المجتمع السوري

بين التوظيف المجمد والبطالة الكبيرة: ما هو واقع العمل الحكومي في سوريا؟

بقلم هلا يوسف

لا يختلف واقع التوظيف في سوريا عن واقع باقي الملفات الشائكة المتراكمة منذ بداية الثورة السورية وما تبعها من تراجع فيما بعد. ومع التغيرات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق، نشأ لدى شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما الشباب، أملٌ بمرحلة جديدة تحمل فرص عمل حقيقية، خصوصاً أن البلاد في مرحلة إعادة إعمار، وتحتاج إلى أعداد كبيرة من الكوادر والاختصاصات. غير أن هذا الأمل سرعان ما اصطدم بواقع مختلف، تمثل بصدور التعميم رقم (2533/ص)، الذي جاء ليجمد التوظيف بدل أن يفتحه، ويعيد إنتاج الجمود الإداري في لحظة حساسة.

هذا التعميم، الذي صدر منذ أشهر من دون أي مراجعة رغم الاعتراضات الواسعة عليه، أوقف عملياً معظم أشكال التوظيف والتعاقد في مؤسسات الدولة، كما منع تمديد خدمة العاملين الذين بلغوا سن التقاعد إلا في حالات نادرة جداً. متجاهلين واقع المؤسسات الحكومية التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الكوادر البشرية، نتيجة سنوات الحرب والهجرة والاستقالات وفقدان الاستقرار الوظيفي. وبدل أن تسعى الدولة إلى تعويض هذا النقص بضخ دماء جديدة وتخصصات حديثة قادرة على تحسين الأداء، اتجهت إلى تجميد التوظيف الذي سينعكس سلباً على مستوى الخدمات العامة، خاصة في القطاعات الحيوية.

تأثير هذا التعميم شمل أيضاً تفعيل أحكام المادة 25 من القانون الأساسي للعاملين، الذي يجيز تسريح الموظف في حال تدني تقييمه الدوري. وعلى الرغم من أن هذا القانون جيد ومفيد في هذه المرحلة إلا أن غياب المعايير الواضحة والشفافة في كثير من المؤسسات، وضعف نظم الرقابة والمساءلة، يجعل هذا القانون عرضة للاستغلال لتنفيذ تسريحات تعسفية وكيدية، وخصوصاً في بيئة تعاني من تداخل العلاقات الشخصية والإدارية.

كما قيد التعميم حركة الندب والتكليف بين الجهات العامة، ما أفقد الإدارة مرونتها الطبيعية. فالمؤسسات العامة تحتاج أحيانًا إلى نقل خبرات بين الجهات أو المحافظات لسد نقص طارئ أو معالجة خلل معين، لكن حصر هذه التحركات جعل الانتقال الوظيفي، باستثناء بعض المناطق الشرقية، أمرًا بالغ الصعوبة، وزاد من معاناة الموظفين، لا سيما في ظل أزمة المواصلات وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما انعكس على الاستقرار الوظيفي والإنتاجية.

سوق عمل مرتبك وبطالة تتسع

تأتي هذه السياسات في سياق تاريخ طويل من الارتباك في ملف التوظيف العام. فمنذ عقود، خضع هذا الملف لسلسلة من القوانين المتغيرة والتعليمات الاستثنائية، ما أضعف الوضوح والنظامية، وفتح المجال أمام العشوائية والمحسوبيات. وعلى الرغم من ذلك كان التعيين يمر بمسار إداري واضح، يبدأ من الشؤون الإدارية ويصل إلى الجهاز المركزي للرقابة المالية لاعتماد الملاك، ولم يكن أي موظف يباشر عمله قبل استكمال أوراقه الرسمية كاملة.

أما اليوم، فقد تغير هذا الواقع بشكل لافت، إذ جرت تعيينات لمديرين وموظفين من دون عقود واضحة أو مذكرات مباشرة أو قرارات تثبيت أو انفكاك، في حين ما تزال بعض الوزارات، مثل وزارة التربية والتعليم، تعلن عن مسابقات مركزية من داخل الملاك، كان آخرها مسابقات المشرفين التربويين والإداريين. هذا التفاوت بين القطاعات، إلى جانب غياب أي توضيح رسمي حول مصير العقود المؤقتة وآلية التعامل معها، يخلق حالة من الضبابية ويثير تساؤلات جدية حول مستقبل الوظيفة العامة واستقرار العاملين فيها.

في الوقت نفسه، تتفاقم أزمة البطالة في سوريا بوتيرة مقلقة، مع تضخم بأعداد العاطلين عن العمل، وخصوصاً مع تسريح آلاف العاملين. إذ تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة إلى أن واحداً من كل أربعة سوريين عاطل عن العمل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن البطالة تتجاوز 60 في المئة.

وزادت الأزمة تعقيداً مع فصل أعداد كبيرة من العاملين في القطاع العام، تحت مسمى “إعادة الهيكلة ومحاربة الفساد”. وفي المقابل، لم يكن القطاع الخاص قادراً على امتصاص هذه الصدمة، إذ اضطرت العديد من المنشآت إلى الإغلاق أو تقليص العمالة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، في ظل ركود اقتصادي خانق.

كما أدت الهجرة المستمرة للكفاءات والخبرات إلى إفراغ السوق المحلية من الطاقات المؤهلة، وترك فراغ يصعب تعويضه في الوقت الحالي. ومع هذا الواقع أصبح الباحث عن عمل داخل البلاد يقبل بأي فرصة متاحة، حتى وإن كانت بعيدة عن اختصاصه وبأجور متدنية ومن دون أي ضمانات اجتماعية أو تأمينية، فقط لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش.

أرقام غائبة وإصلاح مؤجل

تعقيد أزمة البطالة يتضاعف مع غياب البيانات الدقيقة. فحتى اليوم، لا توجد مسوح دورية ومنتظمة لقوة العمل في سوريا، ما جعل أرقام البطالة متضاربة. فبعض الباحثين يقدّرونها بنحو 37 في المئة، بينما تشير تصريحات رسمية إلى 60 في المئة، في حين تذهب دراسات منظمات دولية إلى نسب تتراوح بين 65 و85 في المئة، بما في ذلك البطالة المقنعة. أما آخر رقم رسمي صادر عن المكتب المركزي للإحصاء فيعود إلى عام 2022، وقد وصف حينها بأنه غير دقيق بسبب مشكلات كبيرة في البيانات، أبرزها عدم احتساب أعداد المهجرين، ما ينعكس خللًا في تقدير حجم قوة العمل.

ورغم هذا التضارب، فإن جميع التقديرات تشير إلى خطورة الوضع في بلد يعيش نحو 90 في المئة من سكانه تحت خط الفقر، ويواجه أكثر من 56 في المئة منهم خطر انعدام الأمن الغذائي. كما تشير التقارير إلى وجود 2.7 مليون شاب لا يجيدون القراءة والكتابة أو لا يمتلكون أي مهارة مهنية، فيما يصطف مئات السوريين أمام دوائر الهجرة والجوازات بحثًا عن فرصة سفر تتيح لهم العمل في الخارج.

وتبين الدراسات الرسمية أن سوريا تحتاج إلى ما لا يقل عن 200 ألف فرصة عمل سنوياً فقط لامتصاص الزيادة الطبيعية في قوة العمل، بينما تتطلب مرحلة التعافي وإعادة الإعمار ضعف هذا الرقم على الأقل. غير أن تحقيق ذلك يبقى مرهوناً بدوران عجلة الإنتاج، وتأهيل اليد العاملة، وتوفير بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار. ورغم الحديث الحكومي عن استثمارات بمليارات الدولارات يفترض أن توفر مئات الآلاف من فرص العمل، يشكك باحثون اقتصاديون في جدية كثير من هذه الوعود، مؤكدين أن أي تحسن فعلي لن يتحقق قبل استقرار الأوضاع الأمنية وبناء بيئة استثمارية حقيقية، إلى جانب إصلاح إداري عميق.

باختصار، لا تتوقف أزمة التوظيف على القوانين الصادرة فقط، بل بطريقة تنفيذها. فيجب على الحكومة في هذه المرحلة الانتقالية أن تعيد بناء أسس التوظيف بحيث تكون معاييرها واضحة وشفافة، وذلك لإعادة الثقة بالمؤسسات الحكومية. بالإضافة إلى وجود جهاز إداري قادر على قيادة مرحلة إعادة الإعمار بطريقة جيدة.

اقرأ أيضاً: بعد إلغاء مصفاة حمص.. ما مصير الموظفين الحكوميين؟ سوريا اليوم24 سألت عن الأمر

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى