أعمال واستثمار

تحركات سعر الصرف قبل عيد الأضحى وما بعده: إلى أين يتجه السوق؟

بقلم هلا يوسف

لا يقتصر التغيير قبل الأعياد على الأسواق أو الحركة في الشوارع، بل يمتد أيضاً إلى تفاصيل الحياة اليومية التي يلمسها الناس مباشرة، وأهمها ما يرتبط بسعر الصرف وقدرته على التأثير في القدرة الشرائية. فقبل عيد الأضحى، بدت الليرة وكأنها تستعيد شيئاً من توازنها، ولو بشكل مؤقت، وسط توقعات الناس بانخفاض الأسعار أو تحسن الأوضاع ولو لفترة قصيرة. لكن هذا التحسن الذي يظهر عادة في مثل هذه المواسم يفتح أسئلة أعمق حول مدى استمراره، وما إذا كان يعكس تغيراً حقيقياً في الاقتصاد، أم أنه مجرد هدوء يسبق عودة الضغوط من جديد.

فقبل عيد الأضحى تراجع سعر الليرة تدريجياً في السوق الموازية، ثم سجل تحسناً بسيطاً قبيل العيد، حيث استقر الدولار عند حدود 139 ليرة جديدة، أي ما يعادل 13,900 ليرة قديمة. هذا المستوى لم يكن دليلاً على استقرار حقيقي بقدر ما كان انعكاساً لحالة توازن هش بين العرض والطلب.

يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان أن هذا التحسن جاء نتيجة عوامل موسمية مرتبطة بالعيد، حيث يزداد الطلب على الليرة بسبب ارتفاع الإنفاق على الغذاء والمستلزمات، كما تدخل إلى السوق حوالات من المغتربين في هذه الفترة تحديداً، ما يزيد من توفر العملة المحلية بشكل مؤقت. لكنه يوضح أن هذا التأثير لا يمتد طويلاً، لأن الاقتصاد الأساسي لم يشهد أي تحسن في الإنتاج أو في تدفق العملات الأجنبية، وبالتالي فإن ما حدث يبقى حركة قصيرة الأجل لا تغير الاتجاه العام.

ما بعد العيد.. هدوء ظاهر واستقرار غير ثابت

ومع انتهاء فترة العيد عادة ما ينخفض الإنفاق بشكل واضح، ويقل الطلب على الدولار المرتبط بالاستيراد الموسمي، فتبدو السوق أكثر هدوءاً. لكن هذا الهدوء لا يعني تحسناً حقيقياً في قيمة الليرة، بل هو مجرد فترة انخفاض في الضغط على الطلب.

ويشرح شادي سليمان أن هذه المرحلة تشبه حالة تنفس مؤقت للسوق، حيث يخف الضغط على الدولار لفترة قصيرة، ثم تعود العوامل الأساسية لتفرض نفسها من جديد. فالإنتاج المحلي ما زال ضعيفاً، والاعتماد على الاستيراد مستمر، والتدفقات المالية من الخارج محدودة، ولذلك يبقى أي استقرار في هذه المرحلة غير ثابت. ويضيف أن استقرار الليرة يعتمد على قدرة المصرف المركزي على ضبط السيولة، وعلى حجم الاستثمارات الجديدة، وعلى مستوى الثقة في السياسات الاقتصادية، ومع غياب تحسن واضح في هذه العناصر فإن الاستقرار يبقى مؤقتاً.

أزمة أعمق من سعر الصرف وسيناريوهات المستقبل

يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي أن مشكلة الليرة لا يمكن فهمها من خلال سعر الصرف فقط، لأنها نتيجة تراكمات اقتصادية طويلة. فهو يشير إلى أن الليرة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع ارتفاع كبير في معدلات التضخم، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات اليومية.

ويشرح قوشجي أن الأسباب الأساسية لهذه الأزمة تتعلق بتراجع الإنتاج في القطاعين الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، والاعتماد المتزايد على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى توسع السوق السوداء وضعف الرقابة الاقتصادية. كما يشير إلى أن تمويل العجز عبر ضخ كميات إضافية من السيولة في السوق أدى إلى زيادة الضغط على العملة المحلية. ويؤكد أن هذه العوامل مجتمعة جعلت الليرة تفقد وظائفها الأساسية في الادخار والتبادل وتسعير السلع، وأن إجراءات مثل حذف الأصفار لم تعالج المشكلة بل بقيت حلولاً شكلية.

أما من ناحية تأثير التضخم على الحياة اليومية، فقد أدى إلى تراجع كبير في القوة الشرائية، حيث أصبحت الرواتب لا تكفي سوى لفترات قصيرة من الشهر، في ظل ارتفاع مستمر في أسعار الغذاء والدواء. هذا الوضع دفع الكثير من الناس إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب لحماية قيمتها، وهو ما زاد الضغط على الليرة. وفي المقابل، لعبت الحوالات الخارجية دوراً مؤقتاً في دعم العملة خلال مواسم محددة مثل الأعياد، لكنها لم تستطع تغيير الاتجاه العام لأنها تنقطع سريعاً ولا تشكل تدفقاً دائماً.

توقعات بعودة الضغط على الليرة

يوضح الخبير المالي والمصرفي عبد الله قزاز أن السيناريو الأكثر ترجيحاً بعد العيد هو عودة الدولار إلى الارتفاع تدريجياً. ويعود ذلك إلى أن عرض الدولار في السوق غالباً ما ينخفض بعد انتهاء موسم الحوالات المرتبط بالعيد، بينما يبقى الطلب عليه مرتفعاً، وهذا الخلل بين العرض والطلب يؤدي إلى ضغط مباشر على سعر الصرف.

ويضيف أن الفترة التي تلي العيد عادة ما تشهد دخول سيولة جديدة بالليرة إلى السوق، نتيجة صرف قيم القمح للمزارعين، إضافة إلى دفع بعض المستحقات المالية التي تأخرت. هذه السيولة قد تدفع جزءاً من الفلاحين والتجار والموظفين إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار لحماية قيمتها، ما يزيد الطلب على العملة الأجنبية ويدفع سعرها للارتفاع.

بينما يشير قزاز إلى احتمال آخر أقل ترجيحاً يتمثل في استقرار جزئي لسعر الصرف، لكنه استقرار لا يقوم على تحسن اقتصادي حقيقي، بل على حالة من التوقعات الإيجابية في السوق، خاصة مع الحديث عن استثمارات عربية وأجنبية محتملة، بالإضافة إلى سياسات المصرف المركزي الرامية إلى تعزيز الاستقرار النقدي. إلا أن هذا النوع من الاستقرار يبقى محدود التأثير لأنه يعتمد على توقعات أكثر من اعتماده على تدفقات مالية فعلية.

ويختتم قزاز بالتأكيد على أن أي تحسن حقيقي في سعر الليرة لن يكون مستداماً ما لم تدخل إلى السوق موارد دولارية حقيقية من خلال الإنتاج أو الصادرات أو الاستثمارات أو الدعم الخارجي. فالعوامل الأساسية الضاغطة ما زالت قائمة، مثل ضعف الإنتاج وشح الدولار وتراجع الاحتياطي النقدي واستمرار الطلب المرتفع على الاستيراد، ولذلك فإن أي تحسن سريع يبقى عرضة للتراجع إذا لم ترافقه إصلاحات اقتصادية أعمق.

في النهاية، يبدو أن ما تشهده الليرة من تحسن قبل الأعياد أو استقرار بعدها لا يعكس تغيراً حقيقياً في الاقتصاد، بل يعكس حالة مؤقتة ترتبط بمواسم الإنفاق والحوالات والتوقعات. فحين تنتهي هذه الفترة، يعود ارتفاع سعر الصرف بسبب ضعف الإنتاج وشح الدولار إلى استمرار الحاجة للاستيراد. وبين هذه السيناريوهات يبقى المواطن المتأثر الأكبر من هذا التغير.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يستقر سعر الصرف في سوريا؟ خبراء يشرحون أسباب تقلب الليرة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى