
بقلم: ريم ريّا
مع بداية عام 2026، بات السوري يحمل الليرة الجديدة.. لكنه لا يحمل ماله!. الحسابات موجودة، الأرصدة مسجلة، والوعود معلنة، لكن الوصول إلى النقد أصبح رحلة انتظار. حذف صفرين من العملة لم يحذف القلق من حياة السوريين، ولم يفتح أبواب المصارف في سوريا كما كان مأمولاً.
بين موظف لم يقبض، ومتقاعد ينتظر، وصناعي لا يستطيع سحب أمواله، تتكشف أزمة تتجاوز التسمية النقدية إلى جوهر النظام المالي نفسه، سيولة شحيحة وثقة مفقودة، وسوق يدفع الثمن يوماً بعد يوم. كل ذلك يفتح الباب على مصراعيه لأسئلة تكاد تأكل رأس المواطن في هذه البلاد، أولها “إذا كانت المصاري بالحسابات، ليش غايبة عن حياة الناس؟“.
فهل نحن أمام نقص في النقد أم انسداد في النظام؟، وكيف تحوّل الراتب من حق شهري إلى انتظار مفتوح!. والسؤال الأبرز: هل أزمة السيولة مؤقتة أم أنها أصبحت واقعاً دائماً؟ سنحاول إيجاد الإجابات في المقال.
نقص السيولة “أزمة الممتدة”… فما الحكاية الآن؟
أزمة السيولة في سوريا اليوم لا تعني ببساطة “ما في مصاري”، بل تعني أن المال موجود لكن في المكان الخطأ. وفق تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي “عبد القادر حصرية“، يبلغ حجم النقد المتداول خارج النظام المصرفي نحو 42 تريليون ليرة سورية، أي ما يقارب 13 مليار قطعة نقدية، مقارنةً بنحو تريليون ليرة فقط عام 2011.
هذا التضخم الهائل في حجم النقد خارج البنوك يعكس واقعاً واضحاً، المواطن والتاجر والصناعي لم يعودوا يثقون بأن أموالهم ستكون متاحة عند الحاجة، فيفضلون الاحتفاظ بها نقداً بدل إيداعها المصارف. في المقابل، تعاني المصارف من نقص حاد في السيولة النقدية، وليس السيولة المصرفية المسجلة على الورق.
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور “محمد تيسير الفقيه”، أن السيولة النقدية المتاحة داخل البنوك السورية لا تتجاوز حالياً 15 إلى 20% من إجمالي الودائع، وهي نسبة أقل بكثير من المعايير النقدية العالمية التي تتراوح بين 30 و40%. هذا الفارق الكبير يجعل المصارف غير قادرة على تلبية طلبات السحب الواسعة، ويجعل أي تحرير مفاجئ للسحوبات خطراً قد يؤدي إلى سحب جماعي وانهيار مصرفي.
من هنا، تبرر إدارة المصرف المركزي استمرار القيود على السحب بأنها إجراء وقائي لمنع انهيار النظام المصرفي، لا سياسة تعسفية. الحصرية نفسه أكد أن المشكلة ليست في ضخ العملة فقط، بل في عودتها إلى النظام المصرفي، محذراً من أن الاحتفاظ بالنقد خارج البنوك يؤدي إلى تفريغ المصارف من السيولة، ويقوض قدرتها على تمويل النشاط الاقتصادي. إلا أن هذا التبرير يصطدم بواقع يومي قاسٍ، حيث تتحول القيود من إجراء مؤقت إلى حالة دائمة، وتُستخدم لحبس السيولة بدلاً من إدارتها بالتدريج.
تزداد الأزمة تعقيداً مع عامل التضخم، فعلى الرغم من تراجع معدلاته نسبياً خلال 2025، إذ بلغ التضخم الإجمالي نحو 46.7% مقارنةً ب 119.7 في العام الذي سبقه، إلا أن مستوياته ما تزال مرتفعة، ما يجعل أي ضخ غير منضبط للسيولة خطراً على الأسعار والقيمة الشرائية. هذا الواقع يدفع بالمركزي، إلى تشديد قبضته النقدية، لكنه في الوقت نفسه يخنق التدفق النقدي في السوق، ويضع الاقتصاد في حالة انكماش صامت.
بكلمات أبسط، أزمة السيولة الحالية هي نتيجة تراكب ثلاثة عوامل: اكتناز واسع للنقد خارج المصارف، ضعف فعلي في السيولة النقدية داخل البنوك، وسياسات تقييدية تهدف إلى منع الانهيار لكنها تعمّق الركود. وبين هذه العوامل، يقف المواطن في المنتصف، يملك رصيداً لا يستطيع سحبه، وسوقاً لا تتحرك لأن المال لا يصل إليها.
اقرأ أيضاً: أزمة السيولة في سوريا مستمرة.. هل تتولى العملة الجديدة الإنقاذ؟
لماذا يشعر الجميع اليوم بهذه الأزمة!
السؤال اليومي في حياة السوريين منذ فترة، ليس لماذا توجد أزمة سيولة، بل لماذا تشتد الآن بهذا الشكل، ولماذا انعكاسها أصبح مباشراً ويومياً على حياة الناس؟. في الحقيقة الإجابة تبدأ من مرحلة ما بعد إطلاق العملة الجديدة، حيث دخلت السياسة النقدية مرحلة انتقالية حساسة ترافقت مع تشديد واضع في إدارة النقد.
فالمصرف المركزي، في ظل استبدال العملة خلال فترة حُددت بنحو 90 يوماً قابلة للتجديد، اتجه إلى سحب كميات كبيرة من النقد القديم من التداول بوتيرة أسرع من إعادة ضخ العملة الجديدة، ما خلق فجوة نقدية ملموسة في السوق، خصوصاً على مستوى الفئات الصغيرة والمتوسطة الضرورية للحياة اليومية.
في ذات الوقت، لم تُحرر السحوبات المصرفية كما كان يأمل الكثيرون بعد إطلاق العملة، بل بقيت القيود قائمة. فأصبح هناك تراكم مزدوج للأزمة، نقد يسحب من السوق عبر الاستبدال، ونقد لا يضخ عبر المصارف. هذا الإشكال جعل السيولة المتاحة للتداول اليومي أقل من حاجة السوق الفعلية، وهو ما انعكس مباشرةً على صرف الرواتب، فباتت الأولوية في كثير من الفروع لتغطية الرواتب الحكومية على حساب حقوق المودعين الآخرين، وفق ما أشارت إليه عدد من التقارير والتحليلات الاقتصادية المحلية.
المتقاعدون الحلقة الأضعف في هذه الإشكالية.. والصناعيون يشتكون
في مهب أزمة السيولة، يقف المتقاعد كأضعف حلقاتها وأكثرها هشاشة، هذه الفئة لا تملك ترف الانتظار ولا هامش المناورة. دخلها محدود وثابت، وغالباً لا مصدر آخر سوى المعاش التقاعدي. وحين يتأخر الراتب أو يُجزأ ويحدد بسقف معين يصبح الأمر مسألة معيشة يومية لا مسألة إدارية. فالمتقاعد لا يستطيع تأجيل دوائه، ولا تقليص فاتورة الكهرباء، ولا الدخول في لعبة السوق السوداء بحثاً عن السيولة. فالقيود المصرفية مهما كانت مبرراتها تضرب هذه الفئة بشكل مباشر في قدرتها على الاستمرار.
ورغم أن شكوى الصناعيين وأصحاب المشاريع الكبيرة، تأخذ طابعاً مختلفاً، لكنه لا يقل خطورة. فرأس المال موجود في الحسابات، لكن الوصول إليه محكوم بسقوف سحب وإجراءات تجعل إدارة العمليات اليومية أكثر تعقيداً. فهذا التعطيل في التدفق النقدي يربك خطط الإنتاج، ويؤخر العقود، ويزيد تكلفة التشغيل.
هكذا تتسع دائرة التأثير، المتقاعد يتضرر لأنه راتبه لم ينزل بعد، والصناعي يتضرر لأنه لا يستطيع سحب وتشغيل أمواله بحرية. ليقف الاقتصاد في حالة شلل جزئي، حيث المال مسجل في الدفاتر، لكنه لا يتحرك بما يكفي ليحفظ التوازن الاجتماعي والإنتاجي.
الخبراء الاقتصاديون يحذرون من تفاقم هذه الإشكالية، إذ قال الخبير الاقتصادي “جورج خزام“، “إن تقييد سحب الأموال من المصارف هو امتداد للسياسات المالية الفاشلة للنظام السابق وتشويه لسمعة المركزي، وخاصة بأنها تصدر من قبل المصرف المركزي الذي من المفترض أن يكون أكثر الجهات و الأماكن أمان للمدخرات“، ويضيف “أن تجميد مدخرات المواطنين وأماناتهم بغرض منع سعر صرف الدولار من الارتفاع هو توزيع للتضخم النقدي على المودعين بسبب فشل سياسة دعم وزيادة الإنتاج القابل للتصدير و البديل عن المستوردات”.
وبرأي خزام، إذا كان عدم إتلاف الليرة القديمة التي تم استبدالها مع تسليمها لكل من لديه رصيد مجمد بالمصارف مع دفع كل رواتب الموظفين المتأخرة هو الحل الأخير عندما انتهت كل الحلول، فإن ذلك أفضل من تجميد الأمانات بالمصارف وحرمان أصحاب الحق من صرف وتشغيل أموالهم بالسوق، وفي حال ارتفاع سعر صرف الدولار عندها، فإنه سوف يكون أمراً حتمياً. ولكنه “الحقيقة المؤجلة” برأي خزام، التي تكشف تراجع القوة الشرائية لليرة مع إظهار حقيقة السياسة الاقتصادية الفاشلة حسب تعبيره، القائمة على الإغراق بالمستوردات بدلاً من دعم الإنتاج وحمايته بالسوق.
بالمحصلة، أزمة السيولة اليوم في سوريا ليست لغزاً غامضاً، بل نتيجة توازن مختل بين حماية الاستقرار النقدي وضمان حق الناس بأموالهم. في الحقيقة الأرقام واضحة، سيولة نقدية داخل البنوك لا تتجاوز 15 – 20 % من الودائع، مقابل كتلة ضخمة من النقد خارجها، وتضخم رغم تراجعه النسبي مرتفع.
أمام هذه المعادلة، يقف المواطن السوري “متقاعداً، موظفاً، صناعياً“، في انتظار أن يتحول الرصيد من رقم على الشاشة إلى نقد في اليد. لنكن واقعيين استعادة الثقة لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل بإعادة فتح الدورة النقدية بشكل تدريجي وشفاف، لأن الاقتصاد لا يعيش على الوعود، بل على حركة المال في السوق.









