بين الكلمة والواقع.. هل يستطيع الصحفي السوري أن يلتزم الحياد؟

بقلم هلا يوسف
لم يكن السوريون بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 ينتظرون معجزة من الإعلام، لكنهم كانوا يتوقعون شيئاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن يتوقف عن التضليل. وأن يتحول من صوتٍ يعلو فوقهم إلى مساحة تُنقل فيها أصواتهم، ومن أداة تبرير إلى مرآة للواقع، حتى لو كان هذا الواقع قاسياً.
لكن مع مرور الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية، بدأ السؤال يعود بقوة، لا في قاعات الجامعات ولا في تقارير مراكز الأبحاث فقط، بل في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الاجتماعي: هل يجب على الصحفي بشكل عام والصحفي السوري بشكل خاص أن يكون محايداً؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك في بلد خرج لتوه من عقود من الإعلام الموجه؟
عبر الكثير من السوريين عن غضبهم من فشل الإعلام السوري الجديد في تلبية تطلعاتهم. كانوا يأملون بإعلام يعيد بناء الثقة بين السلطة والمجتمع، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام وجوه وخطابات اعتبروها امتداداً للماضي، وإن تغيرت اللغة والشعارات. حيث انتشر بين الناشطين مصطلح “الرداحين”، في إشارة إلى إعلاميين ينظر إليهم على أنهم غير مؤهلين مهنياً، يتحدثون باسم السلطة أكثر مما ينقلون هموم الناس.
هذا الغضب الشعبي لا يمكن فهمه دون العودة خطوة إلى الوراء، إلى النقاش العالمي الطويل حول معنى الحياد في الصحافة.
الحياد الصحفي والموضوعية: من فكرة قديمة إلى قيمة مهنية حديثة
فكرة الحياد ليست وليدة العصر الحديث كما قد يعتقد البعض. ففي عام 1695، دعا اللغوي الألماني “كاسبار فون ستيلر” إلى ضرورة فصل الخبر عن الرأي، معتبراً أن هذا الفصل هو الطريق الوحيد لبناء صحافة موثوقة. حيث كانت الصحف في ذلك الوقت منحازة بشكل علني للأحزاب والتيارات السياسية، وكان القارئ يعرف مسبقاً موقف الصحيفة قبل أن يقرأ الخبر.
مع بداية القرن العشرين، ومع تحول الصحافة إلى مهنة منظمة، تأثرت الصحافة بالفكر التنويري والوضعية العلمية، وبرزت فكرة الصحفي بوصفه “ناقلًا محايداً للحقائق”. وقد لعبت مؤسسات أكاديمية، مثل كلية الصحافة في “جامعة كولومبيا”، دوراً مهماً في ترسيخ الموضوعية والحياد كقيم أساسية في التعليم الصحفي.
في المقابل تشير دراسات توماس هانيتش (Hanitzsch)، وهو من أبرز الباحثين في القيم الصحفية عالمياً، إلى أن الحياد والموضوعية يعدان من القيم المهنية المشتركة بين الصحفيين في مختلف الثقافات، رغم اختلاف السياقات السياسية والإعلامية.
لكن الباحثين يميزون بين المفهومين: الأول الموضوعية التي تتعلق بأسلوب العمل الصحفي من حيث التحقق من المصادر، والدقة، وتقليل الأحكام الذاتية. ومن ثم الحياد الذي يتعلق بموقف الصحفي من أطراف الصراع، أي عدم الانحياز السياسي أو الأيديولوجي.
هذا التمييز مهم، لأنه يوضح أن الحياد لا يعني غياب التفسير أو التحليل، بل يعني أن يبقى الخبر نفسه غير ملون بالموقف الشخصي.
إلا أن مبدأ الحياد تعرض لعدد من الانتقادات بوصفه غير ممكن، ومن أبرز هذه الانتقادات ما طرحه الفيلسوف الأمريكي “توماس ناغل”، الذي تحدث عن وهم “الرؤية من اللا مكان”، أي الاعتقاد بأن الإنسان قادر على رؤية الواقع دون أي تأثير لخلفيته أو تجربته.
انطلاقاً من هذا النقد، رأى منظر الإعلام “جاي روزن” أن ادعاء الحياد المطلق قد يتحول إلى شكل خفي من أشكال التحيز، خاصة عندما يختبئ الصحفي خلف “نبرة محايدة” تخفي اختياراته التحريرية. ودعا روزن إلى صحافة أكثر شفافية، تعترف بمنطلقاتها بدل الادعاء بأنها خارج التاريخ والسياسة. وعلى الرغم من ذلك هذا النقد لا يلغي الحياد، بل يعيد تعريفه بوصفه سعياً واعياً لضبط الانحياز لا إنكاره.
التحولات الرقمية وصعود الصحافة المنحازة
مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت بيئة الإعلام جذرياً. حيث يشير باحثون مثل ليفيندوسكي وأومبريشت إلى أن الاستقطاب السياسي وصعود الشعبوية أديا إلى انتشار أشكال جديدة من الصحافة الحزبية، التي تعتمد على إثارة العواطف بدل تقديم المعلومات.
تشير دراسات متعددة إلى أن نموذج الصحافة المحايدة تراجع لصالح نماذج “مربحة” تقوم على المناصرة، كما حدث في الولايات المتحدة خلال رئاسة دونالد ترامب، حيث أثبتت الصحافة الحزبية قدرتها على جذب جمهور واسع وتحقيق أرباح، كما لاحظ باحثون مثل فيرولو وتيت.
تشير تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة، بإشراف باحثين مثل نيك نيومان وريتشارد فليتشر، إلى تراجع ملحوظ في ثقة الجمهور بوسائل الإعلام في كثير من الدول الغربية. كما تظهر استطلاعات مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) أن السبب الرئيسي لهذا التراجع هو إدراك الجمهور لوجود تحيز سياسي في التغطية الإخبارية. كما تؤكد تقارير مؤسسة غالوب أن المصداقية الإعلامية، من وجهة نظر الجمهور، ترتبط بشكل مباشر بالحياد والنزاهة المتصورة، لا بسرعة النشر أو كثرة المحتوى.
رغم هذا التراجع في الثقة، تظهر الدراسات مفارقة لافتة، فحتى الأشخاص الذين لا يثقون بالإعلام المهني، ما زالوا يتوقعون منه أن يؤدي دور “المراقب المحايد”. وهنا تبرز دراسة فنلندية اعتمدت على استطلاعات وطنية ومجموعات نقاش، تبين أن الجمهور، بغض النظر عن درجة ثقته بالإعلام، يرى أن الصحافة يجب أن تكشف الواقع لا أن تكون طرفاً فيه. هذا يدل على أن الحياد لا يزال يمثل المعيار الأخلاقي المرجعي الذي يُقاس به أداء الصحافة.
حياد الإعلام السوري: مسرح لتصفية الحسابات!
بعد الشرح المطول، تبدو المفارقة السورية مؤلمة. ففي اللحظة التي كان يفترض فيها أن يصبح الحياد أداة لاستعادة الثقة، بدا الإعلام السوري عاجزاً عن الانفصال الحقيقي عن السلطة.
تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025 وضع سوريا في المرتبة 177 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة، وهو ترتيب يعكس استمرار الانتهاكات بحق الصحفيين وغياب الوصول الحر إلى المعلومات.
المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أشار إلى أن وزارة الإعلام لا تزال في نظر كثيرين، أداة لضبط الخطاب لا لدعمه. حيث اشتكى صحفيون من استدعاءات للتحقيق، ومن مكاتب صحفية في الوزارات تقيد التغطية بدل تسهيلها، كما قال المحلل الإعلامي يزن بدران.
زاد من تعقيد المشهد الانتقادات الموجهة إلى وزير الإعلام حمزة المصطفى. فرغم خلفيته الأكاديمية كدكتور في العلوم السياسية، وعمله السابق مديراً لتلفزيون سوريا، يرى معلقون وناشطون أنه يمثل امتداداً لمنطق إعلامي قديم، لا قطيعة معه. بالإضافة إلى توصيفه بأنه “غير منخرط في التاريخ الثوري” أو “مرتبط بشبكات نفوذ فكرية وسياسية” يعكس، بغض النظر عن دقته، أزمة ثقة عميقة بين الجمهور وقيادة الإعلام.
في الوقت نفسه، يعاني الصحفيون أنفسهم من تمييز واضح. حيث أشار ناشطون إلى تفضيل صحفيين قادمين من الشمال “المحرر” على حساب آخرين عاشوا في مناطق سيطرة النظام السابق، ما يعيد إنتاج منطق الإقصاء بدل تجاوزه.
ولم تقف الانتقادات عند حدود السياسة، بل طالت المحتوى والخطاب. حيث اتهم الناشط وسام هيرو بعض وسائل الإعلام الرسمية بنشر خطاب كراهية، داعياً إلى إعلام يعلم التفكير لا الاستقطاب. وانتقد يوسف شريف أوغلو نشر أخبار مزيفة أربكت الرأي العام وأوقعت حتى مسؤولين في فخ التضليل. كما وثقت منصة سناك سوري حالات استدعاء صحفيين بسبب مواد لا تتوافق مع التوجه الرسمي، في مشهد يذكّر السوريين بأساليب الرقابة القديمة.
ثم جاءت الصدمة التقنية. مقابلة الرئيس أحمد الشرع في أيلول 2025 على قناة “الإخبارية السورية” تحولت إلى مادة للسخرية والغضب، بسبب ضعف الصوت والإضاءة. بالنسبة لكثيرين، لم تكن المشكلة تقنية فقط، بل رمزية فإذا كان الإعلام عاجزاً عن تقديم صورة مهنية لرأس الدولة، فكيف يمكن الوثوق به كمصدر للمعلومة؟
في ظل هذا الفراغ، انتشرت الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، وسبقت الأخبار المضللة البيانات الرسمية، ما زاد من تآكل الثقة. وهنا يظهر مرة أخرى معنى الحياد ليس فقط في المضمون، بل في الكفاءة، والشفافية، والقدرة على إيصال الحقيقة في وقتها. ورغم كل ذلك، لا يزال هناك إدراك متزايد، حتى داخل الأوساط المهنية، بأن الصحافة الحرة شرط أساسي للانتقال الديمقراطي.
كيف يتحقق الحياد؟
يشير الباحث سامبروك (Sambrook) إلى أن الحياد لا يتحقق بالنوايا الحسنة، بل ببنية العمل الصحفي نفسها. ومن أبرز الممارسات التي تساعد الصحفي على الاقتراب من الحياد هي تنويع المصادر وعدم الاكتفاء بالمصادر الرسمية، بالإضافة إلى الفصل الواضح بين الخبر والرأي، واستخدام لغة دقيقة غير تحريضية، وتصحيح الأخطاء بشفافية عند الوقوع فيها، ومقاومة ضغوط السوق والسياسة قدر الإمكان. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسات لا تلغي الاختلاف في التفسيرات، لكنها تمنع انزلاق الصحافة إلى الدعاية.
تشير دراسات ألمانية، مثل أبحاث شتايندل وهانيتش، إلى أن معظم الصحفيين ما زالوا يرون أنفسهم “متحدثين محايدين”، بينما يتوقع الجمهور منهم في الوقت نفسه الدفاع عن قيم مثل التسامح والتعددية.
هذا التوتر يعكس فهماً أكثر نضجاً لدور الصحافة، فالصحفي يمكنه أن يكون محايداً في نقل الوقائع، ومنحازاً للقيم الإنسانية العامة، دون أن يخلط بين الأمرين.
في النهاية، لا يوجد إعلام بلا تحيز، لكن يوجد إعلام يدرك تحيزاته ويسعى للحد منها، وإعلام يوظفها لخدمة أجنداته. وفي الإجابة عن سؤال “هل يجب على الصحفي أن يكون محايداً؟” تُظهر التجربة السورية والنقاش العالمي معاً أنه ينجح الصحفي في أداء تطبيق الحياد عندما يتبعه كممارسة مهنية: ألا يُفبرك الخبر، وألا يُخفي الوقائع، وألا يتحول الصحفي إلى بوق، ولا إلى قاضٍ. وفي بلد مثل سوريا، حيث الحقيقة كانت لسنوات طويلة ضحية السياسة، يصبح الحياد ليس فقط قيمة مهنية، بل فعل شجاعة، ومحاولة لاستعادة المهنية وسط الفوضى، وبناء جسر ولو كان ضعيف لكنه ضروري بين المجتمع والإعلام.
اقرأ أيضاً: الإعلام والسياسة في سوريا الجديدة: من يصنع الرأي العام فعلاً









