بين لقمة العيش وحماية البيئة: الحراقات البدائية تشعل الخلاف في دير الزور

بقلم هلا يوسف
وقع أهالي محافظة دير الزور بين نار الحراقات البدائية التي تلفظ أنفاسها السامة في وجوههم وتتسلل إلى أجسادهم لتهدم صحتهم، وبين الحلول التنظيمية التي بدأتها الحكومة السورية للقضاء عليها، عقب استعادة سيطرتها على حقول النفط في المحافظة. فالحراقات التي انتشرت منذ سنوات الحرب الأولى لتلبية الاحتياجات المحلية من الوقود، أصبحت محور صدام بين الحكومة السورية وسكان المنطقة بعد قرار وزير الطاقة بإيقافها وإحراق عدد كبير منها. هذا القرار يهدف لمنع استخدام النفط الخام بطرق غير آمنة وحصر التكرير في المصافي النظامية، لكنه ترك آلاف العائلات دون مصدر رزق مباشر، وسط شتاء قارص وارتفاع أسعار الوقود بشكل كبير.
فقد شهدت بلدة ذيبان والجرذي والطيانة وبادية قرية أحمر وقفات احتجاجية كبيرة نفذها أصحاب الحراقات وعمالها، حيث أغلقوا الطرق بالإطارات المشتعلة للتعبير عن رفضهم القرار. وأكد المحتجون أن الحراقات كانت مصدر رزق رئيسياً لعائلاتهم في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر، معتبرين أن إيقافها دون بدائل يزيد المعاناة.
وبعد توقف عملها ارتفع أسعار الوقود بشكل كبير مما أثر بشكل مباشر على حياة الأهالي، فارتفع سعر ليتر المازوت من أقل من 4500 ليرة إلى 7000 ليرة، وسعر البنزين من 5500 ليرة إلى 9500 ليرة. هذا الارتفاع لم يقتصر على الوقود، بل أثر على النقل وأسعار المواد الغذائية، وزاد من صعوبة تشغيل المولدات الكهربائية، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن المنازل والآبار والمخابز، مما يهدد الصحة العامة ويضاعف معاناة السكان في القرى النائية.
كما فقدت مئات العائلات مصدر رزقها الوحيد المرتبط بتكرير وبيع المشتقات النفطية، وهو ما زاد من معدلات الفقر والتشرد الوظيفي. وأوضح الأهالي أن توقيت القرار لم يأخذ في الاعتبار فصل الشتاء وغياب البدائل، ما جعل المواطنين يواجهون مثلث “الغلاء، البرد، والبطالة” في آن واحد.
الجدير بالذكر بأنه تنتشر مئات الحراقات البدائية في بلدة ترحين بريف حلب، وتشكل واحدة من أكبر بؤر التكرير غير النظامي في الشمال السوري. وقد تحولت هذه الحراقات إلى مصدر رئيسي لتلوث الهواء والتربة، كما أنها تساهم في تغذية شبكات توزيع الوقود خارج المنظومة الرسمية.
وبرر أحد المواطنين وجود الحراقات في ريف حلب إلى أنه هناك فرق واضح بين حراقات ترحين وحراقات دير الزور، حيث أن حراقات ترحين تعمل بطريقة شبه رسمية تحت إشراف وزارة الطاقة التي تزودها بالنفط، بينما كانت حراقات دير الزور تعتمد على النفط الخام المستخرج أو المسروق من مناطق سيطرة قسد، ما يجعلها خارج أي إطار تنظيمي أو قانوني. وأوضح المواطن أن قرار الوزير كان واضحاً بإغلاق حراقات دير الزور غير المنظمة، وهو ما لا ينطبق على حراقات ترحين، التي لم تشهد توقفاً كاملاً سوى جزئياً منذ حوالي سبعة أشهر.
الأضرار البيئية والصحية للحراقات البدائية
تمثل الحراقات البدائية مصدراً كبيراً للتلوث البيئي، فهي تقوم على تكرير النفط الخام بطرق تقليدية تفتقر لأبسط المعايير الفنية، مما يؤدي إلى:
- إنتاج مشتقات نفطية خارج المواصفات، ونسب كبريت عالية.
- انبعاث مخلفات سوداء سامة تؤثر مباشرة على صحة السكان.
- تسرب الغازات السامة في الهواء، مسببة حالات اختناق وحروق بين العمال.
وأدى التعرض المستمر لانبعاثات الحراقات إلى ظهور أمراض جلدية حادة، وأمراض تنفسية وسرطانية بين السكان. كما رصدت حالات تشوه خلقية بين الأطفال حديثي الولادة، بما فيها مشاكل في القلب ونقص التروية والتهابات حادة في الرئة، خصوصًا لدى النساء الحوامل اللاتي تعرضن للغازات السامة.
العاملون في الحراقات كانوا أيضاً معرضين للحوادث الناتجة عن حرائق تسرب الغازات، وارتفعت نسبة الإصابات الحرارية. ومع استمرار تشغيل الحراقات خارج رقابة الدولة، بقيت المخاطر الصحية قائمة، إضافة إلى تأثيرها على جودة الهواء والتربة، وتأثيرها المباشر على البيئة الزراعية والمجتمعات المحلية.
رد الحكومة وخططها المستقبلية
أكد وزير الطاقة، محمد البشير، أن الحراقات تعمل خارج سلطة الدولة وخارج أي رقابة قانونية أو فنية، ما يجعل نشاطها مخالفاً للقانون ومهدداً للصحة العامة والبيئة. وأوضح أن التوجه الحالي يهدف إلى ضبط الموارد النفطية وحصر التكرير في المصافي النظامية، مع منع بيع النفط الخام واستخدامه بطرق غير آمنة.
في هذا الإطار، أكدت الحكومة أنها ستعمل على توفير جميع المشتقات النفطية بأسعار مدعومة لتخفيف الأعباء على الأهالي. ودعم المنطقة خدمياً وتنموياً بعد استعادة السيطرة على القطاع النفطي في الريف الشرقي. بالإضافة إلى إيجاد بدائل للعاملين في الحراقات ضمن مشاريع مستقبلية مرتبطة بقطاع النفط، لضمان انتقال منظم إلى أنشطة مشروعة وتخفيف الأثر الاجتماعي.
ومع ذلك، يبقى الواقع على الأرض صعباً، حيث لم تفتح محطات وقود رسمية كافية لتعويض نقص الوقود، ولم تساهم آليات نقل النفط إلى حقل “العمر” كمركز تجميع في توفير المادة بأسعار منافسة. وبالتالي يظل آلاف الأسر محرومة من مصدر رزقها التقليدي، بينما تعاني المنطقة ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء وتحديات شديدة في تدفئة المنازل خلال فصل الشتاء.
باختصار، من حق الحكومة السورية أن توقف جميع الأعمال التي تقع خارج تنظيمها ومراقبتها كالحراقات البدائية، لكن في المقابل يجب أن تدرس أثر قراراتها على السكان قبل التنفيذ، حتى لا يكون المواطن ضحية قرارات عشوائية. ومن المؤكد أن صحة الإنسان يجب أن تكون أولوية، وهذه الحراقات تضر بها، لكن وراء كل عامل عائلة لها متطلبات معيشية تحتاجها.
اقرأ أيضاً: بين الدخان الأسود والأرض الملوثة.. حراقات النفط في دير الزور تلفظ سمومها









