المجتمع السوري

بين مخاطبة العقل وتأتأة التهريج .. إلى أين وصلت الكوميديا السورية؟

بقلم: ديانا الصالح

في ظل تراكم الأعباء وضغوطات الحياة، عادة ما يلجأ المشاهد السوري إلى الأعمال الكوميدية للترويح عن نفسه، بعيداً عن ضجيج الخارج والهموم المعيشية القاسية، لا سيما في الوقت الحالي، فجميعنا بحاجة للضحك، ولكن على ماذا؟ هذا ما يحدده الأسلوب الكوميدي الذي بدأ يميل إلى التهريج، فبينما يرى نقاد فنيون أن الضحك يجب أن يبدأ من العقل، يجادل آخرون بأن التهريج فن قائم بذاته.

ومع ضياع الهوية الكوميدية السورية وفقاً لرأي نقاد، يصبح من الضروري تسليط الضوء على الفرق بين الكوميديا والتهريج في الدراما السورية، وأسباب تراجع تلك الأعمال القائمة على المواقف والمتعة الذهنية قبل إضحاك اللاوعي.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

الفرق بين الكوميديا والتهريج في الدراما السورية

يمكن تعريف الكوميديا بأنها نوع من الفنون المخاطبة للعقل، حيث ينقل الكوميدي الحالة التي يمثلها من عقله إلى أدمغة المشاهدين ثم قلوبهم، بالتالي تتحقق المتعة الذهنية المرتبطة بالموقف التمثيلي، وفي حال خلت تلك المشاهد من متعة العقل فإنها تقع في جعبة التهريج الذي يكتفي بالإضحاك فقط، وفقاً لما يراه نقاد الدراما.

نستنتج من ذلك أن التمثيل لمجرد الإضحاك دون وجود موقف يستدعي الضحك المنطقي يمكن له أن يصبّ في خانة اللعب على غرائز المشاهدين، حيث تتفاعل حواسه بشكل تلقائي دون دراية بالأسباب.

فيما يلقى التهريج جدلاً واسعاً بين الأوساط الفنية، فهناك من يعتبره فناً ذا فكرة وآخرون يصفونه بخالي الوفاض الفكري، ويشير الداعمون لهذا الأسلوب بأن المهرجين يأخذون مسارين متضادين، الأول يمكن وصفه بالسطحي الذي لا يحمل أي أهداف أخرى غير الإضحاك ولو كان على حساب القيم النبيلة، بينما المسار الثاني فهو أعمق ويستهدف قضايا إنسانية، حيث يتم من خلاله نقد السلبيات بجرأة ويترك أثراً في النفس والعقل، مثال على ذلك التهريج الصامت الذي أداه الفنان العالمي تشارلي تشابلن، حيث نقل مأساة إنسانية بأسلوب تهريجي.

ويرى نقاد أن التهريج يقوم على تغيير حال الشخصية وتركيبها بصورة هزلية كارتداء أزياء نساء هزلية، أو اعتماد أسلوب التأتأة في الكلام، أو حتى هرش الجسم وغيرها من الأدوات التي تعمل على استثارة الضحك دون وجود قضية أو موقف معين.

وفي هذا السياق، يستحضر الفنان سليم صبري مسلسل الفصول الأربعة، معتبراً أنها تحتوي نوعاً من الكوميديا الخفيفة التي ترتكز على موقف اجتماعي طريف يثير الضحك دون تهريج، وفي توضيحه الفرق بين الكوميديا والتهريج في الدراما السورية: نوّه صبري إلى أن كوميديا المواقف تولي اهتماماً كبيراً بالحدث وتنطلق منه لتقديم مشهد كوميدي ظريف، في حين كوميديا المبالغة لا تهتم بذلك وإنما تفتعل مواقف غير منطقية لاستثارة ضحكة المتفرجين بالسخرية.

شعرة فاصلة

عند الحديث عن الفرق بين الكوميديا والتهريج في الدراما السورية، عادة ما نسمع بأن بينهما شعرة فاصلة، تلك الشعرة قسمت الوسط الفني السوري إلى تيارين الأول يراها ضرورية للمحافظة على الذوق العام واحترام العقل والمنطقية، بينما التيار الآخر يراها مفهوماً مغلوطاً وظالماً للفن القائم على التهريج كونه نوع من أنواع الكوميديا وله منظومة متكاملة.

وهذا ما يراه الكوميديان عمار دبا، حيث يؤكد أن التهريج هو نوع أصيل في علم الكوميديا، وأن مصطلح التهريج مظلوم فالكثير من الأشخاص يرونه دون محتوى فقط لمجرد الإضحاك، دون دراية بأن الفرق بينه وبين الكوميدي هو الأسلوب فقط وليس الأفكار، فهناك مهرجون يقدمون أفكاراً معقدة جداً، فيما يتم الحكم عليه بأنه غير مهم لمجرد كونه تهريج، مشيراً إلى أنه فن قائم بذاته.

في المقابل، ينتقد الفنان ياسر العظمة توجه العديد من الفنانين نحو اعتماد أسلوب الإضحاك فقط، مفضلين مخاطبة الغرائز الدنيا على العليا، مؤكداً أن الضحك يجب أن يبدأ من العقل فهو المسؤول عن تصنيف الموقف وضبطه ثم إطلاق حكم الضحك، مشيراً إلى الانتشار الذي لاقته العديد من الأعمال المعتمدة على الهزلية والسخرية المثيرة للضحك دون مخاطبة العقل.

ويؤكد العظمة أن هذا النوع يسيء للقيم التربوية والأخلاقية والخيّرة لدى الإنسان العربي بشكل عام، مستشهداً بالصورة الهزلية التي يُصوّر بها المعلم في عدد من تلك الأعمال، حيث يتعرض للسخرية والتطاول بدلاً من توقيره واحترامه كمربي أجيال ذي قيمة كبرى، وهذا يعتبر من أتعس أنواع الضحك، وفقاّ لقوله.

ويلقي العظمة الضوء على الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الكوميديا الصحيحة، وهو الضحك على النقص والعيوب والسلبيات، ليتم بعد ذلك ترميمها وإصلاحها، أي ينبغي أن يعتمد موقفاً ومحتوى منطقي.

بقعة ضوء يتحول للتهريج!

عدة أعمال سورية نجحت في تحقيق هدف كوميديا المواقف والنقد الاجتماعي، أبرزها سلسلة مرايا التي أجمع العديد من خبراء الفن على نجاحها في مخاطبة العقل والنفس، فهي قدمت صورة نقدية للمجتمع والمحيط بأساليب طريفة تحترم عقل المشاهد وقيمه.

كذلك الأمر بالنسبة لأجزاء من بقعة ضوء لا سيما الأولى منها، فقد اعتمدت كوميديا الموقف لطرح قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب فكاهي ذكي، إلا أنه لاقى انتقادات واسعة بعد الجزء 13 لقربه من أسلوب التهريج وابتعاده عن الهدف الذي انطلق منه في بداياته، نتيجة لافتقاره إلى النصوص القوية.

وهذا ما يتحدث عنه الفنان أيمن رضا، حيث يؤكد تردي مستوى “بقعة ضوء” في أجزائه الأخيرة، بسبب غياب النصوص الجيدة وتغيير مساره بفعل الفهم الخاطئ للمشروع الذي انطلق منذ 18 عاماً، حسب وصفه.

أسباب تراجع الأعمال الكوميدية الذكية

يشير المهتمون في المجال الدرامي إلى تراجع الكوميديا السورية التي كانت تشكل أحد أعمدة الفن العربي، وذلك نتيجة لعدة أسباب أبرزها نقص الكتّاب القادرين على صنع حبكة كوميدية تستند إلى المواقف بدلاً من المبالغة والإفراط في التهريج، إضافة إلى ضعف التسويق والتغيير النسبي للذوق العام الذي بدى واضحاً في الميول إلى ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو قصيرة تستثير الإضحاك دون منطق.

وفي هذا السياق، يرى الناقد الفني جوان ملا، أن مشكلة الكوميديا السورية في الوقت الحاضر هو غياب النصوص الكوميدية الذكية نتيجة لقلة عدد الكتّاب المبدعين القادرين على الإسقاط الذكي، مؤكداً أن الكتابة الكوميدية من الفنون الصعبة، التي تحتاج إبداعاً وحساً فنياً عالياً.

كما ينتقد ملا الأعمال الكوميدية الحالية بوصفها بالسطحية الخالية من الرسائل، موضحاً أن المتفرج المعاصر بات يميل أكثر إلى الكوميديا السريعة، في حين النوع العميق الناقد للمجتمع لم يعد يجذبه مهما كان مهماً، علاوة على ذلك يميل الإخراج حديثاً إلى التركيز على الإبهار البصري أكثر من الرسالة، ليساعد على ترسيخ الاتجاه نحو جعل الضحك هدفاً قائماً بذاته بعيداً عن الأهداف القيّمة كنقد سلبيات المجتمع.

في النهاية، تبرز حقيقة واضحة بين كل الجدليات حول الفرق بين الكوميديا والتهريج في الدراما السورية، وهي أن الضحك الهادف الذي ينطلق من موقف اجتماعي، الأساس الذي نحتاجه اليوم بعيداً عن السطحية وتراجع الذوق العام الناجم عن ضياع الهوية الكوميدية بين متاهات النصوص المبتذلة والإنتاج القائم على البهرجة البصرية.

اقرأ أيضاً: المسلسلات السورية 2026: هل تغيرت الدراما أم تغير هامشها فقط؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى