بين التبرعات والمشاريع المؤجلة: قراءة في أول تقرير لصندوق التنمية السوري

الكاتب: أحمد علي
لا يقدّم التقرير الأول لصندوق التنمية السوري رقماً مالياً فحسب. يقدّم، قبل ذلك، صورة مبكرة عن مؤسسة خرجت إلى المجال العام وهي تحمل وعداً كبيراً في بلد مثقل بالحاجة. وبين التعهدات التي أُعلنت، والأموال التي حُصّلت فعلاً، والمشاريع التي لم تدخل التنفيذ بعد، تتشكل المسافة التي يجب أن تُقرأ بهدوء. لا بوصفها نجاحاً مكتمل الأركان، ولا بوصفها إخفاقاً مبكراً.
صندوق التنمية السوري بين المال الموعود والمال المتاح
أظهر تقرير الأداء الربعي للربع الأول من عام 2026 أن إجمالي التعهدات والتبرعات المسجلة منذ إطلاق صندوق التنمية السوري في الرابع من أيلول 2025 بلغ نحو 83 مليون دولار. الرقم لافت في بلد يحتاج إلى كل قناة تمويل ممكنة، لكنه لا يكفي وحده لفهم الصورة. فالتقرير يوضح أن التحصيل الفعلي حتى 31 آذار 2026 تجاوز 41 مليون دولار، أي ما نسبته 46% من إجمالي التعهدات.
التعهد يعني أن هناك استعداداً معلناً للدفع. أما التحصيل فيعني أن المال أصبح داخل المسار المالي للصندوق وقابلاً للاستخدام. الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً محاسبياً. هو المساحة التي تتحرك فيها الثقة والمتابعة والقدرة على تحويل الوعود إلى موارد. لذلك لا يمكن التعامل مع الـ 83 مليون دولار كمال منجز بالكامل، كما لا يمكن تجاهل أن أكثر من 41 مليون دولار حُصّلت فعلاً خلال فترة قصيرة نسبياً من عمر المؤسسة.
يعرض التقرير التحصيلات بحسب العملات. فقد جرى تحصيل 36.4 مليون دولار أمريكي، ونحو 53.2 مليار ليرة سورية قديمة، إضافة إلى 4526 يورو، و1275 ليرة تركية، و500 ريال سعودي. هذه التفاصيل مفيدة لأنها تبيّن أن الدولار بقي العملة الأثقل في الموارد المعلنة، وهو أمر مفهوم في اقتصاد يعيش ضغط سعر الصرف وضعف القدرة الشرائية وتراجع الثقة بالعملة المحلية.
لكن السؤال الأهم لا يقف عند العملة. إلى أي حد يستطيع الصندوق تثبيت عملية التحصيل؟ وهل تتحول التعهدات المتبقية إلى أموال فعلية وفق جدول واضح؟ التقرير نفسه يشير إلى تفاوت وتيرة التحصيل وإلى الحاجة لتحسين آليات المتابعة مع المانحين. وهذه إشارة تستحق التوقف عندها، لأنها تقول إن المؤسسة تعرف أن إعلان التعهد لا يكفي.
كبار المتبرعين وقاعدة التمويل
تظهر في التقرير مساهمات بارزة لكبار المتبرعين. عائلة الخياط سددت في الربع الأول 3.5 ملايين دولار، ليصل إجمالي ما سددته إلى 21 مليون دولار من أصل تعهد قيمته 25 مليوناً. كما سجلت عائلة الأشرفي 700 ألف دولار، وشركة لويال 400 ألف دولار، ومحمد حسن السلوم 290 ألف دولار.
هذه المساهمات تعطي الصندوق دفعة مالية واضحة. لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال القاعدة التمويلية. كلما اعتمدت المؤسسة على عدد محدود من كبار المتبرعين، زادت قدرتها على جمع مبالغ كبيرة بسرعة، لكنها تصبح أكثر حساسية لتأخر أحدهم أو تبدل أولوياته أو تعثر تحويلاته. أما القاعدة الأوسع، حتى لو جاءت بمبالغ أصغر، فتمنح المؤسسة استقراراً اجتماعياً ورمزياً أكبر.
ليس المطلوب هنا التقليل من دور كبار المتبرعين. في المراحل الأولى، قد يكون وجودهم ضرورياً لتأمين السيولة وإطلاق الثقة. لكن المطلوب ألا يبقى الصندوق أسيراً لهذا الشكل من التمويل. فإذا كان يريد أن يصبح مؤسسة تنموية لا حملة تبرع عابرة، فهو يحتاج إلى تنويع مصادره، وإلى متابعة دورية للتعهدات، وإلى توضيح الفرق بين ما جرى الإعلان عنه وما دخل فعلاً إلى الحسابات. لأن الناس لا ترى التعهد كما ترى المشروع. ولا تقيس الثقة بوعد الدفع، بل بما يظهر على الأرض.
التعهدات غير المسددة ومعنى التأجيل
يعرض التقرير التزامات مالية لم تسدد بعد. من بينها 20 مليون دولار من مزاد سيارات النظام السابق، و10 ملايين دولار من وفيق سعيد، ومليون دولار لكل من مجموعة الوايت روم وأحمد وعمر حمشو وعشيرة المحاميد. كما ترد قائمة أخرى لتعهدات تتجاوز 100 ألف دولار، تضم أسماء وشركات وجهات عدة.
وجود هذه القائمة خطوة في اتجاه الشفافية. لكنها تحتاج إلى ما بعدها. ما الموعد المتوقع للتحصيل؟ هل توجد آليات قانونية أو إدارية لتحويل التعهد إلى مبلغ مسدد؟ هل التعهد أقرب إلى التزام ملزم، أم إلى وعد معلن يخضع للمتابعة والتذكير؟ هذه الأسئلة لا تعني الطعن في النيات، لكنها ضرورية في أي مؤسسة تجمع المال باسم التنمية العامة.
المرحلة الأولى من عمل الصندوق تبدو، بحسب التقرير، أقرب إلى مرحلة بناء المؤسسة لا مرحلة تنفيذ المشاريع. فقد ركز الربع الأول على بناء الأطر المؤسسية والتشغيلية، وإعداد محفظة أولية من البرامج، وتطوير مشاريع قابلة للتمويل، من دون تسجيل إنفاق على المشاريع خلال الفترة نفسها. هذا مفهوم من ناحية إدارية. لا توجد مؤسسة جدية تبدأ بالصرف قبل أن تضبط الحوكمة والعقود والمسارات.
لكن المجتمع الذي ينتظر مدرسة أو مركزاً صحياً أو مشروع مياه لا يعيش داخل المنطق الإداري وحده. لذلك تصبح المشاريع المؤجلة مسألة حساسة. قد يكون التأجيل طبيعياً في الربع الأول، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى عادة. تقرير الربع الثاني سيكون أكثر أهمية من التقرير الأول، لأنه سيختبر الانتقال من التحضير إلى التنفيذ.
مؤسسة جديدة في بلد كبير الاحتياج
أُحدث صندوق التنمية السوري بموجب المرسوم رقم 112 لعام 2025، بوصفه مؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ومقرها دمشق، وترتبط برئاسة الجمهورية. وحدد المرسوم أهدافه بالمساهمة في إعادة الإعمار، وترميم وتطوير البنية التحتية، وتمويل مشاريع عبر القرض الحسن، مع قبول التبرعات والهبات والإعانات وفق القوانين.
هذا الموقع يجعل الصندوق كياناً خاصاً في بنيته ووظيفته. ليس جمعية خيرية صغيرة، وليس وزارة تقليدية، وليس مصرفاً عاماً. هو أداة يفترض أن تجمع موارد من داخل سوريا وخارجها، ثم تعيد توجيهها إلى مشاريع تنموية. لكن كل أداة بهذا الوزن تحتاج إلى رقابة تساوي حجم التفويض الذي تملكه.
يشير التقرير إلى تطوير منظومة الحوكمة، وتحديث البنية المؤسسية، واعتماد سياسات مالية وإدارية وتشغيلية، والعمل على إدارة المخاطر والامتثال. كما يتحدث عن تطوير الموقع الإلكتروني ومنظومة إدارة الموارد المؤسسية، وإطلاق حملة إعلامية بعنوان “لأنها تستحق”، والتنسيق مع جهات دولية بينها البنك الدولي عبر IFC، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وصندوق التنمية السعودي، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، ومنظمة أكساد.
هذه مؤشرات تأسيسية مهمة. لكنها تبقى في مستوى البنية قبل الأثر. ما سيحدد مكانة الصندوق لاحقاً هو قدرته على نشر معايير اختيار المشاريع، وتحديد الكلفة، والجهات المنفذة، ونسب الإنجاز، وآليات الشكاوى، وتقارير الإنفاق. الشفافية لا تكتمل بذكر الإجماليات. تكتمل عندما يستطيع المواطن أن يرى أين ذهب المال، ومن استفاد، وما الذي تغير فعلاً.
أرقام الحاجة أكبر من أرقام الصندوق
يضع التقرير عمل الصندوق ضمن سياق اجتماعي واقتصادي شديد القسوة. نحو 15 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات لتغطية احتياجاتهم الأساسية. الخسائر الاقتصادية المتراكمة تُقدر بـ800 مليار دولار. أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر. معدل البطالة العام يتجاوز 50%، وبطالة الشباب تصل إلى 60%.
هذه الأرقام تضع التبرعات في حجمها الحقيقي. 83 مليون دولار تعهدات رقم مهم لمؤسسة ناشئة. لكنه رقم محدود جداً أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة. حتى التحصيل الفعلي، الذي تجاوز 41 مليون دولار، لا يستطيع أن يغير المشهد وحده. لذلك يجب التعامل مع الصندوق كأداة مساعدة داخل منظومة أكبر، لا كبديل عن السياسة العامة أو الاستثمار أو الموازنة أو التعاون الدولي المنظم.
في قطاع الصحة، يذكر التقرير أن أكثر من نصف المشافي تعمل بأقل من طاقتها أو خرجت من الخدمة. وفي التعليم، يوجد أكثر من مليوني طفل خارج المنظومة التعليمية. وفي السكن والبنية التحتية، تضرر أو دُمر أكثر من 20% من الوحدات السكنية، وخرج نصف شبكات المياه عن الخدمة. كما يعاني 12 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ويوجد 6 ملايين لاجئ و7 ملايين نازح داخلياً.
هذه ليست أرقام خلفية. هي التي تحدد معنى كل مشروع. لذلك تبدو الأولوية أكثر أهمية من الحجم. مشروع محدود في المكان الصحيح قد يصنع فرقاً حقيقياً. ومشروع واسع بلا اختيار دقيق قد يتحول إلى إعلان آخر لا يلمس حياة الناس.
من يحدد الأولوية؟
يتحدث الصندوق عن العمل وفق مبدأ “الأولوية الوطنية والاحتياج”، وعن الاستماع إلى المجتمعات، والشفافية، وآليات التظلم، وربط التغذية الراجعة الميدانية بتصميم البرامج. هذه لغة سليمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية. من يحدد أن مدرسة في منطقة ما أكثر إلحاحاً من مركز صحي في منطقة أخرى؟ كيف تُقارن حاجة المياه بحاجة السكن؟ وما وزن رأي المجتمع المحلي في القرار النهائي؟
لا توجد إجابة سهلة. لكن توجد طريقة أفضل في إدارة الأسئلة. إعلان المعايير، ونشر خرائط الاحتياج، وتوضيح آلية اختيار المشاريع، وفتح باب الاعتراض، كلها خطوات تجعل القرار أقل غموضاً. في بلد متعب من الوعود، الوضوح ليس إجراءً ثانوياً. هو جزء من المشروع نفسه.
يشير التقرير إلى قطاعات الصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي والبنية التحتية كأولويات، وإلى إعداد محفظة برامج متعددة القطاعات، وتعزيز الجاهزية لإطلاق أول دورة تخصيص تمويلي. كما يتحدث عن اتفاقية تعاون مع مجلس الأعمال السعودي السوري، لتفعيل مبادرات في الصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي ونقل المعرفة وبناء القدرات، مع تحديد أكثر من 45 مبادرة بالشراكة مع جهات حكومية سعودية ووزارات سورية.
هذه نقطة تقدم في البناء المؤسسي. لكنها ستصبح ذات معنى كامل عندما تنشر المشاريع الأولى، وتظهر مواقعها، وتعلن كلفتها، وتبدأ نسب الإنجاز بالارتفاع. قبل ذلك تبقى المبادرات في منطقة التحضير، وهي منطقة مفهومة لكنها مؤقتة.
التبرعات لا تصنع التنمية وحدها
هناك خطر يرافق أي صندوق تبرعات في بلد منهك. أن يتحول التبرع إلى بديل عن السياسة العامة. هذا خطر يجب الانتباه إليه. فالتبرعات تساعد، وقد تفتح باباً سريعاً للتمويل، لكنها لا تبني وحدها منظومة صحية أو تعليمية أو بنية تحتية طويلة الأمد. التنمية تحتاج إلى دولة، وموازنات، ومؤسسات، وضرائب، واستثمار، وقانون، ورقابة.
يمكن لصندوق التنمية السوري أن يملأ جزءاً من الفراغ. يمكنه أن يمول مشاريع محددة، وأن يحرك شراكات، وأن يربط مانحين باحتياجات محلية. لكنه لا يستطيع وحده معالجة الفقر أو البطالة أو إعادة اللاجئين أو إصلاح البنية التحتية المدمرة. قوته الحقيقية ستكون في التنسيق والانتقاء والمتابعة، لا في حجم التبرعات وحدها.
لذلك يكتسب التدقيق المالي أهمية خاصة. ينص المرسوم على ضمان الشفافية من خلال آليات رقابية مالية قوية عبر شركات محاسبية حيادية لتدقيق المراجعات المالية الدورية للصندوق. هذا النص يحتاج إلى حضور واضح في التقارير المقبلة. من الجهة المدققة؟ ماذا شمل التدقيق؟ هل تُنشر النتائج؟ هل يشمل التدقيق التعهدات والتحصيل والإنفاق والعقود؟
التقرير الأول وما بعده
لا يكفي التقرير الأول لإصدار حكم نهائي. يمكن تسجيل ما هو إيجابي، ويمكن تسجيل ما يحتاج إلى متابعة. الإيجابي أن الصندوق نشر أرقاماً عن التعهدات والتحصيل، وقدم أسماء ومبالغ، وشرح مرحلة التأسيس، وذكر الشراكات والأولويات. وما يحتاج إلى متابعة أن نسبة التحصيل لا تزال دون نصف التعهدات بقليل، وأن المشاريع لم تدخل الإنفاق خلال الربع الأول، وأن آليات اختيار المشاريع وتدقيقها وقياس أثرها تحتاج إلى نشر أوضح.
المهم أن لا يتحول التقرير إلى نهاية النقاش. هو بداية. وما بعده سيحدد صورته. إذا ظهرت المشاريع الأولى، ونُشرت تفاصيلها، وارتفعت نسبة التحصيل، وبدأت تقارير الإنجاز، فسيصبح الصندوق مؤسسة قابلة للتقييم على أساس واقعي. وإذا بقيت الأرقام تدور بين التبرعات والتعهدات، فستتسع المسافة بين الحاجة والثقة.
القراءة الحيادية تقول إن الصندوق بدأ. لا أكثر ولا أقل. بدأ بمال محصل، ووعود لم تُحصّل بعد، وبنية تأسيسية، ومشاريع تنتظر التنفيذ. في بلد يحتاج إلى كل طريق وكل مدرسة وكل مركز صحي، لا تُقاس المؤسسات بما تعلنه فقط، بل بما تستطيع أن تنجزه عندما ينتهي وقت الإعلان.
الاختبار التالي بسيط وصعب. تحويل التعهد إلى مال، والمال إلى مشروع، والمشروع إلى خدمة يراها الناس. عند هذه النقطة فقط يصبح صندوق التنمية السوري أكثر من تقرير أول.
اقرأ أيضاً: من هو صفوت رسلان مدير صندوق التنمية السوري؟!









