تاريخ من الازدهار والصراعات عاشتها الليرة السورية.. تعرف على القصة كاملة

بقلم هلا يوسف
مرت الليرة السورية بتاريخ طويل من التقلبات، متأثرة بالتغيرات السياسية والاقتصادية. حيث كانت شاهدة على فترات الاحتلال والاستقلال، وفترات الصراعات الداخلية والخارجية حتى الوصول إلى وقتنا الحالي. في هذا المقال سنأخذك في رحلة إلى تاريخ هذه الليرة أو العملة لنتعرف على مسار تطورها عبر الزمن.
الليرة السورية من نهاية العهد العثماني إلى الاستقلال النقدي
شهد النظام النقدي في سوريا تحولات عميقة ارتبطت بالتغيرات السياسية التي عرفتها البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. فحتى عام 1918 كانت الليرة العثمانية هي العملة المتداولة، لكن مع سقوط الدولة العثمانية ودخول قوات الحلفاء، أُلغي التعامل بالأوراق النقدية التركية، وفرض التداول بالجنيه المصري مع السماح باستخدام الذهب. وخلال هذه المرحلة الانتقالية بدأ التحول التدريجي من النقد المعدني إلى الأوراق النقدية، وبرزت ملامح النظام المصرفي الحديث.
في عهد الملك فيصل الأول، استمر التعامل بالنظام النقدي العثماني في الداخل والجنيه المصري في الساحل السوري، إلى أن أصدرت الحكومة الفيصلية قانوناً ينظم العملة على قاعدة المعدنين، فجعل الدينار وحدة نقدية أساسية والريال العربي وحدة فضية. غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، إذ أدى الاحتلال الفرنسي في تموز 1920 إلى فرض تنظيم نقدي جديد شمل كامل الأراضي السورية.
وبموجب قرار 31 آذار 1920، وضع الأساس القانوني لعملة جديدة عرفت باسم الليرة السورية، وربطت بالفرنك الفرنسي بسعر 20 فرنكاً لكل ليرة، مع سحب الجنيه المصري من التداول. وتولى مصرف سوريا ولبنان مهمة إصدار هذه العملة، قبل أن يتغير اسمه عام 1924 إلى “بنك سوريا ولبنان الكبير” بعد إعلان دولة لبنان الكبير، وأصبحت الليرة وحدة النقد الأساسية في سوريا ولبنان معاً، وتجزأت إلى 100 قرش.
استمر هذا النظام حتى أواخر الثلاثينيات، حيث أفضت مفاوضات تجديد امتياز الإصدار إلى اتفاقية شباط 1938 التي نصت على الفصل الرسمي بين الليرة السورية واللبنانية، مع تحديد نظام تغطية نقدية إلزامية تعتمد على الذهب وودائع بالفرنك الفرنسي، إلى جانب أدوات مالية أخرى. وقد مهد ذلك الطريق نحو استقلال نقدي تدريجي لكل من البلدين، رغم استمرار التداول المتبادل لفترة لاحقة.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، دخلت الليرة السورية مرحلة أكثر تعقيداً، إذ رُبطت عام 1944 بالجنيه الإسترليني، قبل أن تلغي فرنسا هذا الربط بين عامي 1945 و1946. وبعد الحرب، وفي إطار نظام بريتون وودز، جرى ربط الليرة السورية بالدولار الأميركي عام 1947 بسعر 2.19 ليرة للدولار، وهو ما وفر استقراراً نسبياً لسعر الصرف.
وخلال هذه المرحلة، كان أداء الليرة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالقطاع الزراعي، الذي شكل القاعدة الأساسية للاقتصاد السوري، مما جعل استقرارها يتأثر بمواسم الإنتاج وأسعار المحاصيل. وفي 8 شباط 1949 اعترفت فرنسا رسمياً باستقلال الليرة السورية عن الفرنك الفرنسي، لتضع سوريا أول سياسة نقدية مستقلة، تلتها رقابة صارمة على النقد الأجنبي عام 1950، واكتمل الانفصال الفعلي عن الليرة اللبنانية بعد الانفصال الجمركي في العام نفسه.
وفي إطار ترسيخ السيادة النقدية، صدر المرسوم التشريعي في 28 مارس/آذار 1953، الذي وضع الأساس القانوني للجهاز النقدي السوري، وحدد مفهوم الليرة وقواعد إصدارها، وأسس مؤسسة إصدار النقد السوري، التي أصدرت أول أوراق نقدية تحمل اسم الدولة وشعارها. وأخيراً، تحقق الاستقلال المالي الكامل في آب 1956 مع تأسيس مصرف سوريا المركزي، الذي تولى إصدار الليرة وضبط السياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات، منهياً مرحلة النفوذ النقدي الخارجي ومؤسساً لسيادة العملة السورية.

الليرة السورية في ظل صعود حزب البعث وحكم بشار الأسد
مع ترسخ حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، دخلت الليرة السورية مرحلة من الاستقرار النسبي امتدت لعدة عقود. وخلال فترة الوحدة السورية–المصرية (1958–1961) ثم في الثمانينيات، اعتمدت الدولة سياسة تعدد أسعار الصرف، حيث خُصص سعر تفضيلي للتصدير بهدف دعم الصناعة الوطنية وتخفيض كلفة المواد الأولية، في محاولة للحفاظ على الاستقرار النقدي وسط ضغوط اقتصادية متزايدة.
وخلال الثمانينيات والتسعينيات، حافظت الليرة السورية على استقرار عام، وبلغ متوسط سعر الصرف نحو 50 ليرة للدولار حتى نهاية التسعينيات. وأسهم في هذا الاستقرار تحسن نسبي في النمو الاقتصادي، وصدور قانون رقم 10 لعام 1991 لتشجيع الاستثمار، إلى جانب توسع النشاط السياحي. ورغم تسجيل معدل تضخم مرتفع عام 1993 بلغ نحو 13.2% نتيجة زيادة الأجور والانفتاح الاقتصادي، فإن التضخم تراجع تدريجياً في السنوات اللاحقة، ووصل الاقتصاد إلى حالة انكماش عام 1999، مع بقاء تراجعات الليرة محدودة ومتباعدة.
غير أن هذا الاستقرار بدأ يهتز مع تطورات إقليمية ودولية مهمة، أبرزها حرب العراق عام 2003، ثم تداعيات اتهام النظام السوري باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005. وأدى ذلك إلى ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 65 ليرة، قبل أن تستعيد الليرة جزءاً من قيمتها لتستقر مؤقتاً عند حدود 47 ليرة مع تحسن نسبي في العلاقات الإقليمية.
ومع وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، تبنت الحكومة سياسات اقتصادية وُصفت بالإصلاحية والانفتاحية، إلا أنها أدت فعلياً إلى اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد. فقد بلغ العجز في الميزان التجاري نحو 350 مليار ليرة، وارتفع التضخم إلى حوالي 15%، بينما وصلت معدلات البطالة إلى قرابة 30%. وأسهمت هذه السياسات، التي نفذت بإشراف وتوصيات من صندوق النقد الدولي، في تراجع الزراعة والصناعة، وإغلاق العديد من المصانع والورش، واتساع رقعة الفقر وتفاقم الفجوة في توزيع الدخل، إلى جانب انتشار الفساد.
وخلال الفترة الممتدة بين 2000 و2010، لم يولد الاقتصاد السوري سوى نحو 400 ألف فرصة عمل، بمعدل نمو سنوي ضعيف لم يتجاوز 0.9%، ما عكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وواقع الأداء الاقتصادي. ورغم صدور قوانين جديدة مثل قانون المصارف الخاصة عام 2001، وقانون هيئة الأوراق المالية عام 2005، وقانون توسيع تداول العملات الأجنبية عام 2006، فإن هذه الإجراءات لم تنجح في معالجة الخلل البنيوي أو إحداث تحول اقتصادي حقيقي.

ومع تزايد الاعتماد على الاستيراد وارتفاع الطلب على الدولار، ثُبّت سعر صرف الليرة بين عامي 2003 و2005 عند نحو 52 ليرة للدولار، إلا أن هذا التثبيت لم يصمد طويلاً. فقد أدت الضغوط التضخمية والانفتاح غير المنضبط إلى تراجع تدريجي في قيمة الليرة، ليصل سعر الصرف إلى نحو 67 ليرة مقابل الدولار عام 2006. ويمكن اعتبار هذه المرحلة بداية مسار التدهور البنيوي لقوة الليرة السورية، وهو المسار الذي تسارع لاحقًا مع الأزمات الكبرى التي شهدتها البلاد بعد عام 2011.
اقرأ أيضاً: استقرار الليرة والقروض: سوريا أمام القرار الصحيح؟!
الليرة السورية خلال الثورة السورية والحرب (منذ 2011)
مع اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، دخلت الليرة السورية أخطر مراحلها، وبدأت رحلة انهيار حاد غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث. فبعد أن كان سعر الصرف مستقراً نسبياً عند حدود 47–50 ليرة للدولار قبل الأزمة، ارتفع الدولار إلى نحو 63 ليرة بنهاية عام 2011، ثم إلى قرابة 70 ليرة عام 2012، مع تصاعد العمليات العسكرية وفرض عقوبات اقتصادية غربية واسعة عزلت سوريا عن النظام المالي العالمي.
ومع دخول الحرب عامها الثالث في 2013، تسارع تدهور الليرة بشكل كبير، إذ بلغ سعر الدولار نحو 170 ليرة، ثم ارتفع إلى حوالي 220 ليرة في نهاية عام 2014، متأثراً بتوسع رقعة الصراع، وفقدان الحكومة السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، وتراجع الإنتاج النفطي والزراعي، إضافة إلى هروب رؤوس الأموال إلى دول الجوار.
بحلول عام 2015، كانت الليرة قد فقدت معظم قيمتها، فتجاوز سعر الدولار 500 ليرة، وبلغ نحو 645 ليرة في مايو/أيار 2016، قبل أن يشهد تقلبات محدودة في عام 2017 بين 410 و550 ليرة. وخلال هذه الفترة، اتسمت سياسات المصرف المركزي بالتردد والتناقض، مع تغييرات متكررة في أنظمة السحب، واستبدال العملات، وتعدد أسعار الصرف بين المصارف وشركات الحوالات، ما زاد فقدان الثقة بالعملة الوطنية.

كما أدت العقوبات الاقتصادية المشددة إلى شلل واسع في القطاعات الإنتاجية، ولا سيما النفط والمالية والتجارة الخارجية، فتراجعت الإيرادات العامة وتوقفت الصادرات، في وقت ارتفعت فيه كلفة العمليات العسكرية. ونتيجة لذلك، لجأت الحكومة إلى تحرير أسعار السلع الأساسية تدريجياً، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات والمواد الغذائية، ودخول الاقتصاد في حالة ركود تضخمي حاد.
بين عامي 2018 و2020، استمر الانحدار السريع، فوصل الدولار إلى نحو 1000 ليرة عام 2019، ثم إلى قرابة 2800 ليرة بنهاية عام 2020، متأثراً بالأزمة المالية في لبنان، وجائحة كوفيد-19، وتطبيق قانون قيصر الأميركي الذي فرض عقوبات قاسية على النظام السوري. وخلال هذه المرحلة، أُعيد تصنيف سوريا دولة منخفضة الدخل، في ظل معيشة أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وفي عامي 2021 و2022، واصلت الليرة تراجعها، فبلغ الدولار نحو 3500 ليرة ثم تجاوز 5000 ليرة، بالتزامن مع انهيار غير مسبوق في الإنتاج الزراعي، حيث تراجع إنتاج القمح إلى نحو ربع مستواه قبل الحرب. وبنهاية عام 2023، تجاوز سعر الصرف 13 ألف ليرة للدولار الواحد.
وخلال النصف الأول من عام 2024، حافظت الليرة على توازن هش عند حدود 14 ألف ليرة، قبل أن تتعرض لانهيار حاد مع تصاعد العمليات العسكرية في تشرين الثاني، ليقفز سعر الدولار إلى نحو 25–27 ألف ليرة خلال أيام قليلة. ووفق تقارير البنك الدولي والإسكوا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خسر الاقتصاد السوري أكثر من 50% من حجمه، وتجاوزت الخسائر الاقتصادية 800 مليار دولار خلال سنوات الحرب.
ومع هذا الانهيار خلال فترة الحرب، لجأت بعض المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، ولا سيما في شمال البلاد، إلى اعتماد الليرة التركية بدلاً من الليرة السورية، في مؤشر واضح على فقدان العملة الوطنية وظيفتها الاقتصادية في أجزاء من البلاد.
العملات المعدنية والأوراق النقدية في سوريا
بدأ تداول العملات المعدنية في سوريا بشكل منظم منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين، وتطورت موادها وفئاتها مع تطور النظام النقدي والظروف الاقتصادية، بدءاً من عملات صغيرة من النيكل والنحاس والبرونز الألمنيومي، مروراً بإصدارات فضية ثم معدنية بديلة بعد الاستقلال، وصولاً إلى عملات أكبر فئة في التسعينيات وما بعدها نتيجة التضخم، كان آخرها إصدار عملة 50 ليرة عام 2018 التي أصبحت بحلول 2022 العملة المعدنية الوحيدة المتداولة فعلياً.
وبالتزامن معه بدأ إصدار الأوراق النقدية عام 1919 بفئات صغيرة، ثم توسعت تدريجياً مع تأسيس بنك سوريا ولبنان الكبير وانتقال الإصدار لاحقاً إلى مصرف سوريا المركزي عام 1957، وشهدت الأوراق النقدية تغييرات متكررة في التصميم واللغة والفئات، ولا سيما في النصف الثاني من القرن العشرين، قبل أن تتجه الدولة منذ أواخر التسعينيات إلى إصدار فئات أكبر وإلغاء الصغيرة منها، وصولاً إلى أوراق 2000 و5000 ليرة بعد عام 2017، في انعكاس مباشر لتراجع القيمة الشرائية للعملة والتغيرات الاقتصادية العميقة التي شهدتها البلاد.
سقوط نظام الأسد وما بعده
في 10 كانون الأول 2024، وبعد يومين من سقوط نظام الأسد، شهدت الليرة السورية تحسن مفاجئ ليتراجع سعر الصرف إلى نحو 11 ألف ليرة للدولار، غير أن هذا التعافي بقي محدوداً ومؤقتاً في ظل غياب رؤية سياسية واقتصادية واضحة للمرحلة الانتقالية.
وأوضحت الحكومة السورية المؤقتة أن البلاد خرجت من حرب مدمرة أدت إلى انهيار شبه كامل للناتج المحلي، وانقسام جغرافي ونقدي في أنظمة التداول، حيث استخدمت الليرة السورية في دمشق مقابل اعتماد الليرة التركية في إدلب، عدا عن تقدير كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار. كما كشفت الحكومة عن ديون متراكمة من عهد النظام السابق تتراوح بين 20 و23 مليار دولار، مع احتمالات مطالبات إضافية من روسيا وإيران قد ترفعها إلى 50 مليار دولار.
وفي إطار محاولات إعادة بناء النظام النقدي، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي في تشرين الأول 2025 عن خطة لإصدار عملة جديدة بست فئات مع حذف صفرين، بتصميم بسيط خالٍ من الرموز، تماشياً مع المعايير العالمية، كما أرسلت في تشرين الثاني 2025 أول رسالة سويفت إلى بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك معلناً العودة التدريجية إلى النظام المالي العالمي. وبحلول كانون الأول 2025، أشار المصرف المركزي إلى أن الاقتصاد السوري يحقق نمواً يفوق تقديرات البنك الدولي، بسبب عودة نحو 1.5 مليون لاجئ، رغم استمرار التحديات الكبيرة التي تواجه استقرار الليرة.
في النهاية، حرصت كل الحكومات السورية على الحفاظ على قيمة الليرة، التي كانت ولا تزال عماد الاقتصاد الوطني. ورغم تاريخها الطويل وتقلباتها العديدة، تمر اليوم الليرة بمرحلة تحول مهمة، تحاول فيها استعادة عافيتها بعد سنوات طويلة من الأزمات والتحديات.
اقرأ أيضاً: بعد الإعلان عن استبدال العملة.. كيف ستؤثر على الاقتصاد؟









