بين التقويم الهجري والميلادي يختبئ تاريخ رمضان وغرائبه!

بقلم هلا يوسف
من يتمعن في الكون وتقسيماته، يعرف تماماً أن لا شيء يأتي بلا فائدة أو معنى، لهذا كانت علوم الفلك من أوائل العلوم التي نظمت الأيام والأشهر والسنوات، ومن يقرأ القرآن الكريم يعرف أهمية مواضع الشمس والقمر في حسابات الأشهر، فكما هو موجود التقويم الميلادي، يوجد التقويم الهجري الذي نستقبل رمضان على أثره. فالشهر الكريم الذي يجتمع على صيامه أكثر من 1.9 مليار مسلم حول العالم، يحتكم إلى حسابات فلكية دقيقة تجعل من بدايته ونهايته مسألة معقدة ومهمة. لذلك في هذا المقال سنشرح لك أسباب اختلاف موعد رمضان من سنة لأخرى، كما سنذهب في رحلة للبحث عن طرائف وغرائب الشهر الكريم الذي حدثت في الأزمان الماضية، وسنتعرف على أسباب صومنا مرتين في المستقبل خلال عام 2030.
التقويم القمري الإسلامي: أساس الحساب
تكاد لا تنتهي التساؤلات حول اختلاف موعد شهر رمضان من سنة لأخرى، كما تظهر تساؤلات أخرى حول الشهر الكريم. لكن إذا عدنا للمصادر الإسلامية والتاريخية، فسنجد أن التقويم الهجري الإسلامي يعتمد على القمر، ويختلف عن التقويم الميلادي الشمسي، وهذا هو سر وجوهر الاختلاف. حيث يتكون التقويم الهجري من اثني عشر شهراً، ويبلغ طول السنة فيه 354 أو 355 يوماً، أي أقل بحوالي 11 يوماً من السنة الميلادية، مما يؤدي إلى حركة الأشهر الإسلامية سنوياً عبر الفصول. على سبيل المثال، قد يصادف رمضان في الصيف في عام ما، بينما يصدف في الشتاء في عام آخر.
يبدأ كل شهر هجري برؤية الهلال الجديد، وهي عملية دقيقة تتم في اليوم التاسع والعشرين من الشهر. فعند غروب الشمس، يراقب الفلكيون والمراقبون السماء بحثاً عن الهلال. إذا ظهر الهلال، يصبح اليوم التالي بداية شهر جديد، وإذا لم يظهر بسبب الغيوم أو الغبار، يعتبر اليوم الثلاثين هو آخر أيام الشهر ويبدأ الشهر الجديد بعده.
مع تقدم العلوم وعلم الفلك، اكتشف الفلكيون أن هناك عوامل جوية كثيرة تؤثر على رؤية القمر، مثل اضطراب الهواء والرطوبة والغبار والتلوث. لكن منذ البداية حاول العلماء القدماء معالجة هذه المسألة بطريقة هندسية، فاقترح البابليون أن الهلال سيكون مرئياً إذا تجاوزت زاويته عن الشمس 12 درجة تقريباً. لكن فيما بعد أدرك الفلكيون أن هناك عوامل أخرى مهمة، مثل فرق السطوع بين القمر وضوء النهار، الذي يلعب دوراً كبيراً في إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة.
وأوضح الفلكي الماليزي محمد إلياس أن الهلال قد يكون مرئياً في مكان وغير مرئي في مكان آخر، مما يؤدي أحياناً إلى اختلاف بداية الشهر بين مناطق العالم.
يشير ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” إلى أن شهر رمضان كان شهراً مباركاً في حياة الأنبياء، حيث أنزلت فيه العديد من الكتب السماوية. فقد نزلت التوراة على سيدنا موسى عليه السلام في رمضان، والزبور على سيدنا داود عليه السلام بعد نحو 482 عاماً من التوراة. كما أنزل الإنجيل على سيدنا عيسى عليه السلام، وفيه بدأ نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والرسل.
رمضان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
قد يعتقد البعض أن التقويم الهجري بدأ فقط مع الإسلام، لكن الحقيقة مغايرة، فقد كان العرب ينظمون شهورهم بالقمر قبل الإسلام وبعده. حيث ذكر المؤرخ الفلكي محمود باشا، في كتابه “التقويم الإسلامي ورؤية الهلال”، أن الأشهر كانت تارة تتكون من 29 يوماً وتارة من 30، مع إضافة دورة قمرية ثالثة عشر عند الحاجة. وصيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحجه وسائر شعائره تمت وفق هذا النظام القمري، وكان دخول الشهور وانتهاؤها يعتمد على رؤية الهلال.
ومن أبرز الأمثلة على حركة رمضان عبر الفصول: غزوة بدر الكبرى التي وقعت في 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، الموافق 13 آذار 624م، وفتح مكة في 20 رمضان من السنة الثامنة للهجرة، الموافق 10 يناير 630م. ويظهر الفرق الزمني بين التاريخين نحو 66 يوماً، وهو ما يعكس الطبيعة المتغيرة للأشهر القمرية.
كما شهد شهر رمضان معركة عين جالوت، وفتح المسلمين للأندلس بقيادة القائد طارق بن زياد، وانتشار الإسلام في اليمن خلال السنة العاشرة من الهجرة، مما يوضح أن هذا الشهر كان دائماً مرتبطاً بالخير والبركة والأحداث الكبرى في التاريخ الإسلامي.
غرائب وعجائب شهر رمضان
شهد شهر رمضان المبارك العديد من القصص والروايات التي اتخذها الناس في قديم الزمان كعبرة أو درس، وفي بعضها الآخر كانت أخطاء غريبة وفريدة من نوعها. فمثلاً في عام 898هـ/1493م، خلال حكم الأشرف قايتباي في مصر، حدث موقف غريب، فقد نودي بالناس للصيام بعد طلوع الشمس، وكان كثير من الناس قد تناولوا طعامهم قبل أن يعلموا ببداية الصيام، كما يروي المؤرخ ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”. ولكم أن تتخيلو حالة الصدمة التي أصابت الناس، وهم يلتهمون الطعام ثم يكتشفون أنهم بدأوا صيامهم بعد فوات ساعة من اليوم الأول!
وفي رمضان عام 902هـ/1497م، أثار السلطان نفسه جدلاً آخراً حول رؤية الهلال، حين أمر بدق أجراس القلعة معلناً أن العيد سيكون في اليوم التالي سواء ظهر الهلال أم لم يظهر. وقد تصدى له قاضي القضاة الشافعي زين الدين زكريا، مؤكداً أن العيد لا يكون إلا برؤية الهلال، ما دفع السلطان إلى غضب شديد ورفض الصلاة في العيد في ذلك العام، بحسب ما أورده ابن إياس.
ومن الأحداث الغريبة التي شهدها شهر رمضان سقوط طائر أبيض في حلب يوم 7 رمضان 242هـ، وذلك بحسب ما ذكر أبو الفلاح بن العماد الحنبلي في كتابه “شذرات الذهب في أخبار من ذهب”. فصاح الطائر أربعين صوتاً، حتى اندهش الناس وصاحوا معه: “يا معشر الناس اتقوا الله”، ثم عاد الطائر في اليوم التالي ليكرر نفس الصياح أربعين مرة أخرى، لتثير الرهبة والخوف بين الناس، وتصبح حادثة تروى على أنها معجزة أو إشارة سماوية. وسواء استطعت تصديق ذلك أم لم تصدق، إلا أن هذه الحاثة مذكورة كأغرب الأشياء التي حدثت في رمضان.
وحتى الطبيعة كانت لها نصيبها من غرائب رمضان، ففي 571هـ، حدث كسوف للشمس خلال رمضان حتى أظلمت الأرض وظهرت الكواكب بوضوح، كما أشار ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”. أما في 27 رمضان 1223هـ، فقد شهدت منطقة الغربية في مصر أمطاراً غريبة مصحوبة بالبرد بحجم بيض الدجاج، ما أدى إلى هدم دور وإصابة أنعام وتسبب في خسائر واسعة، الأمر الذي جعل الأهالي يربطون بين الظواهر الطبيعية وخصوصية الشهر المبارك.
كما شهد التاريخ سقوط جسور وغرق أعداد كبيرة من الناس، مثل انهيار أحد الجسور على نهر دجلة في رمضان 303هـ، وما تبع ذلك من كوارث بشرية، كما حدث تمرد في جيش المماليك في 14 رمضان 832هـ بسبب مطالباتهم بزيادة الرواتب، فتدخل السلطان الأشرف لحل الأزمة.
وفي عام 1984م، الموافق 1404هـ، صامت المملكة العربية السعودية شهر رمضان 28 يومًا فقط. ففي ليلة التاسع والعشرين من رمضان، ظهر هلال شوال في السماء، وكان ذلك يعني أن اليوم التالي سيكون أول أيام عيد الفطر. أفطر الناس بعد 28 يومًا، لكنه أثار جدلاً واسعًا حين تبين لاحقًا أن هناك خطأ في رؤية الهلال. فقد أخطأ أحد الشهود وظن أنه رأى هلال شهر رمضان، بينما كان في الواقع يرى كوكبي عطارد والزهرة واعتقد أنهما قرنا الهلال، بحسب ما ذكر المشروع الإسلامي لرصد الأهلة. نتيجة لهذا الخطأ، أمرت السلطات السعودية بصيام يوم قضاء لتعويض النقص في عدد أيام الصيام.
رمضان وموعده في المستقبل: حدث نادر في 2030
وفق الحسابات الفلكية، سيشهد عام 2030 حدثاً نادراً في التاريخ الإسلامي الحديث، حيث سيصادف شهر رمضان مرتين ضمن نفس السنة الميلادية. سيبدأ رمضان الأول في 4 يناير 2030، وسيعود مرة أخرى في 26 ديسمبر 2030، الموافق بداية رمضان 1452هـ، ما يعني صيام شهرين كاملين في عام واحد. هذا الحدث يحدث مرة كل 33 عاماً تقريباً، نتيجة الفرق بين السنة الهجرية البالغة 354 يوماً والسنة الميلادية البالغة 365 يوماً، ويعكس الطبيعة القمرية للتقويم الإسلامي.
تعتبر هذه الظاهرة فرصة فريدة للمسلمين لتجربة صيام رمضان مرتين في نفس السنة، وتذكرهم بأن التقويم الهجري قائم على القمر، وأن مواعيد العبادة تتغير سنوياً، مما يجعل رمضان أكثر خصوصية وأهمية في الذاكرة الدينية للمسلمين حول العالم.
الخلاصة، يحمل شهر رمضان المبارك في جعبته الكثير من الأحداث التاريخية والطبيعية، حيث يحكم الكون مجموعة من القوانين التي شكلت التاريخ، وفصلت السنين والأيام حتى لا يتوه الإنسان خلال رحلته في هذه الأرض. وقد أشار الله تعالى في قرآنه الكريم إلى الشمس والقمر كطرق لضبط الوقت والأشهر، فقال في سورة يونس: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ” صدق الله العظيم.
اقرأ أيضاً: النوروز هذا العام: شعلة أنارت أنحاء سوريا









