تجهيزات المنزل والعرس ضمن مبادرة الزواج الميسر في جمعية إنعاش الفقير الخيرية

بقلم هلا يوسف
لا يستقيم مجتمع دون تكافل أهله ووجهائه لمساندة الفقير والمحتاج، هذا الأمر في الحالة الطبيعية لدول لم تمر بحروب، فكيف بدولة خارجة من 14 سنة من الحرب والدمار، و90% من سكانها تحت خط الفقر العالمي؟ هنا يأتي دور الجمعيات الخيرية لتقوم بدورها الاجتماعي والإنساني الذي تسد فيه رمق فقير، وتسند فيه عائلة محتاجة، وتداوي أوجاع مريض، وتيسر فيه مستقبل شباب لم يرَ من حياته سوى الدمار. لذلك، في هذا المقال سنسلط الضوء على دور جمعية إنعاش الفقير الخيرية في مدينة التل ومبادرتها الخاصة بتيسير زواج عشرات الشبان.
بدأت حكاية الجمعية قبل أكثر من خمسين سنة، حيث تأسست جمعية إنعاش الفقير الخيرية عام 1971، بهدف واضح قائم على الوقوف إلى جانب الفقراء والمحتاجين وأبناء المجتمع الأكثر حاجة إلى الدعم.
وبما أن احتياجات الناس زادت، توسعت خدمات الجمعية لتشمل الرعاية الصحية، ودعم الأسر المحتاجة، وحماية الأطفال، حتى الوصول إلى مبادرة تهدف إلى مساعدة الشباب على تأسيس حياتهم الزوجية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
من مساعدة الفقراء إلى رعاية صحية متكاملة
تحمل الجمعية ترخيصاً يحمل الرقم 993، ومنذ انطلاقتها ركزت على مساعدة الفقراء والمحتاجين، قبل أن تتوسع أعمالها تدريجياً لتشمل الجانب الصحي.
فقد بدأت الجمعية بمركز طبي يضم عيادة واحدة فقط، ثم توسع المركز مع مرور الوقت ليضم عيادات متعددة تقدم خدمات طبية مختلفة، تشمل الصدرية، والنسائية، والأشعة، والإيكو، والجراحة العظمية، والبولية، والأسنان، والعينية، والداخلية، بالإضافة إلى الطب العام.
وهذا التوسع لم يكن مجرد زيادة في عدد العيادات، بل محاولة لجعل الخدمات الطبية أقرب إلى الأشخاص الذين قد تمنعهم تكاليف العلاج المرتفعة من مراجعة الأطباء أو إجراء الفحوصات اللازمة.
وبحسب تصريح رئيس مبادرة الزواج الميسر في الجمعية، الدكتور كمال العرنوس، لـ”سوريا اليوم 24″، فإن الفئات الفقيرة المسجلة ضمن قوائم الجمعية تحصل على المعاينة الطبية مقابل 7 آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل 70 ليرة سورية جديدة، بينما تبلغ المعاينة للفقراء غير المسجلين على القوائم 15 ألف ليرة سورية، أي 150 ليرة جديدة.
أما صور الأشعة والإيكو، فتقدم بتكلفة تقل بنحو 50% عن الأسعار المتداولة خارج الجمعية، في حين تساعد الجمعية الفقراء والمحتاجين في العمليات الجراحية بنسبة تقارب 100%، بحسب الحالة والإمكانات المتاحة.
ولا يتوقف الدعم عند العلاج العابر، فمرضى الأمراض المزمنة يحصلون على وصفاتهم الدوائية بخصم يصل إلى 50%، وقد يرتفع في بعض الحالات إلى 75%، مع استمرار تقديم هذا الدعم بما يساعد المرضى على تأمين أدويتهم بشكل منتظم.
وخلال الفترة الماضية، اتجهت الجمعية أيضاً إلى زيادة المساعدات المقدمة للفقراء، إذ جرى قبل نحو شهرين رفع الرواتب والمساعدات المخصصة لهم بنسبة 100%.
سنوات من العمل الاجتماعي.. ومبادرة لتكوين أسر مستقرة
لم يكن الجانب الصحي هو المجال الوحيد الذي حضرت فيه الجمعية، حيث قال الدكتور العرنوس لـ”سوريا اليوم 24″ إن الجمعية خلال سنوات الثورة فتحت مراكز إيواء للنازحين، ووفرت لهم الوجبات الغذائية، وهذا ما ساهم في تعزيز الثقة بينها وبين عدد من المنظمات الدولية التي قدمت لها الدعم خلال تلك المرحلة.
كما تمتلك الجمعية تجربة طويلة في مجال حماية الأطفال، إذ ترتبط منذ نحو عشر سنوات بعقد مع منظمة اليونيسف في هذا المجال، وقد جرى تجديد العقد بشكل مستمر.
ومع ازدياد المسؤوليات، بدأت الجمعية تبحث عن طرق تساعدها على الاستمرار من دون أن تبقى المساعدات والتبرعات المصدر الوحيد لتمويل أنشطتها. لذلك تعمل حالياً على مشاريع استثمارية تحقق دخلاً للجمعية، مما يخفف من الأعباء المالية ويمنحها قدرة أكبر على الاستمرار في تقديم خدماتها.
مبادرة الزواج الميسر.. طريق لبناء أسر مستقرة
سيراً على النهج الاجتماعي الذي لطالما اتبعته الجمعية، جاءت مبادرة الزواج الميسر، التي تقوم فكرتها على أن مساعدة الشباب على الزواج ليست مجرد تقديم مبلغ مالي أو تجهيزات، بل يمكن أن تكون فرصة لبناء أسر أكثر استقراراً منذ البداية.
وقال الدكتور العرنوس لـ”سوريا اليوم 24″ إن المبادرة استهدفت مساعدة 40 شاباً و40 شابة على الزواج، وفق معايير محددة تهدف إلى اختيار الحالات الأكثر قدرة على بناء حياة مستقرة ومسؤولة.
وأكمل أن عملية الاختيار لم تعتمد على الوضع المادي وحده، بل شملت مجموعة من المعايير، بينها استقرار العمل، واستقرار السكن، والوضع المالي لكل من الشاب والفتاة، بالإضافة إلى وجود دعم من الأسرة. كما أعطيت الأولوية للأشخاص من ذوي الإعاقة وحفظة القرآن.
ونوه إلى بعض التفاصيل الصغيرة التي دخلت في عملية التقييم، ومنها التدخين، إذ جرى خصم نقاط من المدخنين، انسجاماً مع القيم الأخلاقية التي وضعتها المبادرة.
ولأن الزواج لا يحتاج إلى المال فقط، بل إلى وعي واستعداد أيضاً، نشرت صفحة الجمعية على الفيسبوك تفاصيل عملية الاختيار، وأكدت أن حضور دورة التأهيل الأسري كان شرطاً أساسياً للمشاركة، من دون استثناءات. وشملت الدورة الشباب والشابات، إلى جانب أفراد من عائلاتهم، وكذلك الأمهات والحموات اللواتي شاركن في المحاضرات التمهيدية، مما أعطى الملتزمين بالحضور فرصة أفضل ضمن عملية الاختيار.
24 جلسة تدريب.. ثم الدعم وصولاً إلى الزفاف
على مدى 24 جلسة، تلقى المشاركون تدريباً في مجموعة من الجوانب التي تمس الحياة الزوجية بشكل مباشر. وتناولت الدورة المحاور الدينية والشرعية، والقانونية، والطبية، والنفسية، إلى جانب إدارة المنزل والتوعية المالية.
وشارك في تقديم هذه الجلسات علماء واختصاصيون من دمشق، بهدف إعطاء الشباب صورة أكثر واقعية عن المسؤوليات التي تنتظرهم بعد الزواج، بدلاً من اختصار فكرة الزواج في يوم الزفاف وحده.
وفي نهاية مرحلة التدريب، خضع أكثر من 300 شاب وشابة للاختبار والتقييم، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية واختيار المستفيدين من المبادرة.
بعد ذلك بدأت مرحلة التجهيز الفعلي للزواج. فحصل كل عريس على دعم مالي قدره 1100 دولار، مخصص لشراء الأثاث والأجهزة المنزلية الأساسية، وذلك بالتعاون مع عدد من الشركات والمعارض الكبرى في سوريا.
كما تم تخصيص مبلغ 300 دولار لكل عروس لتأمين احتياجاتها الشخصية، بالإضافة إلى تقديم البدلات الرسمية والأحذية للشباب المشاركين، لتكتمل التجهيزات الأساسية قبل الانتقال إلى موعد الزفاف.
وهكذا لا تنتهي المبادرة عند تقديم المساعدة المالية، بل تحاول أن ترافق الشاب والفتاة من مرحلة الاختيار والتأهيل، إلى التجهيز، ثم إلى تأسيس المنزل والاحتفال بالزواج.
وتصل المبادرة إلى محطتها الأخيرة في 14 و15 أيلول/سبتمبر، يومي الاثنين والثلاثاء، عند الساعة الخامسة مساءً، من خلال حفل زفاف جماعي للمشاركين.
ومن المنتظر أن يتضمن الحفل عشاءً وفقرات من الأناشيد والمدائح، بحضور رسمي واجتماعي بارز، ليكون ختاماً لمشروع بدأ بفكرة بسيطة: مساعدة الشباب على الزواج، لكنه حاول أن يذهب أبعد من ذلك، نحو إعدادهم لحياة أسرية أكثر استقراراً.
في النهاية، يمكن القول إن تجربة جمعية إنعاش الفقير الخيرية تستهدف تيسير الزواج، لكن ضمن ضوابط أخلاقية واجتماعية معينة تتخطى عائق المال، لتبني أسرة سورية مستقرة. أما بالنسبة إلى الخدمات التي تقدمها بشكل عام، فإنها تساهم في تقديم يد العون لكل محتاج وفقير في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها معظم السوريين.
اقرأ أيضاً: عادات الزواج في سوريا: من الداية وحمام السوق إلى زواج الأونلاين









