سياسة

بين نتائج “النقد الدولي” وتشكيك الخبراء: الفائض المالي السوري اسمي أم حقيقي؟

بقلم: ديانا الصالح

حمل بيان بعثة صندوق النقد الدولي في طياته رسائل متعددة الأبعاد وفقاً لما يراه مراقبون، فمن بوادر تعافي الاقتصاد السوري وتسارع التحسن التي رصدتها خلال الأشهر القليلة الماضية، مروراً بالمتطلبات الضمنية التي يقرؤها المحللون، وصولاً إلى تسليطها الضوء على ما وصفته بالسياسة النقدية المتشددة وترشيد الإنفاق، تبرز قضية أكثر أهمية وهي الأسس التي تقوم عليها السلطات في تجاوز أزمة التضخم والجمود الاقتصادي.

وقد دفع تعدد تلك الرسائل إلى انقسام آراء الأوساط الاقتصادية لتيارين الأول يرى في البيان اعترافاً بالنهج الصحيح الذي تعتمده السلطات السورية في الخروج من أزمتها والسير نحو تعافي الاقتصاد السوري الشامل، بينما يعتقد الآخر أنه بعيد عن الواقع السوري ولا يمت لواقع المواطن المعيشي بأي صلة، وإنما هو نتاج لسياسة تقشفية لها عواقب مستقبلية لا يدفع ثمنها إلا الفقراء وفقاً لرأيهم.

وفي هذا السياق يثور تساؤل هام: ماذا تضمنت سطور بيان “النقد الدولي”، وكيف يقرؤه المحللون؟ وما مدى سلامة الأساس الذي يقوم عليه الفائض الناتج (محاسبي أم اقتصادي)؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

“النقد الدولي” وتعافي الاقتصاد السوري

يوضح صندوق النقد الدولي، عبر بيان له أن الاقتصاد السوري يُظهر مؤشرات تعافٍ، نتيجة للنشاط الاقتصادي المتسارع بعد طمأنة المستهلك والمستثمرين، إلى جانب الاندماج التدريجي لسوريا في الاقتصاد العالمي، وعودة اللاجئين المستمرة إضافة إلى تحسن الكهرباء والموسم المطري.

كما يسلط البيان الضوء على الفائض الطفيف الذي سجلته الحكومة بموازنة 2025، مشيرة إلى تركيز الإنفاق على الاحتياجات الرئيسية وتحسين مستوى المعيشة إلى جانب تحسين الأجور، وذلك من خلال الموازنة بين ترشيد الإنفاق والموارد المتاحة، إلى جانب ابتعاد وزارة المالية عن اللجوء إلى المصرف المركزي للتمويل.

نتيجة الفائض كانت كفيلة بانقسام آراء الأوساط الاقتصادية إلى فريقين، أحدهما متفائل باعتبار تلك النتائج مبنية وفقاً لدلائل أولية، في حين يراها الآخر منفصلة عن الواقع المعيشي والاقتصادي الذي يعانيه شعب يقع 90% منه تحت خط الفقر، مما أدى إلى اتساع النقاش والتحليلات حول أساس هذا الفائض ومدى سلامته، هل هو قائم على إصلاحات حقيقية أم سياسة تقشفية؟ وهذا ما سنتطرق بالحديث عنه خلال سطورنا التالية.

علاوة على ذلك، يؤكد الصندوق مواصلة دعمه جهود السلطات في عملية إعادة تأهيل الاقتصاد إلى جانب تعزيز أداء العمل في المؤسسات الاقتصادية الأساسية، كما يبين في بيانه الوصول إلى اتفاق لوضع برنامج واسع للمساعدات الفنية خلال المرحلة المقبلة.

هذا يعني وفقاً لمراقبين، أنه لا وجود لتمويل مالي قريب، وإنما وصفة لبناء القدرات الفنية وتمهيد الطريق أمام التمويل في الفترات اللاحقة، مما يجعله تحدياً جديداً في طريق السياسات الاقتصادية السورية، وهذا ما يراه اقتصاديون روتيناً معتاداً.

كما يتطرق البيان إلى الحديث عن موازنة الحكومة لعام 2026 التي وصف إيراداتها المتوقعة بالطموحة ولكنها ممكنة، موضحاً أنها تضمنت إجراءات وقائية في حال عدم الحصول على النتائج المطلوبة.

وينبّه الصندوق أن الآراء الواردة في بيانه تعكس وجهة نظر خبرائه، ولا تجسد بالضرورة توجهات المجلس التنفيذي، كما أنه يشير إلى عدم إدراج نتائج البعثة للمناقشة ضمن جدول أعمال المجلس.

وعلى الرغم من الرسائل الإيجابية التي بثها البيان، إلا أن محللين سياسيين رأَوا بين سطوره متطلبات ضمنية، تتعلق بالحوكمة وشفافية الإحصاءات كشرط للتمويل، إضافة إلى الاستقرار الاقتصادي المبني على سياسة نقدية واضحة وقابلة للتنبؤ، فضلاً عن ربط التعافي بإصلاح النظام المالي والمدفوعات إلى جانب تحسين الأطر القانونية، مما يجعل السياسات الاقتصادية أمام تحديات جديدة.

تفاؤل رسمي يقابله تشكيك تحليلي

يرى وزير المالية محمد برنية أن هذا التقييم من شأنه أن يعزز من ثقة الجهات الاستثمارية الدولية، إلى جانب المؤسسات المالية، مما يُسهم في توسيع آفاق التعاون والدعم خلال الفترات القادمة، مؤكداً المواصلة في تطبيق الإجراءات الإصلاحية الهيكلية لدفع عجلة التعافي، وإرساء قواعد التنمية المستدامة والشاملة، إلى جانب تثبيت دعائم الاستقرار المالي والاقتصادي.

من جانبه، ينقل حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عبر منشور له على فيسبوك، ترحيبه ببيان صندوق النقد الدولي، مشيراً إلى السعي نحو التعاون معه لإصلاح وتحسين القطاع المالي، مع دعم رؤية المركزي (2025-2030) من خلال البرامج المساعدة على بناء القدرات والأدوات.

كما يبين الحصرية أن بيان الصندوق، تأكيد لدخول سوريا مرحلة التعافي الاقتصادي ذي الطابع المنظم، الذي يقوم على عدة أسس كالإصلاح المالي والعودة التدريجية للاندماج في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، إلى جانب الاستقرار النقدي وتمكين المؤسسات.

فيما قُوبلتِ الرؤية الرسمية التفاؤلية، بتشكيك تحليلي أثاره عدة خبراء اقتصاديين، لا سيما حول نقطة المساعدات الفنية لا المالية، والتي احتملت عدة وجوه وفقاً للقراءات التحليلية، حيث يعتبرها اقتصاديون إجراء اعتيادياً تتبعه سياسة النقد الدولي، لضمان الأرضية الآمنة وتوفير الأدوات التقنية والفنية اللازمة ليتم بعد ذلك توجيه التمويل والدعم المالي اللازم.

بينما يشير خبراء آخرون إلى أنها مؤشر جديد على حذر مؤسسي من قبل الصندوق قبل الانتقال إلى أدوات تمويل مباشرة، مستشهدين بعدم استئناف المادة الرابعة إلى اليوم، لا سيما وأنها الأساس الذي تقوم عليه مناقشات المجلس التنفيذي للصندوق، وفقاً لرأيهم.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي عامر شهدا أن تقرير الصندوق قاصر نتيجة اعتماده على رؤية أحادية تتجسد ببيانات الحكومة فقط، دون مقارنة حقيقية أو موازنة بين الأرقام النظرية والواقع المعيشي، مبيناً ضرورة الوقوف عند أحوال الشعب على اعتباره الأساس الذي يقوم عليه نجاح السياسات الاقتصادية، فالانطلاقة الأولى للسياسة المالية والنقدية تبدأ بالانسجام مع الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطن.

أساس الفائض المالي

يشير صندوق النقد الدولي عبر بيانه إلى قدرة السلطات على إدارة موازنة الحكومة لعام 2025 التي اختُتِمت بنتيجة فائض طفيف، من خلال حسن التعامل مع الإنفاق المناسب للموارد المتاحة، موضحاً تركيزها على عدة نقاط هامة كما ذكرنا في البداية (الأجور والمعيشة والاحتياجات الأساسية)، مؤكداً أنه تحسن ملموس مقارنة بالأعوام السابقة.

تلك النتيجة أبرزت نقطة الجدل الرئيسية، التي تجلت بالأساس الذي يقوم عليه الفائض المالي الطفيف، فمن خلال البيان ارتبط الفائض بحسن الإرادة السياسية الاقتصادية، وقدرتها على ترشيد إنفاقها وتقديرها لأولوياته بما يراعي الاحتياجات الرئيسية.

في المقابل، ينتقد الخبير الاقتصادي محمد العلبي الطريقة التي اتبعتها الحكومة السورية في تكوين الفائض المالي، حيث يرى أنه نتاج سياسة تقشفية، ولا ترتبط بالضرورة بتسارع النشاط الاقتصادي أو زيادة الإنتاج، مؤكداً أنها تعود للإجراءات الصارمة في شدّ أحزمة الإنفاق على الصعيدين العام والاستثماري، إلى جانب الابتعاد عن التمويل من المصرف المركزي.

ويؤكد العلبي أن التعافي موجود “دفترياً” وهو صحيح، مشيراً إلى تصريحات وزير المالية بتحقيق الخزينة العامة لفائض “اسمي” بحوالي نصف مليار دولار، في ظل غياب الموازنة الفعلية، التي يراها امتداداً لأرقام النظام المخلوع الأخيرة، كما نوه إلى أن الفائض المالي المُنتج لا يمكن تحريكه لأنه حتماً سيؤدي إلى انهيار سعر الصرف، حسب اعتقاده.

كما يوضح الخبير الاقتصادي أن ما وصفته بعثة الصندوق بالسياسة النقدية المتشددة، تعتمد بشكل رئيسي على حبس السيولة الوطنية والامتناع عن ضخها في السوق، تجنباً لزعزعة سعر الصرف وانهياره في ظل وضع اقتصادي متدهور يسوده نوع من الازدواجية النقدية الحادة، محذراً من عواقب هذا المسار القائم على الفوائض المالية المحلية المتراكمة، دون القدرة على تحريكها أو توظيفها في تمويل الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، مستشهداً بالتجربة اللبنانية التي نجحت بتراكم الفوائض بالعملة المحلية، إلا أن سياسة تقييد السيولة المطبقة منذ ثلاث سنوات اضطرها اليوم إلى التوجه نحو رفع الضرائب غير المباشرة، لزيادة أجور العاملين في الدولة دون صرف المليارات المقيدة ضمن المصرف المركزي تجنباً لانهيار سعر الصرف.

ختاماً، تجتمع العديد من القراءات التحليلية النقدية، على تساؤل جوهري يدور حول الأسس التي يقوم عليها الفائض المتراكم هل هو اسمي ناتج عن السياسة التقشفية وتجميد الإنفاق على الاستثمار العام مما يثقل كاهل الفقراء بدفعهم ثمن تآكل الخدمات العامة وتراجع قدرتهم الشرائية، أم حقيقي (الفائض الاقتصادي) نتيجة لتوسع القاعدة الإنتاجية وتحسن الاقتصاد إلى جانب تراجع الترهل الاجتماعي؟ وتبقى الإجابة هي من تحدد مصير المرحلة القادمة والنهج الذي يقوم عليه تعافي الاقتصاد السوري.

اقرأ أيضاً: هل الانفتاح على صندوق النقد أمر يبشر السوريين بالخير؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى