بين التجميل والحاجة.. كيف تُحدد أولويات الإنفاق الخدمي في دمشق؟

بقلم: ريم ريّا
بمجرد التجول في شوارع العاصمة دمشق، يلاحظ انتشار أعمال حفر وإزالة للأرصفة في أغلب المناطق، ما جعل المشهد العمراني التجميلي يبدو في حالة إعادة تأهيل مستمرة. هذا الواقع دفع كثيرين إلى التساؤل حول أولوية المشاريع ذات الطابع التجميلي وكيف يتم توجيه الإنفاق الخدمي؟ في وقت لا تزال فيه الكثير من مواضع البنية التحتية غير منجزة، ومنها طرقات عديدة غير مزفتة وتعاني من مشكلات كبيرة. من هنا يبرز نقاش أوسع حول إدارة الموارد العامة، وآليات الرقابة عليها، والجهات المخولة بتحديد أولويات الإنفاق والتنفيذ. في هذا المقال سنناقش تلك التساؤلات.
من يعطي قرارات الإنفاق الخدمي على الأرصفة في دمشق
إصلاح الأرصفة في دمشق والإنفاق الخدمي عليها، يقرره المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق والجهات التابعة له، بالتعاون مع مديريات مثل مديرية دمشق القديمة. ويعتبر قرار تنظيم إشغال الأرصفة مثالاً على مسؤوليات هذه الجهات، بالرغم من وجود تحديات وأولويات أخرى للمدينة والمحافظة، حيث تتخذ القرارات بناءً على المخططات الإدارية والاحتياجات الخدمية.
لوحظت هذه الأشغال بكثافة في دمشق دوناً عن حلب وطرطوس على سبيل المثال. إذاً ما هو واضح في العاصمة اليوم يتمثل في تنفيذ حملة واسعة داخلها شملت إزالة الأرصفة القائمة وإعادة بنائها بالكامل، لأسباب تجميلية، حيث أنّ العديد من الأرصفة التي تمّت إزالتها وإعادة تعبيدها (أو في طور ذلك) لم يكن فيها مشاكل في البنية والاستخدام.
اقرأ أيضاً: حلب الشرقية اليوم بين إرث الإهمال وآمال الإصلاح
تساؤلات حول الإنفاق الخدمي التجميلي هل هو أولوية فعلاً؟
مؤخراً، في حي باب توما، أحد أقدم أحياء العاصمة، انطلقت أعمال ترميم شاملة لطريق الحي، شملت إعادة رصف الشارع بالحجر، ما أثار انقساماً حاداً في آراء السكان بين مؤيد يرى في المشروع خطوة لتحسين البنية التحتية، ومعارض يخشى على هوية الحي المعمارية من التغير، وسط تساؤلات عن أولوية هذا الترميم مقارنة بأحياء أخرى أكثر تضرراً.
أسئلة قديمة وأرصفة جديدة، وما يزال الجدل قائماً حول الأولويات. ربما يكون المظهر التجميلي لشوارع العاصمة أو غيرها من المحافظات خياراً مبرراً في ظروف معينة، لكن عندما يتحول إلى إعادة بناء كاملة بدلاً من الإصلاح الجزئي، يصبح قراراً ذا أبعاد اقتصادية وإدارية تتجاوز الجانب المالي.
فمثل هذا الخيار يترتب عليه كلفة مالية أعلى، وقد يأتي على حساب مشاريع أخرى ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين. ليبقى السؤال من يحدد أولوية التجميل؟
تم سؤال مجموعة من الأشخاص حول الأعمال الجارية، المواطنين عبروا عن آرائهم، بعضهم رأى أن الأحياء المتضررة والمدمرة مثل “برزة والقابون وجوبر” أولى بعمليات الإصلاح والاهتمام بشكل سريع. فيما اعتبر أحد المواطنين أن هذه العمليات هي التفات إلى أمور ثانوية مثل تزفيت الشوارع وإصلاح الأرصفة وترك لأمور أساسية مثل إعادة إعمار الأحياء المدمرة.
في حين رأت مواطنة من منطقة كفر بطنا أن هناك غياب تام لتأهيل الأرصفة في منطقتها، فلا يوجد أرصفة صالحة للاستخدام حسب تعبيرها، وهذا باعتقادها ما له الأولوية على الجانب التجميلي للأماكن والأحياء التي لم تشهد دماراً. وطالب بعضهم بالعدالة بالخدمات وأن تكون البداية من الأحياء الفقيرة المحتاجة للترميم والإصلاح وتزفيت الشوارع، ثم الاهتمام بباقي المناطق.
هل التجميل أولوية حقاً.. ومن الذي يحددها؟
في الحقيقة، لا يمكن الجزم بأن تجميل الأرصفة في دمشق أولوية مُقدمة على الشوارع التي تتطلب إصلاحاً وإعادة تأهيل بالفعل سواء من التزفيت أو غيره من الإصلاحات. بقدر ما يبدو أن الخيار المتخذ من قبل المحافظة بإعادة رَصف الأرصفة كخيار تنفيذي، ربما جرى اعتماده في مرحلة لا تزال تشهد اختلالات وفجوات في البنية التحتية الأساسية. ومن المشروع التساؤل حول أولوية التجميل من عدمها، في ظل استمرار وجود بنية تحتية غير منجزة أو ربما متضررة بسبب الإهمال السابق وعوامل مرور الزمن.
لكن الوقائع تشير إلى غياب توضيحات رسمية كافية حول الأسس التي استندت إليها هذه القرارات، سواء من حيث وجود دراسات فنية وعملية تبرر إعادة البناء الشامل بدلاً من الصيانة الجزئية للقطع المتضررة من الرصيف. إلى جانب غياب خطط خدمية معلنة تشرح أسباب تقديم مشاريع الأرصفة على غيرها من الاحتياجات الخدمية الأكثر إلحاحاً.
كذلك لا تتوفر معلومات واضحة للرأي العام حول آليات اتخاذ القرار أو الجهات الفنية التي شاركت في تحديد هذه الأولوية، فكما ذكرنا في بداية مقالنا، القرار بالإصلاح أو الترميم أو إعادة التأهيل المطلقة والشاملة يتخذ من قبل عدة جهات وهي المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق والجهات التابعة له، بالتعاون مع مديريات متعددة في المحافظة.
ففي ظل غياب الشفافية، تبقى أولوية تجميل الأرصفة موضع للنقاش، لا بسبب مبدأ التجميل بحد ذاته، بل بسبب توقيته وكلفته وتأثيره على توزيع الموارد وإدارة الإنفاق الخدمي. فإن عدم وضوح المعايير والجهات المخولة بتحديد الأولويات يحول هذه المشاريع من إجراءات تحسين حضري إلى ملف مفتوح يتعلق بإدارة الإنفاق العام والرقابة على القرارات الخدمية. ليبقى السؤال حول من يحدد الأولوية، وكيف، سؤالاً قائماً ومشروعاً لكن بلا إجابات معلنة.
يُضاف إلى ذلك أنّ الكثير من مشاريع البنية التحتية غير المنجزة قد تحتاج إلى هدم وتكسير جزءٍ كبير من هذه الأرصفة حين البدء بها، مثل تمديدات الإنترنت فائق السرعة، أو بعض تمديدات الكهرباء وغيرها. يجعلنا هذا ننتقل من التساؤل العام، إلى تساؤل المحاسبة في حال هدر المال العام بهذه الطريقة.
بالمحصلة، تبقى حملة إعادة تأهيل الأرصفة في دمشق بحاجة إلى توضيح الأولويات في المشاريع الخدمية، خصوصاً في ظل وجود طرقات متضررة وغير مزفتة حتى اللحظة في العاصمة. واتخاذ القرار وفقاً للمعطيات المُقدمة من قبل المكتب التنفيذي للمحافظة والجهات التابعة له دون شفافية كاملة. فتظهر الحاجة الملحة إلى إجراء تقييم فني دقيق قبل إعادة بناء شاملة، ونشر خطط تحدد الأولويات بوضوح. والأهم ضمان التوازن بين التجميل والإصلاح الوظيفي لضمان استخدام الموارد بشكل فعال إلى جانب تفعيل الرقابة على الإنفاق الخدمي.









