تاريخ سوريا المنهوب: تهريب الآثار “موضة” قديمة متجددة ومساعٍ حكومية للحل

بدأت الحكومة السورية تعي الخطر المتصاعد لشبكات تهريب الآثار، خاصة بعد التقارير حول تزايد أعمال النهب والتنقيب في عدد من المواقع الأثرية، وعلى رأسها مدينة تدمر… فقد كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية، الشهر الماضي، أن المدينة الأثرية باتت عرضة لعمليات نبش ليلية تنفذها مجموعات مجهولة تستغل ضعف الرقابة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وفي خطوة لمواجهة هذا التصعيد، بحث وزير الثقافة محمد ياسين صالح ووزير الداخلية أنس خطاب، خلال اجتماع رسمي عُقد يوم الاثنين الفائت في دمشق، سبل تعزيز التعاون بين الوزارتين لحماية المواقع الأثرية والحد من تهريب الآثار… وهنا في هذا الوقت الحرج من تاريخ سوريا يخطر لنا تساؤل مهم: هل عمليات تهريب الآثار أمر جديد في سوريا، أم أنها ممارسة قديمة تجد اليوم بيئة خصبة لتتجدد بأساليب مختلفة؟.
تهريب الآثار ليس جديداً
تهريب الآثار في سوريا موضة قديمة لا تعود فقط لعشر سنوات أو أكثر بقليل، بل هي امتداد لتاريخ طويل من النهب والاستغلال… فبفضل موقعها الجغرافي المتميز، لطالما كانت العيون موجهة إلى سوريا فهي حلقة وصل بين الشرق والغرب، ومهدٌ لحضارات إنسانية عريقة تعود جذورها إلى آلاف السنين قبل الميلاد، بحسب العديد من الاكتشافات الأثرية.
وينتشر في أرجاء المناطق السورية أكثر من 4500 موقع أثري يعود لحضارات مختلفة، من إيبلا وأوغاريت وماري، إلى الآراميين والفينيقيين، ثم الأكاديين والكلدانيين، وحتى الحقبات البيزنطية والرومانية والإسلامية، وهذا الغنى جعل منها مطمعاً للمهتمين بالآثار والمتاحف العالمية التي كانت تتهافت على قطعها لجذب الزوار.
فمنذ عقود، تعرضت مواقع أثرية عدة في سوريا للنهب، حيث كان التجار الأوروبيون والمستشرقون يجمعون القطع أو يشترونها بطرق غير مشروعة، وعلى الرغم من محاولات تنظيم عمليات التنقيب والاتجار بالآثار، إلا أن عمليات التهريب لم تتوقف واستمرت في الخفاء خصوصاً من المواقع غير المحمية.
ومع مرور الوقت، تطورت شبكات التهريب وأصبحت منظمة، بعضها على صلة بجماعات مختلفة، كما زاد الطلب العالمي على الآثار من حدة عمليات التهريب، حيث تم تهريب آلاف القطع الأثرية إلى وجهات متعددة مثل أوروبا وتركيا ولبنان.
ومنذ انطلاق الحراك الثوري في سوريا عام 2011، زادت وتيرة التخريب الذي تزامن مع التنقيب والتهريب، وتعرّضت المواقع الأثرية السورية لعمليات تدمير وسرقة ونهب ممنهجة، نفّذتها أطراف النزاع المختلفة دون استثناء.
تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2014 أشار إلى أن ما لا يقل عن 300 موقع أثري في سوريا طالها العبث سواء تدمير مباشر أو سرقة منظمة واصفاً ما يحدث بأنه “نهب منهجي”.
وشملت قائمة المواقع التي تعرّضت للنهب مواقع تاريخية مهمة مثل دورا أوروبوس، مدينة ماري القديمة، موقع الشيخ حمد في دير الزور، تل عجاجة والفخيرية في الحسكة، إضافة إلى أفاميا في محافظة حماة، وإيبلا في إدلب، وعشرات المواقع في عفرين شمالي حلب، ومواقع في محافظة درعا كتل الأشعري، وغيرها.
أعمال التنقيب غير الشرعي لم تقتصر على الجماعات المسلحة أو جهات مدعومة فقط بل شارك فيها مدنيون مدفوعون من جهات محسوبة على أطراف النزاع، خاصة في مدينة تدمر، التي كانت شاهدة على واحدة من أكبر موجات الاتجار غير المشروع بالآثار.
اقرأ أيضاً: تدمر بين أنقاضها: ذاكرة حجرية تبحث عن حياة جديدة!
ودير الزور أيضاً شهدت عمليات نهب كبيرة، ويؤكد أحد باحثي الآثار أن تقارير المديرية العامة للآثار والمتاحف في حكومة النظام السابق وثّقت أكثر من 700 انتهاك بحق المواقع الأثرية في دير الزور وحدها، وذلك خلال عامين فقط بين نيسان 2011 و2013.
وفي تقريرها السابق أدانت الأمم المتحدة تحويل بعض المواقع الأثرية إلى مواقع عسكرية، ودعت جميع الدول والهيئات المعنية بالتجارة والجمارك وسوق الأعمال الفنية، وحتى السياح، إلى توخي الحذر والانتباه إلى القطع الأثرية السورية المنهوبة.
وفي عام 2015، نشرت نشرة أمريكية متخصصة بالآثار في الشرق الأوسط، صادرة عن جامعة Dartmouth، تقريراً يكشف حجم الخسائر التي لحقت بالمواقع الأثرية السورية، وبحسب التقرير، فإن أكثر من 1300 موقع من أصل 8000 تعرّضت للتخريب المتعمد بهدف السرقة والاتجار غير المشروع بالآثار، حسبما كشفت صور أقمار صناعية.
التقرير أكد كذلك على فكرة أن التدمير لم يكن حكراً على جهة واحدة، بل تورطت فيه أطراف مختلفة على امتداد الجغرافيا السورية، كلٌّ بحسب منطقة نفوذه، وقدّر أن نحو 42.7% من المواقع المدمرة تقع في مناطق شهدت مستوى عالٍ من الانتهاكات، مقابل 22.9% في مناطق خاضعة لجهات رسمية، و14.3% في مناطق تسيطر عليها فصائل مسلحة، و9.4% في مناطق أخرى مختلفة.
من جانبها، ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في وقت سابق أن عمليات تهريب الآثار في سوريا تعدّ من أضخم وأخطر عمليات النهب المنظم التي شهدها التاريخ، لدرجة أنها قد تحدث تغييرات كبيرة في سوق الآثار العالمي خلال السنوات والعقود المقبلة، وأفادت بأن حجم التخريب كان كبيراً إلى حد أنه قضى على أي فرصة لإجراء حفريات أثرية علمية في كثير من المواقع التي تعد من الأهم في منطقة الشرق الأوسط.
وفي عام 2020، أطلق برنامج دولي باسم “The Docket”، وبدعم من منظمة كلوني للعدالة “Clooney”، تحقيقاً لتتبع تهريب الآثار من عدة دول تعاني من الصراعات، مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن، إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة.
وخلُص التحقيق إلى جمع أدلة وملفات حول أشخاص وشبكات متورطة في هذه التجارة داخل دول مثل فرنسا وبلجيكا وسويسرا وألمانيا وأمريكا، بهدف تسليمها للسلطات ومحاسبة المتورطين قضائياً، باعتبارهم مشاركين في جرائم خطيرة مثل تمويل جماعات مسلحة وجرائم حرب.
اقرأ أيضاً: صيدنايا: مدينة القداسة والتاريخ.. لا سجن الرعب والدماء!
تصاعد التنقيب والتهريب منذ السقوط
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، ازدادت على الفور وبشكل ملحوظ عمليات سرقة الآثار والتنقيب غير القانوني عنها، نتيجة غياب الرقابة وانهيار المنظومة الأمنية.
وفي مختلف المناطق السورية، نشر مواطنون منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي يشتكون فيها من حفر عميقة ظهرت فجأة في أراضيهم الزراعية، ما تسبب بأضرار كبيرة للتربة والممتلكات، وقد ناشدوا السلطات للتدخل ووقف هذه الاعتداءات، وطالب ناس كثر بجهود محلية ودولية حقيقية لحماية ما تبقى من التراث السوري واسترجاع القطع التي تم تهريبها إلى خارج البلاد.
وفي حزيران الماضي، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريراً مطولاً تناول تنامي ظاهرة سرقة الآثار في سوريا وبيعها عبر موقع فيسبوك، وأكد التقرير أن هذا النشاط غير القانوني ازداد بعد سقوط النظام، حيث انتشر الفقر وظهرت “حمّى البحث عن الذهب”.
التقرير حذّر كذلك من أن تدمر ليست هي الوحيدة في قلب الخطر بل هناك مواقع أثرية كثيرة تشهد نهباً منظماً وبحسب مشروع “آثار” المتخصص في رصد تجارة الآثار غير المشروعة عبر الإنترنت، فإن ثلث حالات بيع الآثار السورية الموثقة منذ عام 2012، وعددها 1500 حالة، حدثت بعد سقوط النظام.
ويوضح التقرير أن بعض المتورطين هم أفراد يعانون من الفقر الشديد، لكن هناك أيضاً شبكات منظمة تستخدم معدات ثقيلة وجرافات للحفر، وحتى انتزاع لوحات فسيفساء كاملة بحرفية عالية، ما يدل على وجود مختصين يشاركون في عمليات النهب.
وبعد إخراج القطع الأثرية من الأرض، تجد طريقها سريعاً إلى الإنترنت. ويؤكد الخبراء أن فيسبوك أصبح منصة رئيسية لبيع هذه القطع، من العملات القديمة إلى التماثيل والفسيفساء، ويتم عرضها للبيع لمن يدفع أعلى سعر.
اقرأ أيضاً: التسوّل في حمص: بين الحاجة والاحتيال.. هل من أمل في التغيير؟
وعي حكومي لهذه المخاطر
تعمل الحكومة السورية حالياً على تكثيف جهودها لمواجهة ظاهرة التنقيب غير القانوني وتهريب الآثار التي تهدد تراث البلاد وفي الاجتماع الذي ذكرناه آنفاً أوضح وزير الثقافة أن حماية التراث الثقافي تعدّ جزءاً أساسياً من الحفاظ على الهوية الوطنية، مشدداً على ضرورة تحسين آليات الرصد والمتابعة لرصد الشبكات التي تقوم بعمليات التنقيب والنهب، مع تعزيز التواصل والتوعية بين المواطنين والدولة لبناء علاقة قائمة على الاهتمام المشترك بالتراث.
من جهته، أكد وزير الداخلية أن حماية الإرث الثقافي مسؤولية وطنية يجب أن يشارك فيها الجميع، لافتاً إلى أن مهام الوزارة الأمنية تشمل الآن مواجهة “سرقة الذاكرة الجماعية” إلى جانب مكافحة الجرائم التقليدية. وأكد أن وزارته تضاعف جهودها في مراقبة المواقع الأثرية وضبط كل نشاط مشبوه، لمنع الحفر غير المصرح به وتهريب القطع الأثرية.
هذه الإجراءات تعكس التعاون المتزايد بين الجهات الحكومية لمحاولة استعادة السيطرة على المواقع الأثرية وحمايتها من السرقة والتي لا تعدّ غريبة بعد سنوات من الآثار العميقة التي خلفتها الحرب، والآمال معقودة باتخاذ خطوات سريعة وجدية للحفاظ على التراث الثقافي السوري الثري.
اقرأ أيضاً: هيئة التخطيط الإقليمي تكثف جهودها لإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة في سوريا









