أعمال واستثمار

تحرير حركة الأموال في سوريا.. انفراجة حقيقية أم مسكّن مؤقت لأزمة أعمق؟

أعلنت الحكومة السورية الجديدة إلغاء القيود المفروضة على نقل الأموال بين المحافظات وذلك خلال شهر آب الماضي. وهذا القرار، الذي يبدو ظاهرياً بمثابة شريان حياة جديد للاقتصاد المنهك، يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول مدى قدرته على معالجة جذور الأزمة. فهل يمثل هذا الإجراء نقطة تحول حقيقية نحو تحرير الاقتصاد، أم أنه مجرد خطوة تجميلية تصطدم بجدار أزمة الثقة بين المواطن والنظام المصرفي؟

إلغاء قيود نقل الأموال بين المحافظات السورية وتداعياتها

في سياق محاولات الحكومة السورية الجديدة لتحسين بيئة الأعمال وتحفيز الحركة الاقتصادية في البلاد التي عانت طويلاً من قيود إدارية حدّت من مرونتها وأثرت سلباً على النشاط التجاري، أعلن مصرف سوريا المركزي إلغاء كافة القيود التي كانت مفروضة على عمليات نقل الأموال بين المحافظات السورية، لينهي بذلك العمل بالتعميم الصادر عنه في شهر آب عام 2023، والذي كان قدد بموجبه سقف المبالغ المسموح نقلها بحوزة المسافرين بين المحافظات بـ 25 مليون ليرة سورية.

ومن المتوقع أن يحمل هذا الإجراء معه مجموعة من التداعيات الإيجابية، حيث أنه على المدى القصير، سيؤدي هذا القرار إلى تحرير حركة السيولة النقدية، فقد بات من غير الملزم تقديم طلب أو الحصول على موافقة قبل نقل الأموال، مما يمكّن التجار والشركات من إتمام صفقاتهم وشراء السلع والخدمات بيسر أكبر، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على حركة التجارة الداخلية ويزيد من وتيرتها وتنافسيتها. ويُشار إلى أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز الثقة بالنظام المالي والمصرفي، وتشجيع المستثمرين والمواطنين على التعامل عبر القنوات الرسمية، وتقليل الأنشطة غير القانونية، حسب ما أفاد به عميد كلية الاقتصاد في جامعة حماة والخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمن محمد، خلال تصريحات إعلامية.

هذا ويُشار إلى أن هذا القرار لا يؤثر فقط على نشاطات الأفراد المالية، وإنما من شأنه أيضاً أن يعمل على تحسين الأداء الاقتصادي العام في البلاد وزيادة حجم الاستثمارات الداخلية، وخصوصاً مع تأكيد المصرف المركزي السوري على استمرار الرقابة لمكافحة الأنشطة المشبوهة ودعوته للشفافية، حيث تسعى السلطات النقدية في البلاد إلى تحقيق توازن دقيق بين تحرير الحركة المالية وضمان سلامتها، الأمر الذي قد يقلل من حجم الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية ويعزز من استقرار الأسعار في السوق المحلية وتحسين مستوى المعيشة.

القيود على حركة الأموال في سوريا: لماذا تم فرضها وما الذي حدث بعدها؟

خلال سنوات الحرب الطويلة التي مرت بها سوريا، كان النظام البائد يفرض قيوداً على حركة الأموال للكيانات والأشخاص، وذلك من خلال مجموعة من التعاميم التي كان يُصدرها مصرف سوريا المركزي في حينها، كان آخرها في شهر آب عام 2023 والذي قضى بتحديد سقف المبلغ النقدي المسموح بنقله بين المحافظات برفقة المسافر بـ 25 مليون ليرة سورية.

هذا الإجراء كان قد ارتبط بمجموعة من الأهداف في ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد، حيث كانت الغاية الأساسية من هذه الإجراءات تتمثل في محاولة فرض سيطرة الدولة على الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي الرسمي، وتعزيز دور القطاع المصرفي وإجبار الأفراد والشركات على تنفيذ معاملاتهم الكبيرة عبر القنوات البنكية، مما يزيد من سيولة البنوك ويسهل على الدولة تتبع الحركة الاقتصادية وفرض الضرائب بشكل أكثر فعالية.

ومن جهة أخرى، كان من المتوقع أن تعمل هذه الإجراءات على الحد من قدرة المضاربين في السوق السوداء على التأثير على سعر الصرف، من خلال ضبط التضخم ومحاربة المضاربة على الليرة السورية. بالإضافة إلى تجفيف منابع السيولة النقدية التي يتم استخدامها في أنشطة غير قانونية مثل غسيل الأموال.

ولكن جميع هذه الإجراءات لم تكن تؤتِ ثمارها، بل وربما تسببت بنتائج عكسية، حيث تسببت هذه القيود في عرقلة النشاط المالي المشروع بين المحافظات بشكل كبير، فقد وجد التجار والمواطنون صعوبة بالغة في إتمام معاملاتهم اليومية التي تتطلب سيولة نقدية، مما أدى إلى تقييد حركة السوق.

من الأمثلة التي ساقها البعض على مدى عرقلة القرارات التي رفعها، ما أفاد به محمد العليوي، مواطن من القامشلي، خلال حديث إعلامي. فقد تحدّث عن مواجهته صعوبة كبيرة في نقل الأموال اللازمة لعلاج والدته في دمشق. مع أن السؤال يجب أن يطرح، هل واجه هذه المشكلة رغم وجود خيار التحويل عبر المصارف، أم أنّ السبب كان تقسيم الأمر الواقع الذي يجعل القامشلي تحت سلطة مختلفة عن سلطة دمشق، ووجود الحواجز الناهبة على الطريق؟

بالإضافة إلى ذلك، تسببت القيود المفروضة على حركة الأموال، في دفع المواطنين إلى البحث عن حلول بديلة وقنوات غير رسمية لكي يتمكنوا من نقل أموالهم، الأمر الذي أدى إلى إيجاد مجموعة ضخمة من شبكات التحويل المحفوفة بالمخاطر، وذات تكلفة أعلى.

أرهقت هذه القيود المواطنين والتجار، في حين أن الأطراف التي كانت تستهدفها مثل هذه القرارات غالباً ما تجد طرقاً للتحايل عليها. وإن قرار الحكومة الجديدة بإلغاء كافة هذه القيود يُعد اعترافاً ضمنياً بأن سلبيات هذا الإجراء وتأثيره الخانق على الدورة الاقتصادية قد فاقت أي فوائد مرجوة منه.

رفع قيود نقل الأموال: خطوة لا تكفي لردم هوة الثقة مع المصارف

باتت ثقة المواطنين وأصحاب الأعمال في المصارف السورية أقرب إلى المعدومة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى القيود التي فرضتها السلطات النقدية، والتي يُنظر إليها على أنها حبس لأموال المودعين. حيث تمثلت هذه الإجراءات في وضع سقوف سحب يومية منخفضة جداً لا تتناسب مع احتياجات السوق أو حتى متطلبات المعيشة، بالإضافة إلى صعوبة أو استحالة الوصول إلى الودائع بالعملات الأجنبية، مما جعل المودعين يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة على أموالهم الخاصة، الأمر الذي خلق أزمة ثقة عميقة يصعب ترميمها بين المواطنين وأصحاب الأموال من جهة والمصارف السورية من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس لجنة الإمداد والنقل والشحن في غرفة تجارة دمشق، محمد رياض الصيرفي، خلال تصريحات إعلامية أن أموالاً كثيرة للتجار لا تزال عالقة في المصارف ولا يمكن سحبها، مما خلق فجوة هائلة بين أصحاب رؤوس الأموال والبنوك، وطالما أنه لا يوجد سياسة مصرفية واضحة جداً وضامنة للحقوق لن نجد أحداً يقترب من البنوك. كما أن الخبير الاقتصادي عمار يوسف، أشار خلال تصريحات إعلامية، إلى أن نحو 90% من الأموال التي كان من المفترض أن تستقطبها المصارف في سوريا أصبحت خارجها، ويتم تجميدها نقداً أو ذهباً في المنازل، والسبب أيضاً هو أزمة الثقة.

بناءً على هذا الواقع، فإن قرار رفع القيود عن نقل الأموال بين المحافظات، على الرغم من كونه خطوة إيجابية، إلا أنه من غير المرجح أن يُحدث فرقاً جوهرياً في الواقع العملي على المدى القصير. حيث أن المشكلة الأساسية لدى أصحاب العمل ليست في نقل الأموال بين المحافظات، بقدر ما هي في القدرة على سحب الأموال من الحسابات المصرفية. فالقرار بحد ذاته يعالج عارضاً من عوارض الأزمة الاقتصادية، ولكنه لا يمس جوهر أزمة الثقة المتمثلة في حرية الوصول إلى الودائع الموجودة في المصارف. وطالما أن المودع غير واثق من قدرته على سحب أمواله وقتما يشاء وبالقيمة التي يريدها، سيبقى الاقتصاد النقدي هو المسيطر، وستظل الغالبية العظمى من رؤوس الأموال متداولة خارج القنوات المصرفية الرسمية.

ومن هنا نجد أن الحل الجذري للمشكلة يكمن في العمل على إعادة الثقة في القطاع المصرفي، من خلال وجود سياسات نقدية شفافة، تعرض تعليمات السحب والإيداع وتحويل الأموال بشكل واضح، وإيجاد أدوات ادخارية مرنة وجاذبة، تضمن للمستثمرين الوصول إلى أموالهم بحرية مطلقة دون أي قيود، وهو ما أشار إليه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر، خلال حديث إعلامي له.

اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!

في الختام، يبقى قرار رفع القيود على حركة الأموال خطوة إيجابية لكنها غير مكتملة، فبدون سياسات نقدية جذرية تعيد بناء الثقة وتضمن حرية الوصول إلى الودائع، سيبقى هذا الإجراء محدود الأثر، وستستمر الدورة الاقتصادية الحقيقية في الدوران بعيداً عن القنوات المصرفية الرسمية.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى