أعمال واستثمار

بين وهم الذهب والواقع: كنوز حقيقية يخفيها نهر الفرات!

منذ أيام قليلة، شغلت شائعة مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا، وتحديداً في الشمال الشرقي في قرية “البوحمد” التابعة لمحافظة الرقة، والشائعة كانت تتحدث عن اكتشاف كميات من الذهب على ضفاف النهر، ما أشعل حماسة وفضول الأهالي، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن المعدن الذي تم العثور عليه ليس ذهباً، بل “البيريت“، والذي يسمى أيضاً  بـ”الذهب الكاذب”.

وبعد القال والقيل حسم خبراء الجيولوجيا الجدل وأكدوا أن ما ظهر في الصور المتداولة هو “كبريتيد الحديد” (FeS₂)، معدن لامع يشبه الذهب في بريقه، لكنه لا يساوي شيئاً في السوق، ويعرف بخداعه البصري الذي طالما أوقع الناس في الخطأ.

وهذه ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها شائعات مثل هذه، ففي عام 2021، انتشرت صور على الإنترنت تزعم انحسار نهر الفرات وانكشاف جبل من الذهب تحته، ليتبيّن فيما بعد أن الصور مأخوذة من أستراليا…  ولا يوجد ما هو صحيح غير أن النهر ينحسر بالفعل!

وتعليقاً على الشائعة الأخيرة، وفي تصريح لإحدى وسائل الإعلام قال أحد أهالي البوحمد: “حتى لو كان هناك ذهب، لسنا بحاجة إليه. الثروات التي لدينا لم تجلب سوى الفقر”… فما هي ثروات المنطقة التي تقع على ضفاف نهر الفرات؟

ثروات شرق الفرات

شرق الفرات ليس بحاجة إلى الذهب الحقيقي ليكون غنياً، فهذه المنطقة، التي تضم محافظات دير الزور، الحسكة، والرقة، تشكل 41% من مساحة سوريا، وتعد الأغنى بالثروات الطبيعية والزراعية والمائية، لكنها في نفس الوقت من أكثر المناطق التي عانت من الإهمال وسوء السلطات، ما حرمها من أي تنمية حقيقية.

فبالنسبة للثروة المائية، فهذه المنطقة هي الأغنى مائياً في سوريا، حوالي 64% من المياه السطحية السورية تأتي من هنا، بكمية سنوية تتجاوز 13.93 مليون متر مكعب من أصل 20.6 مليون.

نهر الفرات هو المصدر الأساسي، يليه دجلة، ثم نهر الخابور الذي كان يوماً ما ثاني أكبر ينبوع كارستي في العالم بعد الصين، قبل أن يجف في 1997 بعد بناء سد أثار تحذيرات كثيرة تجاه الينابيع، تحذيرات تجاهلها حينها محافظ الحسكة، وأصر على إتمام الصفقة مع شركات أجنبية.

اقرأ أيضاً: سوريا تختنق: تلوث الهواء يهدد حياتنا!

إضافة إلى المياه، فالأراضي الواسعة والمناخ الملائم جعلا من المنطقة سلة غذاء سوريا، في محافظة الحسكة وحدها، تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة أكثر من 1.5 مليون هكتار، وفي الرقة حوالي 813 ألف هكتار، وفي دير الزور نحو 224 ألف هكتار.

إجمالاً، تشكل المنطقة الشرقية نحو 43% من إجمالي الأراضي الزراعية السورية… وفي عام 2011، بلغ إنتاج القمح في هذه المحافظات حوالي 2.1 مليون طن، أي 55% من إنتاج سوريا الكلي، أما القطن، فكان الإنتاج 522 ألف طن من أصل 671 ألف على مستوى سوريا، أي ما يعادل 78%، معظمها من الحسكة وحدها التي أنتجت 35% من الإجمالي.

ليس هذا فحسب، فالحياة الريفية أساسية في شرق الفرات، حيث يعيش 61% من السكان في الريف، ويعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، وتعد الأغنام من نوع “العواس” الأكثر شيوعاً تأتي بعدها الأبقار ثم الجواميس، ويوجد أيضاً عدد محدود لتربية الخيول العربية الأصيلة، أما الإبل فقد غابت عن المنطقة منذ أربعينيات القرن الماضي.

ومن الكنوز المنسية في منطقة شرق الفرات نجد “الملح الصخري”، والذي يتوزع بكثافة بين دير الزور والبوكمال ضمن ما يعرف بـ”تشكيلة الديبانة”.

يقدّر امتداده بنحو 8000 كم²، وهو عالي الجودة والنقاء، لكنه لا يزال غير مستثمر إلا من خلال منجم محدود الإنتاج، ما يجعله احتياطيً اقتصادياً بكراً.

والآن نصل إلى الثروة الأهم، التي تتصارع عليها القوى، إنها النفط والغاز، دير الزور والحسكة تعومان على “بحر من النفط”، وفقاً لخبراء اقتصاديين، وثلاثة من أهم الحقول النفطية في سوريا تقع هناك.

الأول هو حقل العمر، وهو الأكبر والأهم، قرب مدينة الميادين، طاقته الإنتاجية كانت 90 ألف برميل يومياً عام 2010، ثم انخفضت إلى 52 ألف في 2019.

أما حقل التنك، فيقع في بادية الشعِبطات، ويعد ثاني أهم حقل، أنتج 30 ألف برميل يومياً في 2010، وتراجعت إنتاجيته إلى 12 ألفًا في 2019، يوجد أيضاً حقل كونيكو، الذي يعتمد على النفط من العمر، ويعد محطة لإنتاج الغاز، ويُقدّر إنتاجه بحوالي 10 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، يتم تصدير جزء منه إلى محطة “جندر” الحرارية في ريف حمص.

وفي الحسكة تعدّ حقول “رميلان” هي الأهم، إذ يوجد أكثر من 1300 بئر، بطاقة إنتاجية وصلت إلى 70 ألف برميل يوميًاً عام 2010، إلى جانب الغاز الطبيعي… وهناك مؤشرات على احتياطات نفطية غير مكتشفة تقدّر بـ315 مليار برميل في رميلان وحدها!

ختاماً، رغم أن الذهب الذي تم العثور عليه كان كاذباً إلّا أن منطقة شرق الفرات تخفي ثروات حقيقية، مهملة ومنسية وموزعة بطريقة غير عادلة.

اقرأ أيضاً: سوريا عطشى: أزمة المياه تهدّد حياة الملايين والمستقبل مخيف!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى