تجارب فردية ونماذج عملية.. المشاريع الصغيرة كمحرك للنمو الاقتصادي في سوريا

بقلم: ريم ريّا
منذ سنوات ما بعد الحرب في سوريا، شكلت المشاريع الصغيرة والمتوسطة “SMEs“، شريان الاقتصاد السوري. حيث تمثل أكثر من 80% من النشاط الاقتصادي في البلاد، بحسب دراسة “بوابة الأعمال السورية 2025″. هذه المشاريع ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، بل ركيزة أساسية للصمود الاقتصادي والاجتماعي، إذ تسهم في خلق فرص عمل للشباب، والحد من الفقر، وتنويع مصادر الدخل، رغم تحديات التمويل وارتفاع كلفة التشغيل، بالتوازي مع ضعف الدعم الشامل.
ركزت الأفكار الناجحة في عام 2025، على مجالات التجارة الإلكترونية، والصناعات اليدوية، والخدمات الغذائية. مع ميل الشباب لبدء مشاريعهم الخاصة بعد سنوات من الرواتب المتدنية والبطالة. في هذا المقال سنناقش كلفة هذه المشاريع ونقدر أرباحها بشكل تقريبي وقريب للدقة وللواقع، ونعرض المعوقات على لسان أصحاب تلك المشاريع، ونرصد عوامل استمرار تلك المشاريع.
الكلفة التقديرية للمشاريع الصغيرة في سوريا
مع رفع العقوبات مطلع 2025، أطلقت الحكومة السورية سياسة دعم جديدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، عبر قروض ميسّرة وبرامج تدريب، وأسست صندوق دعم بقيمة 20 مليار ليرة سورية، ساهم في تمويل حوالي 5000 مشروع وخلق نحو 15.000 فرصة عمل بحسب تقرير “بوابة الأعمال السورية“.
في الحقيقة، تتفاوت كلفة المشاريع الصغيرة بشكل عام حسب نوع النشاط وطبيعته، وما إذا كانت واقعية على الأرض أو من خلال الإنترنت. على سبيل المثال، يمكن البدء “بكشك قهوة” أو ربما مشروبات سريعة بمساحة صغيرة تصل لمتر مربع واحد، وتتراوح كلفته الوسطية بين 300 و1000 دولار، ما يعادل تقريباً – مع مراعاة اختلاف سعر الصرف – 3.15 إلى 10.5 مليون ليرة سورية. (تم حساب الكلفة وفقاً لتاريخ آخر نشرة صرف لعام 2026 صادرة عند كتابة المقال). تشمل هذه الكلفة شراء المعدات الأساسية والمواد الأولية، مع استهلاك منخفض نسبياً للموارد والطاقة.
أما مشاريع تنظيم الحفلات والمناسبات، فهي تتراوح بين 500 إلى 1500 دولار، ما يقارب 5.25 إلى 15.75 مليون ليرة سورية. شاملة للوازم التزيين، تأجير أماكن الحفلات إلى جانب الدعاية التسويقية.
في مجال بيع الملابس، يحتاج المشروع المتوسط إلى رأس مال يتراوح بين 100 إلى 3000 دولار أمريكي، والكلفة بالسوري 10.5 إلى 31.5 مليون ليرة، بين تغطية إيجار المحل وشراء البضائع الأولية. وعند الانتقال إلى الصناعات البسيطة كاليدوية مثل الصابون والاكسسوارات أو الغذائية الصغيرة والبسيطة، مثل المعجنات والحلويات المنزلية أو المطابخ المنزلية، فتتطلب تمويلاً أكبر بين 2000 إلى 5000 دولار، ما يعادل 21 إلى 52.5 مليون ليرة سورية. بين توفير معدات الإنتاج، المواد الخام، التغليف، وتكاليف التشغيل الرئيسية.
لكن هنا تسجل فروقات وتحديداً مشاريع المطابخ المنزلية، في بعض الأحيان تكون برأس مال بسيط ويكون الاتفاق بين الزبون وصاحب المطبخ المنزلي على كيفية تحضير الطعام، وما إذا كانت المكونات ستستقدم من قبل صاحب المطبخ أو الزبون، والكميات المطلوبة وغيرها من التفاصيل، كلها عوامل تتحكم بالتكلفة. ينطبق الحال أيضاً على الصناعات اليدوية فيمكن أن تبدأ برأس مال متوسط، لأن فرق أسعار المواد الخام والمستلزمات هو العامل الفاصل بتكلفتها.
أما المشاريع الرقمية عبر الإنترنت، تختلف التكاليف بشكل كبير حسب طبيعة النشاط، فمتجر إلكتروني أو مشروع تسويق رقمي، قد يبدأ برأس مال صغير جداً يتراوح بين 50 و100 دولار (525 ألف – 1.25 مليون ليرة)، مع تغطية إنشاء المنصة، شراء المنتجات وفي حالة تجارة الألبسة، في بعض الأحيان يكفي التعاقد مع مصنع واقتسام الأرباح بناءً على نسب المبيع، وربما تزيد الكلفة في حال تم دفع تكاليف “إعلان رقمي” على وسائل التواصل الاجتماعي لتصل وسطياً إلى 500 دولار وما فوق حسب طبيعة الإعلان والشخص الذي يقوم به وأجره سواء كان “بلوغر أو انفلونسر”. لكن بشكل عام تعتبر هذه المشاريع أقل تكلفة مبدئية، لكنها تحتاج إلى استمرارية في التسويق الرقمي والابتكار لتكوين قاعدة عملاء مستقرة وتحقيق أرباح مناسبة.
الجدير بالذكر، تتطلب كل هذه المشاريع تقييماً دقيقاً لاحتياجات السوق، ومراعاة التكاليف التشغيلية، ومرونة في التمويل، تحديداً في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة في سوريا، ما يجعل اختيار نوع المشروع المناسب وفق رأس المال المتوفر عاملاً حاسماً لنجاح أي مشروع صغير أو متوسط.
اقرأ أيضاً: بلوغرستان السورية.. هل “البلوغرز” مصدر إلهام لجيل الشباب أم “بياعو” وهم؟
التكلفة التقديرية لبعض المشاريع الصغيرة في سوريا والمعوقات
عند النظر إلى الكلفة الأولية لكل مشروع والظروف الاقتصادية في سوريا، نلاحظ تباين الأرباح الشهرية المتوقعة حسب نوع المشروع وطبيعته، لكن على سبيل المثال: أكشاك القهوة والمشروبات السريعة، يمكنها تحقيق أرباح شهرية تتراوح بين 100 و300 دولار ما يقارب 1.05 إلى 3.15 مليون ليرة سورية، في حال نجح صاحب المشروع في جذب العملاء بشكل منتظم، لا سيما في المناطق التي تشهد حركة ونشاطاً تجارياً، وهناك عوامل تساهم بالربح كذلك أهمها جودة الخدمة والأسعار.
بشكل عام، يمكن أن يغطي المشروع الصغير تكلفته الأولية خلال 6 – 12 شهراً، في حال تمت إدارته بكفاءة، كذلك في حال أخذنا بعين الاعتبار الدعم المالي الميسر من قبل “صندوق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة” عبر القروض المدعومة بفائدة تصل إلى 4% في بعض المصارف، والتدريب الذي يقدمه.
أما عن العوائق فسنوردها على لسان أصحاب المشاريع المتعددة من مناطق وأعمال مختلفة في سوريا. قال أحد رواد الأعمال، أنه وبعد تخرجه من كلية الطب البشري، لم يجد فرصة عمل مناسبة، فأسس “كشك للقهوة” بمساحة متر مربع بمشاركة قريب له ورأس مال بسيط. ويقول صاحب المشروع: “بدأت بتطبيق أفكاري بعد أن رصدت وضع البلد المتدهور عند تخرجي، ووجدت في الكشك مساحة للاستقلال المهني أكثر من سنوات دراستي“. وعن العوائق التي واجهها فاختصرها، بارتفاع كلفة المواد الأولية، ومحدودية التمويل وانقطاع الكهرباء في بعض الأحيان.
في حماة، قال خريج قسم التسويق الالكتروني، أنه قد بدأ بمشروع تنظيم الحفلات والمناسبات بعد أن رفض الرواتب المتدنية آنذاك عند بدء المشروع (20 دولار)، فيقول: “مشروعي أصبح مصدر دخلي الأساسي، وأتمنى توسيعه رغم الصعوبات المالية والتشغيلية”. وعن العوائق أشار الشاب، أن أبرز ما اعترضه في مجال عمله هو عدم وجود بنية تشريعية واضحة تحتوي هذا النوع من الأعمال، إلى جانب ضعف الدعم المقدم. وعزى ذلك إلى صعوبة الوصول للتمويل المصرفي المطروح. حسب تعبيره.
كما صرحت خريجة معهد الفنون التشكيلية، أنها بدأت بيع وتأجير فساتين السهرة وتصميم الأزياء، بدعم جزئي من عائلتها، قائلةً: “واجهت صعوبات مادية كبيرة، لكن بدأت خطوة بخطوة، مستندة إلى شغفي ومهارتي“. أما عن العوائق فقد أوضحت، أن أبرز ما اعترضها هو ارتفاع كلفة التجهيزات، ومحدودية السوق المحلي، فضلاً عن ضعف قنوات التسويق التقليدية.
العوامل المساعدة للمشاريع ودور الدولة.. وتأثيرها على الاقتصاد
تشكل المشاريع الصغيرة في هذا البلد، أحد المسارات القليلة المتبقية لتخفيف الاختناق الاقتصادي والاجتماعي، مستندةً إلى عوامل مساعدة فرضها الواقع أكثر مما صنعتها السياسات. أبرزها فائض اليد العاملة الفتية، بالتوازي مع تراجع فرص العمل الحكومي، وتنامي الاعتماد على المبادرات الفردية. فضلاً عن الطلب المستمر على السلع والخدمات سواء بالواقع أو عبر الإنترنت، الذي تحول لمنصة بديلة عن البنية الاقتصادية الغائبة.
لكن رغم أهمية تلك العوامل، إلا أنها ليست كافية. فهي وبالرغم من صندوق الدعم، غير مدعومة بسياسات واضحة. فلا يمكن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية إنعاش الاقتصاد والتغافل عن الاجراءات المعقدة، الضرائب والرسوم المرتفعة، والتمويل الضعيف.
مسؤولية الدولة هنا، تتجلى في الانتقال من منطق الجباية إلى منطق الشراكة الاقتصادية، من خلال خطوات بسيطة لكنها فعالة، على سبيل المثال:
- تبسيط الترخيص وشرحه.
- حماية المشاريع الصغيرة من المنافسة غير المنظمة من خلال وضع تشريع قانوني مناسب.
- توسيع دور صندوق دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بوصفه أداةً تنموية حقيقية لا مجرد واجهة إدارية.
- ربط التمويل ببرامج تدريب وإرشاد تضمن استدامة المشاريع لا تعثرها السريع.
- دعم المشاريع الرقمية خصوصاً، من خلال تحسين البنية التحتية للاتصالات، وتنظيم وسائل الدفع الإلكتروني وتطويرها، بما يسمح بدمج الاقتصاد المحلي في الأسواق الأوسع.
على المستويين السياسي والاقتصادي، لا يمكن للحديث عن أي تعافٍ اقتصادي في سوريا، أن يتجاوز المشاريع الصغيرة ودورها في تحريك الطلب الداخلي، وتقليص فجوة التفاوت الاجتماعي ولو بشكل نسبي. لكن لنكن واقعيين، هذه المشاريع هشة كثيراً رغم أهميتها بسبب غياب السياسات الداعمة، وإبقاء التعامل مع هذه المشاريع كحل مؤقت لأزمة تبدو حتى اللحظة مزمنة هو خطأ بنيوي، لكن دمجها ضمن رؤية واضحة اقتصادياً هو المخرج الوحيد والسبيل لاستقرار الاقتصاد، وبالتالي استقرار المجتمع ووضوح المستقبل.









