المجتمع السوري

بين العودة واللاعودة: جدل الزيارات المؤقتة للاجئين السوريين في ألمانيا

بقلم هلا يوسف

تصاعدت حدت النقاشات داخل ألمانيا في الأونة الأخيرة حول موضوع اللاجئين السوريين وإمكانية السماح لهم بزيارات مؤقتة إلى بلادهم سوريا، من دون أن يفقدوا وضع الحماية الذي يتمتعون به داخل ألمانيا. ويأتي هذا النقاش في ظل اختلاف واضح في المواقف بين الأحزاب السياسية، وبين من يرى أن هذه الخطوة قد تساعد اللاجئين على فهم الواقع في بلدهم وتقييم فكرة العودة، ومن يحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان الحماية القانونية لهم.

يدعم عدد من السياسيين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذا المقترح، حيث قال المتحدث باسم الشؤون الداخلية للحزب سيباستيان فيدلر إن السماح بالزيارات المؤقتة يمنح اللاجئين فرصة لرؤية الأوضاع في سوريا بشكل مباشر، ويساعدهم على تقييم إمكانية العودة بشكل دائم، كما يمكن أن يفتح المجال أمام مشاركتهم في إعادة إعمار البلاد مستقبلاً.

كما يؤيد هذا التوجه سياسيون من حزب الخضر الألماني وحزب اليسار الألماني، حيث دعت المديرة البرلمانية في حزب الخضر فيليتس بولات إلى السماح بهذه الزيارات لجميع اللاجئين دون استثناء، مع ضمان عدم تعرضهم لأي ضرر بسببها.

وفي السياق نفسه، قالت السياسية في حزب اليسار كلارا بونغر إنها طالبت منذ فترة قصيرة بعد تحرير سوريا بالسماح بما يعرف بزيارات “اذهب وانظر” للاجئين السوريين، حتى يتمكنوا من تقييم الوضع على الأرض بأنفسهم.

بينما يعارض هذا الطرح عدد من السياسيين في الاتحاد المسيحي الديمقراطي، حيث قال المتحدث باسم الشؤون الداخلية للحزب ألكسندر تروم إن الشخص الذي يستطيع السفر إلى بلده والعودة منه لا يمكن اعتباره معرضاً للاضطهاد، وبالتالي فإن فقدان وضع الحماية يصبح نتيجة منطقية. كما تبنى الموقف نفسه المتحدث باسم الشؤون الداخلية في حزب البديل من أجل ألمانيا غوتفريد كوريو.

من الناحية القانونية، يوضح المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين أن سفر اللاجئ إلى بلده الأصلي قد يؤدي إلى إعادة تقييم وضع الحماية وربما سحبه. وخلال عام 2025 تم فتح نحو 2600 إجراء لمراجعة حالات لاجئين سوريين سافروا إلى سوريا، كما تم تسجيل 708 إجراءات خلال الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يعكس تشدد المتابعة القانونية لهذه الحالات.

آراء اللاجئين وتجاربهم الشخصية

يرى عدد من اللاجئين السوريين في ألمانيا أن فكرة الزيارات المؤقتة قد تكون وسيلة مهمة لفهم الواقع في سوريا بعد سنوات طويلة من الغياب. وفي هذا الخصوص أوضح رئيس الجمعية الثقافية السورية في مدينة إرفورت بولاية تورينغن نادر رسلان أن الكثير من السوريين الذين غادروا في عامي 2015 و2016 لا يعرفون حقيقة الوضع الحالي في بلادهم، سواء من حيث المؤسسات أو البنية التحتية أو حتى منازلهم القديمة.

وأشار إلى أنه زار مدينة حلب مؤخراً وشعر بأن الوضع أكثر أماناً بشكل عام، لكنه أكد أن الحياة اليومية ما زالت صعبة، خصوصاً فيما يتعلق بتوفر المياه والكهرباء والظروف الاقتصادية الصعبة، رغم وجود بعض بوادر التحسن.

في حين يرى سوريون آخرون أن الزيارات المؤقتة خطوة إيجابية، لأنها تساعد السوريين على الإجابة عن أسئلة مهمة تدور في أذهانهم منذ سنوات، مثل الأمان وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية ووضع العائلة في الداخل. لكنه في الوقت نفسه يشدد على ضرورة احترام قرار من يختار البقاء في ألمانيا وعدم ممارسة أي ضغط عليه للعودة.

أرقام العودة والعوامل المؤثرة فيها

تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد السوريين الذين عادوا إلى بلادهم بلغ نحو 1.63 مليون شخص حتى نهاية الشهر الماضي، لكن التحليل الدقيق لهذه الأرقام يظهر أن الغالبية العظمى من العائدين لم يأتوا من أوروبا، بل من الدول المجاورة لسوريا. فقد عاد 640 ألف شخص من تركيا، و630 ألفاً من لبنان، ونحو 285 ألفاً من الأردن، أي أن أكثر من 95% من العائدين جاءوا من دول قريبة جغرافياً.

أما من ألمانيا فقد كان عدد العائدين محدوداً جداً مقارنة بعدد السوريين المقيمين هناك، حيث تشير البيانات إلى أن 3678 لاجئاً سورياً فقط غادروا ألمانيا العام الماضي، فيما يقدَّر عدد السوريين المقيمين بأكثر من 900 ألف شخص. كما أُدرجت ألمانيا ضمن فئة دول أخرى في الإحصاءات، حيث بلغ عدد العائدين منها نحو 6100 شخص فقط.

ويرى خبراء الهجرة أن أسباب ضعف العودة من ألمانيا ترتبط بعدة عوامل، من بينها الاستقرار النسبي الذي يتمتع به اللاجئون هناك، واندماجهم في سوق العمل والتعليم، إضافة إلى بناء حياة جديدة بعد سنوات طويلة من الإقامة. وتوضح الباحثة في شؤون الهجرة زينب شاهين منجوتك أن التجارب السابقة في دول مثل العراق وكوسوفو أظهرت أن العودة لا تحدث بشكل واسع إلا في ظروف خاصة جداً، وأن مرور الوقت يقلل من رغبة العودة تدريجياً، خاصة مع اندماج الأطفال في المجتمع المحلي واعتماد الأسر على دخلها داخل البلد المضيف أو على تحويلات مالية من الخارج.

الوضع في سوريا وآفاق المستقبل

تشير تقارير أممية أنه بالرغم من عودة جزء من اللاجئين، ما زالت الأوضاع داخل سوريا معقدة، حيث تستمر التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية. فهناك نقص في البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والمياه، بالإضافة إلى ضعف في الخدمات الصحية والتعليمية، وعدم استقرار في بعض المناطق.

وأضافت أن البلاد لا تزال غير قادرة على استيعاب عودة أعداد كبيرة من اللاجئين، بسبب محدودية الموارد وضعف المؤسسات الاقتصادية والإدارية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاستقرار الكامل ما زال بعيداً، وأن أي عودة واسعة تحتاج إلى تحسينات كبيرة في ظروف المعيشة والأمان.

في الختام، بين من يرى أن هذه الزيارات قد تكون خطوة مفيدة لفهم الوضع في سوريا واتخاذ قرار العودة، ومن يحذر من آثارها القانونية، يبقى العامل الحاسم هو الواقع على الأرض في سوريا. وحتى الآن تشير المؤشرات إلى أن العودة الواسعة لا تزال محدودة في المدى القريب، ما لم يحدث تحسن واضح ومستدام في الأوضاع الاقتصادية والخدمية داخل البلاد.

اقرأ أيضاً: بدل الحملات المجانية.. لماذا لا يعود الأطباء في ألمانيا إلى سوريا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى