المجتمع السوري

مربو المواشي في ريف إدلب يبيعون قطعانهم للبقاء!

بقلم هلا يوسف

أطلق مربو الماشية في ريف إدلب نداء استغاثة نتيجة التراجع الملحوظ للقطاع وسط تصاعد التحديات المناخية والاقتصادية، مما وضع آلاف العائلات التي تعتمد على تربية الماشية كمصدر دخل رئيسي أمام واقع بالغ الصعوبة. فمواسم الجفاف المتتالية التي ضربت المنطقة أدت إلى انخفاض كبير في معدلات الأمطار، وتراجع الوارد المائي، وتحول مساحات واسعة من الأراضي إلى أراضي قاحلة غير صالحة للرعي. ونتيجة لذلك، تقلصت المراعي الطبيعية إلى حد كبير، ما أجبر المربين على الاعتماد شبه الكامل على الأعلاف الجاهزة مرتفعة الثمن.

ويقول مربو الماشية في ريف إدلب إنهم أصبحوا أمام خيارين، إما بيع جزء من قطعانهم لتأمين العلف لما تبقى، أو الاستمرار في تربيتها مع تقليص الكميات الغذائية، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة الحيوانات وإنتاجها. وقد أوضح أحد المربين أنه اضطر لبيع أكثر من نصف قطيعه خلال الأشهر الماضية، بعدما تجاوز سعر كيلو العلف الواحد 16500 ليرة سورية، في وقت لم يعد فيه للتبن قيمة غذائية حقيقية رغم وصول سعره إلى مستويات مرتفعة.

تشير تقديرات المربين إلى أن تكلفة تغذية بقرة واحدة وصلت إلى نحو 65 ألف ليرة سورية يومياً، تشمل الأعلاف والتبن والمياه، دون احتساب تكاليف الرعاية البيطرية. أما الأغنام، فرغم أن كلفة تغذيتها أقل نسبياً، إلا أن تضاعف أسعار الأعلاف المركبة جعل تربيتها عبئاً مالياً ثقيلاً، خاصة على أصحاب القطعان الصغيرة والمتوسطة.

وإلى جانب الأعلاف، ارتفعت تكاليف الرعاية البيطرية بشكل ملحوظ، إذ تحتاج الحيوانات بشكل دوري إلى لقاحات وأدوية للوقاية من الأمراض، عدا عن أجور الأطباء البيطريين التي أصبحت عبئاً أيضاً. كما أدى جفاف الآبار وقلة مصادر المياه السطحية إلى اضطرار بعض المربين لحفر آبار جديدة، بتكاليف قد تصل إلى آلاف الدولارات، أو شراء المياه ونقلها لمسافات طويلة.

إجراءات المربين لسد الاحتياجات

أمام هذا الواقع، لجأ مربو المواشي إلى حلول اضطرارية ومتنوعة. فإلى جانب بيع جزء من القطعان، اعتمد كثيرون على الأعلاف المصنعة لتعويض نقص المراعي الطبيعية، رغم أن أسعارها تضاعفت خلال الفترة الأخيرة. كما لجأ بعض المربين إلى استئجار أراضي زراعية كمراعي بديلة، حيث يدفعون أجوراً تتراوح بين 100 و200 دولار أمريكي، وربما أكثر بحسب توفر الأرض، لفترات قصيرة لا تتجاوز عشرة إلى عشرين يوماً.

ورغم أن هذه الطريقة وفرت بديلاً مؤقتاً للرعي، إلا أنها لم تكن حلاً دائماً، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإيجار ومحدودية المساحات الآمنة، في ظل انتشار الألغام ومخلفات الحرب في عدد من المناطق الزراعية، مما حد من قدرة المربين على التنقل بحرية، وعرّض مواشيهم لمخاطر حقيقية.

دور المنظمات ورد المؤسسة

تلعب المنظمات دوراً في دعم قطاع الثروة الحيوانية، إلا أن هذا الدور ما يزال محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات. فالدعم غالباً ما يكون مشروطاً ولا يشمل جميع المربين، كما أنه يغطي جزءاً بسيطاً فقط من تكاليف الإنتاج. وفي هذا السياق، أطلقت منظمة وطن مشروعاً لدعم الثروة الحيوانية في عدد من مدن وبلدات ريف إدلب، من بينها حارم وسلقين وكفر تخاريم وأرمناز، بإشراف الرابطة الفلاحية في منطقة حارم وبدعم من الاتحاد الأوروبي.

ووفق القائمين على المشروع، جرى الكشف الميداني على عدد من مربي الأغنام للتحقق من أهلية المستفيدين، وتقييم واقع التربية والتغذية والرعاية الصحية، بهدف تصميم تدخلات أكثر فاعلية واستدامة تسهم في الحفاظ على ما تبقى من الثروة الحيوانية.

من جهتها أكدت مؤسسة الأعلاف في إدلب أنها على دراية كاملة بمعاناة المربين، وتعمل على إعداد خطط لتأمين المواد العلفية ومساندتهم. وأوضح مدير المؤسسة أن ندرة الأعلاف المحلية دفعت إلى استيراد مواد أساسية مثل الشعير والنخالة وكسبة الصويا، إلى جانب تصنيع بعض المواد العلفية في معامل المؤسسة. وتتراوح أسعار الأعلاف لديها بين 320 و340 دولاراً للطن، وهي أقل بنحو 10 إلى 20 دولاراً من أسعار السوق المحلية.

إلا أن شرط الدفع الفوري الذي تفرضه المؤسسة يشكل عائقاً أمام كثير من المربين، ما يدفعهم للتوجه إلى التجار رغم ارتفاع الأسعار، بسبب منحهم مهلاً للسداد تتناسب مع ظروفهم المعيشية.

بحسب مختصين في القطاع الزراعي تتمثل أبرز التحديات في عدم استقرار أسعار الأعلاف وصعوبة تأمينها، خاصة في سنوات الجفاف، إضافة إلى غياب تسعيرة ثابتة للمنتجات الحيوانية مثل اللحوم والحليب والبيض، نتيجة تقلبات سعر الصرف. ورغم تحسن توفر الأدوية والمستلزمات البيطرية مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن الظروف الاقتصادية والمناخية ما تزال تضغط بقوة على هذا القطاع.

كما أن تراجع المراعي الطبيعية وضعف الغطاء النباتي أديا إلى اعتماد شبه كامل على الأعلاف الجاهزة، ما رفع كلفة الإنتاج وخفض هامش الربح، وجعل الاستمرار في المهنة أمراً بالغ الصعوبة.

الحلول المقترحة لإنقاذ القطاع

يرى مربو الثروة الحيوانية وخبراء الزراعة أن إنقاذ هذا القطاع يتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة، أبرزها توفير الأعلاف بأسعار مدعومة أو عبر آليات توزيع تضمن وصولها مباشرة إلى المربين دون وسطاء. كما يشددون على أهمية تأمين المحروقات بأسعار مناسبة لتشغيل الآبار ونقل الأعلاف، ورفع مستوى الخدمات البيطرية من خلال توفير اللقاحات والأدوية بأسعار مخفضة وتكثيف الجولات الميدانية للأطباء البيطريين.

وتشمل الحلول أيضاً تحسين بيئة المراعي وتنمية الغطاء النباتي والحفاظ على الأشجار الحرجية، بما يخفف الاعتماد على الأعلاف الجاهزة، إضافة إلى مراجعة أسعار المنتجات الحيوانية بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج، لضمان عدم بيعها بأقل من كلفتها الفعلية.

باختصار، تحتاج تربية الماشية إلى مقومات أساسية حتى تزدهر، وواقع هذا القطاع في ريف إدلب يشكل تحدياً كبيراً، فبدلاً من التوسع أصبح يقاتل ليستمر، ولا يمكن التغاضي عن وجود عائلات عديدة تعتمد على تربية الماشية لتأمين مستلزماتها. وبينما يبذل المربون جهوداً فردية للتكيف مع الواقع الصعب، تبقى الحاجة ملحة إلى خطط دعم شاملة ودائمة تعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي.

اقرأ أيضاً: اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير تدعم الثروة الحيوانية بتعديل الرسوم الجمركية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى