المجتمع السوري

بين الإنكار والممارسة.. كيف تتشكل العنصرية في المجتمعات؟

بقلم: ريم ريّا

العنصرية كلمة تتردد على مسامعنا كثيراً، خصوصاً في فترات الحرب. تعد من الظواهر الاجتماعية المركبة التي تتخذ أشكالاً متعددة داخل المجتمعات العربية، وغالباً ما تتخفى خلف مسميات ثقافية أو اجتماعية وحتى سياسية. بالرغم من الخطاب السائد الي ينفي وجودها ويختزلها في حالات فردية، لكن الوقائع اليومية تكشف عن أنماط متكررة من الإقصاء والتمييز على أساس العرق أو الدين وصولاً للانتماء الاجتماعي والانتماء إلى منطقة معينة.

في السياق السوري، تتقاطع العنصرية مع تاريخ طويل من البنى التقليدية، وتعززت نتيجة التحولات العنيفة التي شهدها المجتمع السوري خلال السنوات الماضية وتحديداً في العقد الأخير. كل هذا يفرض علينا ضرورة دراسة التشققات العميقة التي أصابت النسيج الاجتماعي في البلاد وأودت إلى تفشي ظاهرة العنصرية. في هذا المقال سنوضح الأمور بعيداً عن التعميم أو الاتهامات المسبقة.

من أين نبعت العنصرية في المجتمعات العربية وسوريا خاصةً!

المجتمع السوري جزء لا يتجزأ من المجتمعات العربية، يشترك ويتقاطع معها بالعادات والتقاليد مع الاحتفاظ ببعض التباين في السلوكيات تبعاً لعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية وتركيبة السكان وانتماءاتهم وقومياتهم. فبالتالي يتأثر المجتمع السوري بالظواهر التي تتأثر بها المجتمعات العربية، ومنها العنصرية.

تلك الظاهرة التي نبعت في المجتمعات العربية بفعل تداخل عوامل تاريخية وثقافية وبنيوية، أبرزها تراتبية الانتماءات على أساس الأصل أو الدين أو المنطقة. وتحول هذه الفوارق مع مرور الزمن إلى أدوات فرز اجتماعي غير معلنة. غالباً ما يتم تبريره بخطاب ثقافي أو أمني أو أخلاقي وربما تستتر هذه الممارسات خلف ستار المظلوميات التي تعمد بعض القوى إلى تعويمها على السطح خدمةً لمصالحهم لا خدمة لمصالح الفئة المشمولة بالمظلومية. بينما تُنتج على أرض الواقع وبشكل عملي في صورة إقصاء أو تمييز رمزي أو مادي.

في الحالة السورية، لم تكن العنصرية ظاهرة طارئة بل آفة دفنت وزرعت بالخفاء في تربة النسيج الاجتماعي السوري على مر سنواتٍ طويلة. وتشكلت بشكل تدريجي ضمن سياسات مركزية طويلة الأمد عمقت الفجوات بين أبناء المجتمع، وأولها الفجوة بين الريف والمدينة، المستمرة حتى اليوم. فنتيجة ممارسات السلطة السابقة وتراكم نماذج اجتماعية سادت لسنوات عديدة في سوريا بفعل الاهمال المتعمد للأرياف بشتى الجوانب والتهميش المقصود للكفاءات هناك، وتنمية المدن على حساب الأرياف، وتصوير الريف بصورة رجعية ومتخلفة بنقيض الصورة الأصلية له، وأن المدينة وحدها من يحتضن الحضارة والتقدم. فترسخ بذلك تصنيفات اجتماعية غير متوازنة وغير صحيحة أسهمت بشكل أو بآخر بتشكل العنصرية تجاه ابن الريف باختلاف المحافظة والمنطقة التابع لها، إلى جانب التمييز بناءً على الانتماء إلى محافظات معينة، مما أوجد تصنيفات غير متكافئة للمواطنة.

في السياق ذاته، أضاء تحقيق للصحافي الأميركي روبرت وورث عام 2012 على جانب من هذا الخطاب، من خلال توثيقه تعبيرات صريحة تنطوي على ازدراء اجتماعي وعرقي وديني (طائفي) بحق شرائح واسعة من السوريين، جرى تصويرها بوصفها أقل تحضراً أو غير صالحة للشراكة الوطنية.

أما مع اندلاع الحرب، خرجت هذه التصورات من حيّز الخطاب الضمني إلى ممارسات علنية، أسهمت فيها السلطات السابقة وأطراف الصراع المختلفة حينها، سواء عبر السياسات الأمنية أو عبر الخطاب الإعلامي والديني.

في هذا السياق، تعرضت جماعات بعينها، من ضمنها البدو في سوريا، لنبذ اجتماعي قائم على صور نمطية متجذّرة، ربطت بينهم وبين التخلف أو الهامشية وما تزال هذه الصورة المشوهة كغيرها قائمة حتى هذه اللحظة، ما جعلهم وغيرهم من الجماعات “المصنفة” عرضة للتهميش المزدوج، اجتماعياً وسياسياً، ضمن بنية عنصرية أوسع أعادت الحرب إنتاجها وتكريسها واستمرارها إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: رحلة خطاب الكراهية.. تبدأ بكلمة وتنتهي برصاصة

أثر العنصرية في المجتمع السوري

لنكن واضحين أمام تأثير العنصرية في المجتمع السوري، فالعنصرية كظاهرة في المجتمعات لا تعمل بوصفها انحرافاً أخلاقياً فحسب، بل كآلية تفكيك بطيئة تطال الثقة العامة، وتعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس التراتبية والشك بالوطنية وبالصبغة الدينية أو الانتماء، وبالتالي الإقصاء. فهي تضعف مفهوم المواطنة المتساوية، وتحول الانتماءات الأولية إلى أدوات حماية أو تهديد، ما يؤدي إلى تآكل التضامن الاجتماعي وشرعنة التمييز انطلاقاً من فرص العمل، والتعليم، والخدمات وحتى العدالة.

مع الوقت، تنتج العنصرية خطاباً يبرر الفقر والتهميش والعنف بوصفها نتائج “طبيعية” لاختلافات “مفترضة ومزروعة” بين الجماعات، مما يخلق بيئة خصبة لتصاعد الكراهية والعنف الرمزي أولاً ثم المادي. ما يساهم في إعادة إنتاج الأزمات بدلاً من معالجتها.

في المجتمع السوري على وجه الخصوص، أدت العنصرية إلى تفكيك النسيج السوري، فقد ترافقت مع سياسات سلطوية طويلة بدأت منذ زمن واشتدت عند تولي حزب البعث لمقاليد الحكم عام 1963، ما عزز الانقسام بين المركز والأطراف، ورسخت تصنيفات غير متكافئة للانتماء الوطني تخدم توجهات الحزب آنذاك وتساعده في تثبيت حكمه وإطباق السيطرة على البلاد، متجاهلاً نتائج تلك السياسات وانعكاسها على الشعب.

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، تحولت هذه البنى الكامنة إلى واقع ملموس، فبرزت هويات مغلقة لم تظهر من العدم، وانتشر خطاب التخوين والتجريم الجماعي والإقصاء والنبذ. وساهمت العنصرية وما تزال تساهم حتى اليوم في تبرير العنف الواسع، وتطبيع ممارسات التمييز والحرمان على أسس عرقية أو دينية أو مناطقية، وأضعفت إمكانية المصالحة المجتمعية.

كل تلك العوامل، جعلت آثار العنصرية تمتد حتى بعد انتهاء الصراع، وها هي الآن من أخطر العوائق أمام بناء مجتمع سوري قائم على العدالة والمساواة.

جدل النصوص الدستورية وتكريس العنصرية

كون الدستور قمة الهرم القانوني في أي بلد، فهل أنصفت النصوص الدستورية الشعب السوري بمختلف مكوناته وانتماءاته وقومياته في يومٍ من الأيام؟

في الحقيقة، في فترة حكم البعث (1963 – 2024) وحتى اليوم وبعد عامٍ على التحرير، ساهمت النصوص الدستورية السورية في تكريس بنية عنصرية مؤسسية عندما عرّفت هوية الدولة والمجتمع من منظور قومي أحادي في زمن حكم البعث والأسد، متجاهلةً واقع التعدد القومي القائم فعلياً.

نص دستور عام 2012، خلفاً لدستور عام 1973، النافذ بعد الجدل القائم حول وضعه، في ديباجته على أن الشعب في سوريا “جزء لا يتجزأ من الأمة العربية”، وأكدت المادة الأولى هذا التوجه، بينما اكتفت المادة التاسعة من الدستور ذاته بالنص على حماية التنوع الثقافي بوصفه “تراثاً وطنياً”، دون أن يقترن ذلك بأي اعتراف دستوري فعلي بالمكونات القومية غير العربية أو بحقوقها اللغوية والثقافية.

أما اليوم وفي الإعلان الدستوري لعام 2025، ورغم إعادة التأكيد في المادة الرابعة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ونص المادة العاشرة على مبدأ المساواة وعدم التمييز، بقيت هذه المبادئ عامة ومجرّدة، ولم تعالج جوهر الإشكالية المتمثلة في غياب الاعتراف الصريح بالتعدد القومي للشعب السوري. ما أبقى الباب مفتوحاً أمام استمرار التمييز بصيغ قانونية وممارساتية مختلفة.

أمام ما سبق ومن خلاله، يتضح أن التعامل مع العنصرية في سوريا يبدأ من رأس الهرم القانوني في البلاد، وذلك بإصدار دستور جامع وواضح ببنوده ولا يختزل الدولة بجهة معينة ويتغاضى عن القوميات المكونة لها ولغتهم وعاداتهم. ثم يتم إصدار قانون صارم ورادع ضد كل أشكال العنصرية وتجلياتها، يتضمن عقوبات رادعة ومعالجة بذات الوقت.

لكن بالرغم من أهمية الخطوات القانونية في تجريم التمييز، لكنها غير كافية، إذ تتطلب مساراً موازياً يعالج البنى الاجتماعية والثقافية التي غذت الإقصاء لعقود، بدءاً من إصلاح المناهج التعليمية، وإصلاح وضبط الخطاب الإعلامي لاسيما كونه اليوم يعمق العنصرية ومن شاشات رسمية بدلاً من محاربتها. وصولاً إلى تفكيك الصورة النمطية المتجذرة في الحياة اليومية.

بالمحصلة، صحيح أن القانون يضع الإطار الناظم، لكنه لا يمنع العنصرية ما لم يُدعم بممارسات مجتمعية واعية ومُراقبة من قبل السلطات المختصة، تعيد تعريف الانتماء الوطني على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف الحقيقي بالتنوع بوصفه عنصر قوة لا عامل انقسام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى