المجتمع السوري

بين التقنين والدَّين.. جدوى قروض الطاقة الشمسية في سوريا

ما مدى جدوى قروض الطاقة الشمسية في سوريا هل هي متاحة للجميع؟

بقلم: ريم ريّا

ما زالت أزمة الكهرباء مستمرة في سوريا، وساعات التقنين تتراوح بين الازدياد والحال الروتيني لها، حتى باتت الطاقة الشمسية خياراً شبه إلزامي للمواطنين الذين يبحثون عن مصدرِ طاقةٍ مستقر لتيسير حياتهم اليومية. لكنّ تكاليف الطاقة الشمسية أكبر من إمكانية المواطنين، فأطلقت المصارف في البلاد قروضاً مخصصة للطاقة المتجددة، لدعم الأفراد والمنشآت في التحول نحو الاعتماد عليها. ليطرح السؤال نفسه اليوم: هل هذه القروض مجدية حقاً؟ وهل يمكن للمواطن السوري في ظل هذه الظروف الصعبة، أن يستفيد من هذه القروض دون أن يغرق في عبء ديون إضافية؟ في هذا المقال سنوضح ماهية هذه القروض، وما المراحل التي مرّت بها، وما شابها من اتهامات ونوضح حقيقة الفوائد في حلب.

ماهية ومراحل قروض الطاقة الشمسية في سوريا

بدأت فكرة قروض الطاقة الشمسية في سوريا كجزء من خطة حكومية الهدف منها تشجيع المواطنين على التحول نحو استخدام الطاقة المتجددة نتيجة الانقطاع الدائم للكهرباء في البلاد. يتم تقديم هذه القروض عبر “صندوق دعم الطاقات المتجددة ورفع كفاءة الطاقة”، وذلك بالتعاون مع عدد من المصارف السورية مثل: مصرف التسليف الشعبي والتوفير والمصرف التجاري السوري.

يتيح برنامج القروض المطروح للمواطنين الحصول على تمويل يصل إلى 35 مليون ليرة سورية لتركيب منظومة منزلية بقدرة 3.5 كيلواط، بينما تصل القروض المخصصة للقطاعات الاقتصادية إلى 85 مليون ليرة بقدرة 20 كيلواط. تمنح هذه القروض بفوائد مدعومة أو معدومة تماماً للعاملين في الدولة والمتقاعدين، ويتحمل الصندوق كامل الفوائد عن المقترضين، فضلاً عن شمول المنظومات المدعومة عادةً ألواحاً شمسية وبطاريات “ليثيوم” لتأمين الإنارة والشحن المنزلي.

  • المراحل التي مرّت بها القروض بين عامي 2022 – 2024 

انطلقت أولى مراحلها بشكل فعلي في عام 2022، عندما أقر مصرف التسليف الشعبي منح قروض بلا فوائد، وذلك بدعم كامل من صندوق الطاقات المتجددة. ليشهد عام 2023 تعديلات مهمة، أبرزها رفع سقف القرض إلى 10 ملايين ليرة سورية للعاملين في الدولة والمتقاعدين مع تمديد فترة السداد إلى عشر سنوات. أما عام 2024، توسعت القروض بشكل ملحوظ ولافت فبلغت قيمتها الإجمالية نحو 184 مليار ليرة سورية خلال النصف الأول من العام، حسب بيانات المصرف السوري.

لكن سرعان ما أوقف استقبال الطلبات الجديدة في أيار 2024 بسبب الزخم الكبير في التقديم وتبعاً للضغط وكثرة المعاملات، في إجراء وصف بالمؤقت. ليعاد فتح باب التقديم في تشرين الأول من العام ذاته، وصدر قرار حكومي بتقليص مدة السداد من 15 سنة إلى 10 سنوات.

اقرأ أيضاً: عوادم السيارات في دمشق.. من التلوث إلى فرص الطاقة النظيفة

شبح الفساد والمحسوبيات خيّم على القروض

تجوّل الفساد منذ عقدٍ من الزمن، وربما أكثر، في البلاد، وقروض الطاقة الشمسية لم تسلم من حيتان الفساد في سوريا الذين يرون بأي حركة تنموية ومستدامة فرصةً دسمةً لاقتناص الفوائد والمكاسب الشخصية على حساب حاجة المواطنين.

تتعلق قضايا الفساد حول قروض الطاقة الشمسية بممارسات مثل التلاعب بالصفقات العمومية لتوريد وتركيب الألواح، وتوجيه القروض لصالح شبكات نفوذ وشركات معينة بدلاً من المواطنين، وضعف الشفافية والمراقبة، بالإضافة إلى سوء تنفيذ المشاريع مما يؤدي إلى عدم استفادة المواطنين منها بشكل فعال.

وقد اشتكى بعض المتقدمين لهذه القروض في الأعوام الماضية من انتشار المحسوبيات والرشاوي، وضرورة الاعتماد على “الواسطة” لتحريك ملف القرض لدى الجهات المعنية، بالإضافة إلى تلاعب الشركات المتعاقدة مع البنوك لتأمين وسائل الطاقة الشمسية للمقترضين.

وكانت الواسطة تدفع بالطلب إلى مصرف التسليف الشعبي، ومن هناك يجب التوسط كذلك لتحريك الطلب في الدور وإعطائه أولوية، ثم يتنقل الملف بين مديرية الكهرباء والمصرف في معاملة روتينية تتطلب دفع رشى لموظفين صغار للتسريع بعملية إتمام الملف. حسب ما قاله بعض المتقدمين لطلب القروض في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: فوضى ألواح الطاقة الشمسية.. تلوث بصري وتقليل للكفاءة

فوائد تصيب مزارعي حلب بصدمة.. وهل القروض بإمكانية الجميع؟

في تشرين الأول الجاري أصيب مزارعون في محافظة حلب بالصدمة عندما طُلب منهم دفع فوائد على قروض الطاقة الشمسية التي حصلوا عليها، على الرغم من أن هذه القروض كانت مُقدمة على أساس أنها بدون فوائد، وهو ما شجعهم في الأصل على التقدم للحصول عليها.

كانت الجهات المعنية قد منحت 16 مزارعاً من حلب قروضاً مدعومة لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية في أراضيهم الزراعية، وذلك ضمن برنامج “صندوق دعم استخدام الطاقة المتجددة ورفع كفاءة الطاقة”. في حين بلغت قيمة المنظومة الواحدة 180 مليون ليرة سورية، على أن يتم السداد على مدى عشر سنوات، بقسط سنوي ثابت قدره 18 مليون ليرة، وبدون أي فوائد مالية، كما هو منصوص عليه في العقود الموقعة بين الفلاحين والصندوق والمصرف الزراعي. وأكدت العقود بوضوح أن القرض خالٍ كلياً من الفوائد، باعتباره دعماً حكومياً يهدف إلى دعم القطاع الزراعي وتخفيف الأعباء عن المزارعين.

لاحقاً، تفاجأ الفلاحون بأن المصرف الزراعي التعاوني في حلب بدأ يطالبهم بدفع فوائد على القروض تصل إلى 16% سنوياً، وذلك بشكل شفوي وبدون أي إشعار رسمي مكتوب، على الرغم من وجود تعميم واضح من الصندوق يقضي بعدم استيفاء أي فوائد.

ليرد المصرف بإيضاح من قبل مديرة القروض بالمصرف الزراعي التعاوني (الإدارة العامة)، “رانيا زيدان”، فقالت: “الصندوق لم يبلّغ المصرف رسمياً بعدم استيفاء الفوائد من الفلاحين”، وأشارت إلى أن “تأخر الصندوق في تغذية الحساب المالي الخاص به لدى المصرف هو السبب وراء مطالبة الفلاحين بدفع الفوائد، لضمان تحقيق المصرف لأرباحه من هذه القروض”. وذكرت “زيدان” أن “تطبيق قرار تأجيل الأقساط (أو الإعفاء من الفائدة) في المحافظات الأخرى يستند إلى وجود (قرار ضرر عام) من المحافظ، وهو ما لم يصدر في حلب”.

هذه الصدمة دفعت الفلاحين إلى المطالبة بالتدخل العاجل لحل المشكلة، والالتزام بالاتفاقية التي تنص على أن القرض بدون فوائد.

أما عن إمكانية المواطنين الاستفادة من تلك القروض دون إضافة عبء مالي على حياتهم المعيشية، إليكم النتيجة بعد  إجراء الحسابات اللازمة. بالرغم من الدعم الحكومي لقروض الطاقة الشمسية في البلاد وإعفائها من الفوائد كما يقال، لكن قدرتها على التخفيف من أعباء المواطنين محدود بالمقارنة مع مستوى الدخل الحالي، لنوضح ذلك بشكل بسيط:

قرض الطاقة الشمسية المخصص للقطاع المنزلي يبلغ 35 مليون ليرة سورية، ويسدد على مدى عشر سنوات، أي ما يقارب 291 ألف ليرة سوريا كسقط شهري، وباحتساب متوسط دخل الموظف العامل في الدولة والمقدر بنحو 800 ألف ليرة شهرياً، فإن القسط يشكل ما يقارب 37% من دخله، وهي نسبة مرتفعة تتجاوز الحد الآمن على الديون وفق المعايير المصرفية.

بالمحصلة، سيجد المواطن نفسة أمام صعوبة في تأمين المبلغ المطلوب بشكل شهري إلى جانب مصاريف المعيشة التي تزداد يوماً تلو الآخر والتي تفوق في معظم الأحيان ثلاثة ملايين ليرة لعائلة مكونة من أربع أفراد على سبيل المثال، وهذا فقط للاحتياجات الأساسية بلا أي رفاهية.

لذلك، في ظل ضعف القدرة الشرائية الحالية يتحول القرض إلى عبء مالي جديد أكثر من كونه حل داعم وميسور، ولا يستطيع الاستفادة منه بشكل فعلي سوى شريحة محددة من ذوي الدخل العالي في البلاد، أو ممن يتلقون دعماً مالياً من أقاربهم في الخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى