 2026، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا ستبقى خارج الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، ما لم تتعرض لاعتداء مباشر أو تنفد الخيارات الدبلوماسية. في ظاهر العبارة تبدو المسألة واضحة. لا مشاركة في الحرب، ولا رغبة في التصعيد. لكن مضمونها العملي أكثر تعقيداً، لأنها تضع شرطين مفتوحين: الاعتداء المباشر، وانسداد الطريق السياسي.
هذا يعني أن دمشق لا تغلق الباب على كل احتمال، لكنها تحاول أن تجعل الدخول في الحرب خياراً أخيراً. هذا التحول مهم، لأنه ينقل السياسة السورية من لغة الاصطفاف المسبق إلى لغة تقدير الكلفة. لم تعد المسألة من يقف مع من فقط، بل ماذا يستطيع البلد أن يتحمل، وماذا يمكن أن يخسر إذا تحولت أراضيه إلى ساحة ردود متبادلة.
تحدثت رويترز عن نشر قوات سورية على الحدود مع لبنان والعراق في ظل الحرب، بما يعكس أن الحياد المعلن لا يلغي العمل الأمني. فالحدود مع لبنان ليست تفصيلاً، والعراق ليس بعيداً عن خطوط التوتر، وأي ارتباك هناك يمكن أن ينتقل إلى الداخل السوري بسرعة. هنا لا يكفي أن تقول الدولة إنها خارج الحرب. عليها أن تمنع الحرب من الدخول إليها عبر المسارات الصغيرة، عبر التهريب، أو المجموعات المسلحة، أو الفوضى الحدودية.
بهذا المعنى، تبدو سياسة دمشق أقرب إلى حياد متحرك. لا قطيعة مع الحسابات الإقليمية، ولا انخراط مباشر فيها. لا مواجهة مفتوحة، ولا استسلام للفراغ. وهذه صيغة صعبة، لأنها تحتاج إلى مؤسسات منضبطة، وحدود مضبوطة، ورسائل متوازنة إلى أطراف لا تنظر إلى سوريا بالعين نفسها.
من المحور المغلق إلى شبكة مصالح أوسع
أحد أبرز آثار الحرب الحالية أنها كشفت أن موقع سوريا لم يعد يُقرأ فقط من خلال العلاقة مع إيران. هذا لا يعني أن آثار العلاقة القديمة اختفت، ولا أن دمشق أصبحت فجأة جزءاً صافياً من اصطفاف جديد، الأمر أبطأ من ذلك. هناك انتقال تدريجي من سياسة المحور الواحد إلى سياسة البحث عن هوامش أوسع مع دول عربية وغربية وإقليمية.
التقارب مع السعودية مثال واضح. في شباط 2026، أعلنت الرياض عن صندوق استثماري بقيمة 7.5 مليارات ريال سعودي، أي نحو ملياري دولار، لتطوير مطارين في حلب عبر مراحل، ضمن حزمة استثمارات أوسع. وفي الاتجاه الأوروبي، وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في أيار 2026 على استعادة علاقات تجارية أوسع مع سوريا، وأعيد تفعيل اتفاق تعاون كان معلقاً منذ 2011، مع الإبقاء على قيود تستهدف شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق.
هذه الأرقام لا تعني أن الطريق صار مفتوحاً. لكنها تقول إن دمشق تحاول الخروج من العزلة عبر الاقتصاد لا عبر الشعارات. فإعادة الإعمار تحتاج إلى أموال ضخمة. البنك الدولي قدّر الكلفة بنحو 216 مليار دولار، بينما تشير خطط الاستجابة الإنسانية إلى أن 15.6 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى المساعدة في 2026. أمام هذه الأرقام، لا تعود السياسة الخارجية مجالاً منفصلاً عن الخبز والكهرباء والعمل. تصبح جزءاً من سؤال البقاء اليومي.
الحرب الإقليمية تمنح دمشق فرصة محدودة في هذا السياق. بعض الأطراف قد ترى في سوريا ممراً أو عقدة لوجستية أو مساحة استقرار مطلوبة إذا بقيت طرق الطاقة والملاحة تحت الضغط. وقد أشارت رويترز إلى مشاركة سوريا في مسارات مرتبطة بمجموعة السبع في باريس، في إشارة إلى اهتمام متزايد بإعادة إدماجها اقتصادياً ومالياً. غير أن أهمية الموقع لا تكفي وحدها. فالدولة التي تتحول إلى ممر دون شروط واضحة قد تربح عبور البضائع وتخسر جزءاً من قرارها.
الفرصة التي تحمل ضغطها معها
ليست كل فرصة في السياسة نعمة خالصة. الحرب تفتح لدمشق باباً كي تقدم نفسها كدولة تريد الاستقرار، لكنها تضعها أيضاً أمام طلبات متناقضة. الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان ضبط الحدود ومنع عودة شبكات النفوذ الإيراني. تركيا تقرأ الملف السوري من زاوية أمنها في الشمال والحدود. السعودية والخليج يريدان سوريا أقل ارتباطاً بطهران وأكثر قابلية للاستثمار. أوروبا تريد الأمن وعودة اللاجئين ومساراً يبرر الانفتاح التدريجي.
كل طرف يطلب شيئاً. ودمشق، إذا أرادت سياسة جديدة فعلاً، لا تستطيع أن تتحول إلى جواب سهل على أسئلة الآخرين. عليها أن تبني مصلحتها الخاصة. وهذه المصلحة تبدأ من منع انتقال النار إلى الداخل، ثم من فتح علاقات اقتصادية لا تتحول إلى تبعية، ومن ضبط القوى المحلية في الشرق والشمال والجنوب، ومن بناء مؤسسات قادرة على التفاوض لا على تلقي الشروط فقط.
الخطر الإسرائيلي يبقى عاملاً ضاغطاً. فقد اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حزيران 2026 أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان تهدد أمن تركيا أيضاً. مثل هذا الكلام يعكس اتساع القلق من أن تصبح الضربات الإسرائيلية المتكررة نمطاً دائماً. وإذا استمرت هذه الضربات، يصبح الحياد السوري أكثر صعوبة، لأن الدولة التي يُنتهك مجالها باستمرار لا تستطيع أن تبني سياسة خارجية مستقرة على الصمت وحده.
لهذا تبدو الإجابة على سؤال تغير سياسة دمشق مشروطة. نعم، هناك تغير إذا قورنت المرحلة الحالية بالسنوات التي سبقت سقوط السلطة السابقة وبالسياسة التي ربطت سوريا بمحور مغلق. لكن التغير لم يتحول بعد إلى سياسة ثابتة. ما زالت دمشق تتحرك بين الحاجة والضغط، بين الإعمار والخوف من التورط، بين الانفتاح على الخليج والغرب وبين إرث علاقات قديمة لم تنته آثارها بالكامل.
السياسة الجديدة لن تُقاس بعدد الزيارات والاتصالات. ستُقاس بقدرة دمشق على تحويل موقعها إلى قوة لا إلى عبء. أن تمنع الحرب من الدخول، وأن تجذب الاستثمار من دون بيع القرار، وأن تفتح الحدود للتجارة لا للفوضى، وأن تجعل الحياد موقفاً قائماً على قدرة الدولة لا على ضعفها. عند هذه النقطة فقط يمكن القول إن سياسة دمشق تغيرت في الفعل لا في اللغة.
سوريا لا تملك رفاهية الحرب، ولا تملك رفاهية العزلة، وبين الاثنين تبحث عن طريق ضيق.. قد يكون هذا الطريق فرصة إذا أُدير بعقل بارد ومصلحة وطنية عالية وواضحة. وقد يتحول إلى فخ بحال لم تدار الأمور بهذه العقلية.
اقرأ أيضاً: ما الذي تستفيده روسيا من قاعدتها الجوية في سوريا؟









