تحديث مصفاة بانياس… قفزة إلى المستقبل مع التكنولوجيا أم مراوحة في المكان؟

تستعد مصفاة بانياس لتنفيذ مشروع تحديث استراتيجي يعتبر الأول من نوعه منذ إنشاء المصفاة. وفي هذا المقال سوف نستعرض أهم تفاصيل هذا المشروع الجديد، وأهدافه، وآلية تنفيذه، مع إلقاء الضوء على بعض نواحي التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في المصافي المتطورة، وهل سيتم استخدامها في مصفاة بانياس أم أنّ هناك تحديات تمنع قطاع تكرير النفط في سوريا من مواكبة التقنيات الحديثة أسوة بالتجارب العالمية.
متى أحدثت مصفاة بانياس؟
تعد مصفاة بانياس، التي تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، منشأة حيوية تم تأسيسها بموجب عقد أبرم عام 1974 مع شركة “اندستريال اكسبورت امبورت – Industrial Export Import” الرومانية. وذلك بهدف تكرير النفط الخام وإنتاج المشتقات النفطية لتلبية احتياجات السوق المحلية، مع قدرة تكرير سنوية تصل إلى 6 ملايين طن متري.
ويُشار إلى أن العمل في إقامة مصفاة بانياس قد بدأ في عام 1975، وشهدت أولى تجارب التشغيل الجزئية في أواخر عام 1979، قبل أن يتم استلامها بشكل مؤقت في 21 آذار 1982. ومن الجدير بالذكر أن شركة مصفاة بانياس تتبع إدارياً إلى المؤسسة العامة لتكرير النفط وتوزيع المشتقات النفطية، وتتولى مهام متعددة تشمل شراء النفط الخام، وتشغيل المصفاة، وإقامة مشاريع تطويرية لضمان استمرارية إنتاج المشتقات النفطية بجودة عالية.
تفاصيل مشروع تحديث مصفاة بانياس
كشفت وزارة الطاقة السورية، عن استعداد مصفاة بانياس لتكرير النفط للقيام بمشروع تطوير استراتيجي يهدف إلى استبدال أجزاء حيوية، وذلك لضمان استمرارية التشغيل الآمن ورفع كفاءة الإنتاج.
وفي هذا الصدد، أوضح مدير عام شركة مصفاة بانياس، إبراهيم مسلم، في تصريحات إعلامية، أن مشروع تحديث مصفاة بانياس القادم يركز على استبدال الأجزاء التي تجاوزت عمرها التشغيلي الافتراضي. حيث سيتم استبدال أجسام المفاعلات الأربعة في وحدة التحسين بجسم واحد يشمل أجسام المفاعلات الأربعة مجتمعة، بالتزامن مع استبدال الملحقات والمكونات الداخلية للمفاعلات ووشائع الأفران ووشائع مولد البخار.
ومن الجدير بالذكر أن مفاعلات وحدة التحسين تعد بمثابة القلب التشغيلي لإنتاج البنزين الممتاز عالي الأوكتان، تتم فيها التفاعلات الكيميائية الأساسية لتحويل مادة النفتا إلى الوقود الأساسي لمعظم السيارات. إلا أن المكونات الحالية تعود لعام 1980، وبحسب ما أشار إليه مدير الدراسات والمشاريع في المصفاة، رئيس لجنة الإشراف على مشروع التحديث الجديد، جواد عبد اللطيف، فإنها معرضة لخطر الخروج من الخدمة بشكل مفاجئ كونها تجاوزت عمرها التشغيلي الافتراضي، الأمر الذي سوف يؤثر على إمدادات البنزين للسوق المحلية في حال حدوثه.
هذا وقد تم تأمين المعدات البديلة عبر مناقصات مع شركتي “أميداس” و”فيكتوريا”، ومن المقرر أن يتم تركيبها خلال العمرة الشاملة للمصفاة العام القادم.
الجدول الزمني والجهات المنفذة للمشروع
أكد إبراهيم مسلم، مدير عام مصفاة بانياس، أنه تمّ تجهيز المكونات الجديدة وسوف يتم العمل على تحديث المصفاة خلال العمرة الشاملة القادمة والتي ستبدأ في آب 2026 وتستمر لنحو ثلاثة أشهر ونصف.
هذا وقد أوضح مسلم أن تنفيذ المشروع سيتوزع على شركتين رئيسيتين بالتعاون مع جهات صينية. حيث أن شركة “أميداس” ستتولى استبدال المفاعلات بالتعاون مع شركة “LS LANZHUO” الصينية، بينما تتكفل شركة “فيكتوريا” باستبدال وشائع الأفران ومولد البخار بالتعاون مع شركة “TOPCIN” الصينية.
ومن الجدير بالذكر، أن جميع مراحل المشروع، من التخطيط حتى التنفيذ، ستكون تحت إشراف لجنة من المهندسين المختصين في المصفاة، الذين سيشرفون على عمليات الفك والتركيب، كما ستقوم كوادر الشركة بإجراء كافة الاختبارات اللازمة لضمان التشغيل الآمن.
الهدف من المشروع وخطة تأمين السوق المحلية خلال فترة الصيانة
أكد مدير عام مصفاة بانياس، إبراهيم مسلم، أن إمداد السوق المحلية بالمواد النفطية لن يتأثر خلال فترة تنفيذ مشروع الصيانة، الذي يُعد من أضخم مشاريع التحديث في تاريخ المصفاة. موضحاً أنه تم وضع خطة لتخزين أكبر كمية ممكنة من البنزين قبل بدء أعمال الصيانة. وإلى جانب ذلك، فإن الإنتاج المستمر من مصفاة حمص سيغطي جزء من حاجة السوء المحلية، كما أنه سيتم استدراك أي نقص محتمل في الإمدادات من خلال عقود توريد خارجية سيتم إبرامها عبر شركة المحروقات.
ومن الجدير بالذكر، أن الهدف من هذا المشروع الاستراتيجي هو ضمان استمرارية العمل الآمن في المصفاة وتوفير منتجات نفطية عالية الجودة لتلبية احتياجات السوق المحلية بشكل مستدام، وذلك وفق ما كشفت عنه وزارة الطاقة السورية.
كيف تُعيد التكنولوجيا تشكيل مستقبل صناعة تكرير النفط؟
حالها حال باقي القطاعات الصناعية، تواجه مصافي تكرير النفط تحديات مستمرة تتعلق بالكفاءة والتكلفة والبيئة. إلا أنه مع توافر التقنيات الحديثة والتوجه العالمي نحو الرقمنة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بات هناك حلول عديدة تساعد هذا القطاع على مواجهة التحديات التي تعصف به، وذلك من خلال العمل على زيادة الكفاءة التشغيلية وتحقيق الاستدامة.
ويُشار إلى أن مصافي النفط الحديثة بات بإمكانها التنبؤ بأداء المعدات وتحسين جودة المنتجات النهائية، مثل البنزين والديزل، من خلال استخدام أجهزة الاستشعار الدقيقة وتقديم التقارير الفورية. بالإضافة إلى ذلك يمكن للمصافي زيادة العمر الافتراضي للمعدات وتقليل حالات التوقف المفاجئ بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تقوم بإرسال تنبيهات فورية للمهندسين عند اكتشاف أي تغيرات قد تشير إلى عطل محتمل.
ومن الجدير بالذكر، أن هناك العديد من شركات النفط العالمية والعربية باتت تعتمد بشكل كبير على هذه التقنيات الحديثة. حيث تعتمد شركة أرامكو السعودية في تحليل أداء المصافي والتنبؤ بالأعطال في مركز “تُمان” على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين تعتمد شركة “شل – Shell” البريطانية على الروبوتات في عمليات تفتيش بهدف تقليل الحاجة للتدخل البشري في المناطق الخطرة.
ومن هنا تبدأ المقارنة، هل يمكن لمصافي النفط في سوريا الاعتماد على مثل هذه التقنيات الحديثة؟ يبدو أن المقارنة في الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد غير ممكنة، وذلك بسبب أن هذا التحول الرقمي الهائل يتطلب تكلفة كبيرة من أجل إعادة بناء بنية تحتية جديدة تتوافق مع التقنيات الحديثة، حيث أنه من الصعب دمج الأنظمة الذكية مع المعدات القديمة، بالإضافة إلى الحاجة لتدريب الكفاءات على التقنيات الجديدة.
تجارب عالمية تحديثية للمقارنة
بينما تعلن سوريا عن أكبر تحديث لمصفاة بانياس، يمكننا النظر إلى التجارب الموازية في أفريقيا كمرآة تكشف الفارق في المعايير التقنية ومستوى الطموح. فالقارة السمراء، التي يُتوقع أن يتجاوز فيها الطلب على الطاقة 5.3 مليون برميل يومياً بحلول عام 2040، تشهد طفرة حقيقية في مشاريع التكرير. المثال الأبرز هو مصفاة دانغوتي في نيجيريا، التي تُعد الأكبر في أفريقيا بطاقة 650 ألف برميل يومياً، والمبنية منذ البداية على أحدث ما توصلت إليه شركة «Honeywell UOP» الأمريكية من وحدات متقدمة للتكسير بالعامل المساعد (RFCC) والتكسير الهيدروجيني (Unicracking) والتحويل التحفيزي (CCR Platforming).
من المهم أن نذكر أيضاً المتعاقد الذي تولى إدارة المشروع: شركة «Engineers India Limited»، والتي تأتي مع خبرة تراكمت في أكبر مصافي آسيا وتحديثها تكنولوجياً، وهو ما يضمن دقة التنفيذ والتحكم بالجودة.
وبالتوازي وفي مثال آخر، أعادت الحكومة النيجيرية إحياء مصفاة بورت هاركورت بسعة 210 آلاف برميل يومياً، بعقد رئيسي مع شركة «Maire Tecnimont» الإيطالية، وبإشراف تقني من شركة «Eni»، ما يعني أن عملية إعادة التأهيل ليست مجرد صيانة، بل إعادة بناء وفق مواصفات عالمية.
تدخل مصفاة واري (Warri) بدورها في مشروع تحديث شامل تتولاه «Saipem» الإيطالية، لتكون جزءاً من خطة أوسع لإعادة تشغيل المصافي النيجيرية بطاقة شبه كاملة، وهو ما يمن اعتباره خطوة مرآتية لإدخال تقنيات جديدة مرتبطة بالكفاءة البيئية وخفض الانبعاثات.
أما في أنغولا، فقد استعانت شركة «سونانغول» بشركة «KBR» الأمريكية لإدارة مشروع مصفاة لوبيتو العملاقة، بطاقة تقارب 200 ألف برميل يومياً، لتُعتمد تقنيات متقدمة في التصميم والتشغيل، ما يجعلها مرشحة لتصبح إحدى أكثر المصافي كفاءة في غرب أفريقيا.
وفي جنوب أفريقيا، ورغم التوقف الذي أصاب مصفاة «SAPREF» نتيجة انسحاب «شل» و«بريتش بتروليوم»، فإن الحكومة تبحث إعادة تشغيلها ضمن خطة توسعة قد تدفع سعتها إلى حدود 600 ألف برميل يومياً، مع تحديث البنية التحتية على أسس حديثة.
هذه الأمثلة تظهر أن التحديث في القارة الأفريقية – خلافاً لما هو متوقع في سوريا – لم يعد يعني ترميم الوحدات القديمة فحسب، بل يقوم على إدخال تقنيات متقدمة، عماده التعاقد مع شركة ذات خبرة دولية لإدارة المشاريع، وضمان مطابقة للمواصفات العالمية في مجالات الكفاءة، البيئة، والمرونة التشغيلية.
مقارنةً بذلك، تبقى المشكلة التي أشرنا إليها في سوريا: يصعب دمج التقنيات الحديثة مع المعدات القديمة، ولدينا نقص كفاءات لاستخدام هذه التكنولوجيا. لكنّ الشركات التي تمّ التعاقد معها لتنفيذ التحديث مشهورة بدورها في تطبيق التكنولوجيا الحديثة، واعتمادها في عملياتها. فهل تمّ التعاقد معها على أقصى قدرة ممكنة من الحداثة؟ هذا ما يجب أن نطلع عليه في العقد أولاً، وبعد التنفيذ والاستلام ثانياً، فهو المؤشر على مدى “تحديث” المصفاة.
اقرأ أيضاً: لماذا تصدّر سوريا النفط وهي بحاجة إليه؟!
في الختام، يشكل مشروع تحديث مصفاة بانياس خطوة حيوية لضمان استمرارية إنتاج المشتقات النفطية في سوريا. ورغم أن التحديات الراهنة التي تجعل مواكبة التطورات العالمية في تكنولوجيا تكرير النفط صعبة، إلا أن هذا المشروع يعكس التزاماً بتأمين احتياجات السوق المحلية، مما يضع المصفاة على مسار أكثر استقراراً في المستقبل.









