سياسة

بين التأييد والتجاهل وغياب التطبيق: أين يقف القرار 2254 الخاص بسوريا؟

الكاتب: أحمد علي

في ليلٍ دامس من سنوات الحرب السورية، أضاء بصيص أمل أممي حمل الرقم 2254. قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في كانون الأول من العام 2015 مثّل خارطة طريق دولية لحل الأزمة في سوريا وإرساء سلامٍ طال انتظاره. مرّت الأعوام وتعاقبت الأحداث، وبينما ظلّ القرار 2254 الخاص بسوريا حاضراً في خطابات الساسة وعلى أوراق البيانات الدبلوماسية، فإن ترجمته على أرض الواقع بقيت مؤجلة. اليوم، وبعد تغيرات جذرية في المشهد السوري – سقوط سلطة بشار الأسد وتسلّم أحمد الشرع زمام السلطة – يعود الحديث عن هذا القرار ليتأرجح بين دعمٍ ظاهري، وإصرارٍ جاد، وتحوّلات في مواقف بعض الدول، وصولاً إلى دعوات السلطة السورية الجديدة لمراجعته وتحديثه.. فكيف بدأ مشوار القرار 2254؟ ومن أيّد تطبيقه فعلاً أو عرقله؟ ولماذا يبدو أنّ السلام الموعود لا يزال حبراً على ورق رغم الهالة الدولية حوله؟

القرار 2254 الخاص بسوريا: خارطة طريق نحو السلام الشامل

في 18 كانون الأول 2015، تبنّى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2254 الخاص بسوريا بوصفه خارطة طريق لحل سياسي ينهي الحرب. جاء القرار تتويجاً لجهود “مجموعة الدعم الدولية لسوريا” آنذاك، ليؤكد على عملية سياسية بقيادة سورية وبرعاية أممية تفضي إلى تشكيل حكم ذي مصداقية وغير طائفي يشمل الجميع. نصّ القرار على جدول زمني طموح: بدء مفاوضات رسمية بين النظام والمعارضة، وتشكيل هيئة حكم انتقالية خلال ستة أشهر، وصياغة دستور جديد، ثم إجراء انتخابات حرّة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة خلال 18 شهراً.

باختصار، وضع القرار 2254 أسس انتقال سياسي سلمي يعبّد الطريق أمام السوريين لتقرير مستقبلهم عبر صناديق الاقتراع، محافظاً في الوقت ذاته على وحدة سوريا وسيادتها.

لاقى القرار حين اعتماده ترحيباً واسعاً واعتُبر إنجازاً نادراً لوحدة المجتمع الدولي بشأن سوريا. فقد وافقت عليه كل الأطراف الدولية الفاعلة، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين، على أمل إنهاء حرب حصدت مئات الآلاف من الأرواح وأجبرت الملايين على النزوح. ورأى كثيرون فيه بارقة أمل جدية لإحلال السلام، خاصة أنه استند إلى بيان جنيف 2012 الذي وضع مبادئ الانتقال بتوافق بين القوى الكبرى. لكن ما بين إقرار القرار وتطبيقه مسافة شاسعة مليئة بالعقبات؛ فسرعان ما تعثرت محادثات جنيف اللاحقة، وتبادل النظام والمعارضة الاتهامات بالعرقلة. وأضحى القرار أشبه بوثيقة مرجعية يُذكّر بها نظرياً في كل اجتماع دولي حول سوريا، دون أن يترجم عملياً على الأرض.

تأييد غربي في العلن ومماطلة في الجوهر

على مدى سنوات الصراع، كررت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة دعمها المعلن للقرار 2254 الخاص بسوريا باعتباره السبيل الوحيد للحل. تصريحات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين تشدد مراراً على “تسوية سياسية وفق القرار 2254” في ظاهرها. حتى بعد التغيرات الأخيرة في سوريا، أصدرت واشنطن وحلفاؤها بيانات مشتركة تؤكد “الالتزام بعملية انتقالية بقيادة سورية وروح مبادئ قرار 2254”. بيد أن هذا التأييد بدا لكثير من المراقبين شكلياً أكثر منه فعلياً. فالمسار السياسي تعطل طويلاً دون ضغط جدي من الغرب لتفعيل القرار، بينما اتجهت الاستراتيجية الغربية نحو مقاربة “خطوة مقابل خطوة” في التعاطي مع دمشق، أي صفقات جزئية وإجراءات تدريجية بدلاً من التطبيق الشامل لخارطة الطريق الأممية.

بل إنّ محللين اعتبروا أن الدول الغربية تسعى ضمنياً لتمييع القرار 2254 وإفراغه من محتواه. إذ وأشار بعضهم إلى أن الخطوة الضرورية من وجهة نظر الغرب هي التدمير النهائي للقرار 2254 وفكرة الحل السياسي برمتها، واستبدالها بسلسلة صفقات جزئية تدريجية. وتجلّت بوادر ذلك في “لا ورقة تيليرسون” الأوروبية التي صاغتها ثماني دول من الاتحاد الأوروبي عام 2023، مقدمةً طرحاً للتطبيع المرحلي مع النظام بدلاً من تنفيذ انتقال شامل. ومع أن واشنطن وحلفاءها لم يصرّحوا علناً برفض القرار، إلا أن سياساتهم على الأرض عكست عدم اكتراث فعلي بفرض تطبيقه. فالجهود انصبت أكثر على محاربة تنظيم الدولة (داعش) وضبط/إنهاء نفوذ إيران، دون خطوات ملموسة لدفع النظام نحو التفاوض الجاد وفق 2254.

بعد انهيار سلطة الأسد في كانون 2024، بدا الموقف الغربي أكثر ارتباكاً. صحيح أن الولايات المتحدة ودولاً أوروبية شاركت في اجتماع العقبة بالأردن (14 كانون الأول 2024) وأكدت مجدداً دعمها للانتقال السياسي على أساس القرار 2254، لكن ما أعقب ذلك رسم صورة مختلفة. فوفق تقرير تحليلي متخصص، فإن شهور ما بعد سقوط النظام كشفت عن شهية دولية محدودة للمضي في عملية انتقال منمّطة وفق قرار 2254؛ حتى أن الدول الغربية والعربية وتركيا التي كررت شفهياً دعم القرار في قمة العقبة لم تأتِ على ذكره إطلاقاً خلال لقاءاتها الخاصة والعامة مع القيادة السورية الجديدة. وهذا التناقض بين الخطاب والتصرف عزز الانطباع بأن تأييد الغرب للقرار 2254 لا يعدو كونه “رفع عتب” دبلوماسي، بينما الإرادة السياسية لتطبيقه فعلياً غائبة.

روسيا والصين: دعم جاد لتنفيذ القرار

على الضفة الأخرى، تبنّت قوى كبرى كروسيا والصين موقفاً أكثر جدية في تبنّي القرار 2254 والدفع نحو تطبيقه. فمنذ اللحظة الأولى، رأت موسكو في القرار إطاراً شرعياً يضمن مصالحها عبر حل سياسي يحفظ وحدة سوريا ويكافح الإرهاب. وبعد أن دعمت النظام عسكرياً ودبلوماسياً طوال سنوات الحرب، حرصت روسيا على التأكيد – أقله علناً – أنها لا ترى بديلاً عن مسار جنيف والقرار 2254 كأساس للتسوية. وعلى امتداد الأعوام الماضية، ما انفكّ المسؤولون الروس يذكّرون بضرورة “حوار سوري شامل لتحقيق تسوية سياسية وفق مبادئ القرار 2254”. حتى بعد تغير المعادلة برحيل الأسد، شددت موسكو أمام مجلس الأمن على أن التطبيع والاستقرار الدائمين لن يتحققا إلا عبر حوار بين جميع السوريين يمضي بالتوافق مع جوهر 2254، مجددةً دعمها لدور الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص لإحياء عملية السلام.

أما الصين – التي تبدي اهتماماً متزايداً بقضايا الشرق الأوسط – فقد اتخذت موقفاً مشابهاً. بكين تدعو صراحةً إلى حل يقوده السوريون بأنفسهم في إطار روح ومبادئ القرار 2254. وترى الصين أن احترام سيادة سوريا ووحدتها أمر جوهري، وتؤيد بقوة أن يقرر الشعب السوري مستقبله بعيداً عن أي إملاءات خارجية. وفي إحاطة لمندوبها الأممي مع بدايات المرحلة الانتقالية الجديدة (كانون الثاني 2025)، أكدت الصين دعمها لدور أكبر للأمم المتحدة ومبعوثها الخاص في دفع الحوار السياسي الشامل، وحثّت جميع الأطراف السورية على الانخراط فيه انطلاقاً من المصلحة الوطنية البعيدة المدى.

لا يخفى أن روسيا والصين، بصفتهما قوتين دوليتين تتمتعان بحق النقض في مجلس الأمن، تملكان أوراق ضغط مهمة لضمان عدم الالتفاف على القرار 2254. فقد حالتا سابقاً دون صدور قرارات تُفرض تغيير النظام بالقوة، وأصرتا على مبدأ الحل عبر التفاوض. كما أن مسار أستانا الذي رعته موسكو بمشاركة أنقرة وطهران، اعتبر منصة موازية لدعم تنفيذ القرار 2254، لا سيما فيما يتعلق بوقف إطلاق النار وتثبيته على الأرض.

تركيا: من دعم القرار إلى غيابه عن الطرح

لعبت تركيا دوراً محورياً في الملف السوري منذ اندلاع الثورة. فهي دعمت المعارضة سياسياً وعسكرياً، واستقبلت ملايين اللاجئين، وانخرطت في مسارات التفاوض كافة. وفيما يتعلق بالقرار 2254 الخاص بسوريا، أيدت أنقرة بقوة مضمونه واعتبرته إطاراً يضمن تمثيل كافة أطياف الشعب السوري في أي حل مستقبلي. شاركت تركيا في مسار أستانا إلى جانب روسيا وإيران باعتباره مكمّلاً لجهود الأمم المتحدة، وأعلنت مراراً أنها “تدعم الحل السياسي وفق 2254” رغم اختلافها مع موسكو وطهران حول مصير الأسد.

عند سقوط سلطة الأسد، سارعت أنقرة إلى التكيف مع الواقع الجديد. أعادت فتح سفارتها في دمشق خلال أيام، وساندت تشكيل سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع. وخلال قمة العقبة المشار إليها، وقّعت تركيا إلى جانب قوى غربية وعربية بياناً يشدد على أن أي عملية انتقالية يجب أن تكون شاملة وغير طائفية وبموجب مبادئ قرار 2254. ظاهرياً، ظل الموقف التركي متناغماً مع الإجماع الدولي على أهمية القرار.

إلا أن متابعة أنقرة كشفت عن تغيير ملحوظ في تعاطيها مع القرار 2254، فهي لم تأتِ على ذكره قط منذ سقوط الأسد وحتى لحظة كتابة هذا المقال، ومن يعود إلى اللقاءات التي جرت بين الوفود التركية المتنوعة والسلطات الجديدة في دمشق يلاحظ وجود غياب كامل لطرح القرار وتنفيذه.

وفي دوائر السياسة التركية ضمنياً يجري التركيز على ملفات ثنائية كأمن الحدود وملف اللاجئين بدلاً من التذكير العلني بالمسار الأممي.

السلطة السورية الجديدة والقرار 2254: تحديث أم طي صفحة؟

في خضم هذه التجاذبات الدولية، يبرز موقف السلطة السورية ذاتها من القرار 2254 بوصفه عاملاً مهماً. فبعد عقود من حكمٍ استبدادي، تجد سوريا نفسها بقيادة جديدة متمثلة بـالرئيس أحمد الشرع تقف أمام تحدي بناء دولة ما بعد الأسد. هذه السلطة ورثت قراراً دولياً يدعو لانتقال متفاوض عليه مع نظام أصبح بحكم المنتهي. لذا ليس غريباً أن يبدي الرئيس وفريقه تحفظاً على التقيّد الحرفي بصيغة القرار 2254 التي وُضعت حين كان النظام قائماً.

خلال لقاء جمع الرئيس أحمد الشرع بالمبعوث الأممي غير بيدرسون في دمشق بعد أيام من سقوط النظام (15 كانون الأول 2024)، نُقل عن الشرع تشديده على “ضرورة إعادة النظر في القرار 2254 نظراً للتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي”، معتبراً أنه من الضروري تحديث القرار “ليتلاءم مع الواقع الجديد”. بكلمات أخرى، تقول القيادة السورية الجديدة إن القرار بشكله الأصلي بات بحاجة للتعديل بعد أن أُزيح النظام السابق بفعل القوة الثورية لا عبر التفاوض.

الشرع أبدى إيجابية حيال تنفيذ عملية انتقال سياسي الآن بعد زوال حكم الأسد، لكنه أوضح لبيدرسون أن الظروف تغيّرت وعلى المجتمع الدولي تفهّم ذلك. فبعض بنود القرار 2254 – كالتفاوض بين وفدي النظام والمعارضة لتشكيل حكم مشترك – لم تعد ذات موضوع بعدما انهار طرف المعادلة الأول كلياً. من هذا المنطلق، دعا الشرع إلى تحديث خارطة الطريق الأممية بحيث تعكس الواقع الجديد: سلطة انتقالية شكلتها قوى الثورة.

وأكدت القيادة العامة السورية في بيان رسمي عقب اللقاء أن الشرع شدّد على أهمية “التعاون السريع والفعال” مع الأمم المتحدة لمعالجة التحديات، والتركيز على إعادة إعمار البلاد وتحقيق التنمية الاقتصادية مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. لكنه في الوقت عينه نبّه إلى ضرورة توخّي الحذر في مراحل الانتقال وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة لضمان بناء نظام قوي وفعّال. ويفهم من سياق التصريحات أن السلطات الجديدة لا تريد اندفاعاً غير محسوب يتيح للفوضى أن تعمّ أو لفراغٍ سياسي أن ينشأ.

هذا الموقف أثار تبايناً في الآراء داخل وخارج سوريا. بعض السوريين – ممن عانوا خيبة أمل طويلة من الوعود الدولية – رحّبوا بتأكيد الشرع على “أن السوريين باتوا يمسكون زمام عملية الانتقال وحدهم”. وعلى سبيل المثال، قال عزمي بشارة تعليقاً على قمة العقبة إن دور المجتمع الدولي في تنفيذ القرار 2254 انتهى فعلياً بسقوط النظام، ولم يعد هناك حاجة لما يسمى بالشرعية الدولية في مسألة نقل السلطة. ورأى بشارة أن قوى الثورة المنتصرة هي التي تقود المرحلة الانتقالية الآن، وبالتالي ينبغي أن تكون العملية “مبادرة سورية” في جوهرها، دون تدخلات خارجية. وهذا الرأي يتقاطع مع توجه الشرع الساعي إلى تقليل التأثير الخارجي والتركيز على حوار داخلي بين الفصائل والشخصيات السورية لوضع ترتيبات ما بعد الأسد.

في المقابل، يرى آخرون أن تنحية القرار 2254 بالكامل قد تكون خطوة خطرة. فالمجتمع الدولي وإن تأخر تحركه، يبقى الضامن لإشراك جميع الأطراف وضمان عدم انفراد جهة واحدة بالسلطة. ويحذّر هؤلاء من أن إقصاء الدور الأممي قد يقود إلى “سلام المنتصرين” بدل السلام المستدام الشامل. كما أن استعجال قطف ثمار النصر دون خارطة طريق متفق عليها قد يزرع بذور صراع جديد. لذلك يُطرح بديل وسط يتمثل في استصدار قرار أممي جديد يقرّ بالمعطيات المستجدة (انهيار النظام وتشكّل سلطة انتقالية أمر واقع)، ولكنه أيضاً يضع معايير لالتزام هذه السلطة بنهج تشاركي وديمقراطي. بالفعل، يُنقل عن دبلوماسيين غربيين تزايد القناعة بضرورة قرار دولي معدل يحدد توقعات المجتمع الدولي من حكومة الشرع الحالية، بما في ذلك خطوات للمشاركة السياسية وحماية حقوق الإنسان والتعامل مع تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية. مثل هذا القرار (إن صدر) قد يكون “2254 الجديد” الذي يحفظ مبادئ الحل السياسي لكن يكيّفها مع واقع أن النظام السابق بات ماضياً.

في المحصلة، يقف القرار 2254 الخاص بسوريا اليوم على مفترق طرق: الغرب يذكره كلاماً أكثر مما يفعل، وروسيا والصين تؤكدان التمسك به وإن لأهدافهما، وإيران تدعمه ضمنياً ضمن إطار ضمان نفوذها، وتركيا تصمت، ربما إلى حين، لكنها تصمت الآن حياله، فيما السلطة السورية الجديدة ترى وجوب تحديثه.

يبدو أن القرار بات اليوم -وكما كان دائماً- صراع إرادات بقدر ما هو خلاف على تفسير مرحلة جديدة. وبين التأييد الشكلي والتجاهل العملي، يبقى الشعب السوري أكثر من يدفع ثمن التأخير في تحويل بنود ذلك القرار الأممي إلى حقائق تعيد السلام والكرامة إلى بلده. أنهت التطورات الفصل القديم وأسقطت رأس النظام، لكن أسئلة الانتقال والمصالحة وبناء دولة لجميع مواطنيها ما زالت تنتظر إجابات صادقة. فهل يكون القرار 2254 – بصيغته الأصلية أو المعدلة – جزءاً من تلك الإجابات أم مجرد ذكرى من الماضي؟ وحدها الشهور والسنوات المقبلة كفيلة بكشف ذلك، على أمل ألا يُسجَّل في التاريخ كمشروع سلام توافق عليه العالم ثم أهمله العالم!

اقرأ أيضاً: رامي الشاعر: كفى مماطلة يدفع ثمنها الشعب! تطبيق القرار 2254 وإجراء حوار سوري سوري فوراً هو الحل الوحيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى