المجتمع السوري

بين استغلال الراكب وضياع السائق .. أين حلقة التكاسي المفقودة في دمشق؟

بقلم: ديانا الصالح

نظّم عدد من سائقي ومالكي سيارات الأجرة العمومية في دمشق وقفة احتجاجية على ما وصفوه بالتدمير الممنهج لمهنتهم ومصدر رزقهم، مطالبين بتنظيم قطاع النقل السوري وإنصافهم في ظل الواقع الاقتصادي المتردي وتدهور المعيشة.

وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: ما هي الحلقة المفقودة لسد الفجوة بين المحافظة على لقمة عيش السائقين وحماية حق الركاب في الحصول على وسائل نقل آمنة بأسعار تناسب قدرتهم الشرائية؟

للمزيد من التفاصيل حول أزمة التكاسي العمومية في دمشق، تابع مقالنا التالي..

إضراب التكاسي العمومية في دمشق

يوضح السائقون مطالبهم ضمن بيان متداول لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تتمحور حول تنظيم عمل تطبيقات النقل التي تجاوز عددها 16 تطبيقاً، والوقف الفوري للسيارات الخاصة غير القانونية، ومنع مزاحمة التكاسي داخل المدينة من قبل سيارات الخطوط الخارجية المخالفة لمبدأ الالتزام بالكراجات المخصصة لها.

كما تضمنت بنود البيان مطالبات بوضع حد لتعدي السيارات الصفراء التي تحمل لوحات خاصة أو مؤقتة على مهنة التكاسي، ومنع ظاهرة الدراجات النارية التي تعمل في نقل الركاب، إلى جانب الحد من سوء معاملة البعض من أفراد شرطة المرور، مؤكدين أن الفوضى الحالية تهدد لقمة عيش أكثر من 125 ألف عائلة، وتقود القطاع للانهيار.

وبناءً على ماسبق، أيّد المدير العام لمؤسسة نقل الركاب عمر قطان مطالب السائقين، بوصفها محقةً وسط ما يشهده قطاع النقل من عدة تحديات، أبرزها انتشار ظاهرة النقل غير المصرح به وارتفاع عدد التطبيقات.

ويؤكد القطان توجه الجهات المعنية إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات على المدى القريب لتنظيم قطاع النقل وإنصاف عامليه، ضماناً لتحقيق مبدأ العدالة وتحسين جودة الخدمات للمواطنين.

في المقابل، تتباين آراء المواطنين بين مؤيد للإضراب والمطالبات ومعارض، حيث يرى البعض أن تكاسي العمومي ذات خبرة أوسع في الاتجاهات وطرقات البلد، فضلاً عن ضعف الإنترنت الذي يعطي الأفضلية للطلب التقليدي وفقاً لرأيهم.

بينما يعرب آخرون عن تأييدهم المطلق لبقاء تطبيقات النقل الذكي لما توفره لهم من أمان عبر تتبع الخطوات بدقة، إضافة إلى التسعيرة المريحة دون مفاصلات مرهقة للقدرة الشرائية المنهكة أصلاً، فضلاً عن حسن المعاملة والاحترام وفقاً لرأيهم.

وفي هذا السياق، تقول مها الخطيب “لسوريا اليوم 24”: “تجربتي مع السيارات الخصوصية إيجابية جداً فهي أفضل من العمومي بمختلف النواحي، خاصة من حيث الأسعار والأمان وتوفير الوقت والجهد إضافة إلى التحديد المسبق للأجرة”.

وتشير مها إلى الاختلاف الكبير في الأسعار، بقولها: “طلبت (إحدى الشركات) من باب منزلي ولم تتجاوز الأجرة 20 ألف ليرة سورية، لكنني اضطررت عند العودة لركوب سيارة أجرة عمومية للمسافة ذاتها فتقاضى السائق مني 35 ألف ليرة”.

تحوّل اجتماعي

يرى المحلل الاقتصادي حسام الخطيب في تصريح سابق أن تزايد الاعتماد على التطبيقات يمثل تحولاً اجتماعياً فرضته المعيشة، مؤكداً أن هذه الظاهرة ليست إلا مرآةً حقيقيةً للأزمة الاقتصادية إلى جانب كونها تعكس التحول نحو التطور التقني.

ويوضح الخطيب أن التطبيقات وجدت مساحة داعمة لانتشارها في ظل الفجوة بين بحث المستخدمين عن الخيارات الأرخص والأسرع ومكافحة سائقي العمومي للبقاء، بالتالي يمكن القول استناداً لرؤية الخبير أن الوضع المعيشي والبحث عن لقمة العيش عامل مشترك يجمع الركاب والسائقين على وجع واحد.

مظلومية أم مطالب محقة؟

يعاني سائقو التكاسي العمومية في دمشق خصوصاً وسوريا عموماً من ارتفاع التكاليف التشغيلية لا سيما بالنسبة لأجور الصيانة وقطع الغيار وغلاء أسعار الوقود، فضلاً عن غياب المنافسة العادلة مع السيارات الخاصة المخالفة للقانون مقابل التزام السائقين التقليديين بدفع الرسوم والضرائب.

وتشير قراءات تحليلية إلى انخفاض الدخل اليومي للسائق من 150 ألف ليرة سورية تقريباً قبل نيسان 2025، إلى أقل من 50 ألف ليرة في الوقت الحالي، في ظل تراجع أعداد الركاب بشكل كبير نتيجة للوضع المعيشي الصعب وغلاء الأسعار الجنوني.

كما أن المعاملة الجائرة لعناصر شرطة المرور -كما وصفها السائقون-، تضيق الخناق عليهم وتزيد من أعبائهم، حيث يُسمح للسيارات الخاصة التي باتت معروفة من علامة الفانوس بالدخول والتوقف أينما شاؤوا، بينما تُمنع التكاسي العمومية في دمشق من ذلك وفقاً لشهاداتهم.

في المقابل، يبحث الركاب عن أرخص البدائل نتيجة لضعف القدرة الشرائية وتآكل قيمة الأجور بفعل التضخم، وهذا حق مشروع أيضاً فقد أكدت تقارير أممية أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر بعد الحرب والتدهور الاقتصادي. علاوة على ذلك، فإنّ التكاسي – وفقاً للذين يفضلون التطبيقات عليها – لا تلتزم بالعداد، وتعمل على مبدأ “قنص الزبون”، ما يجعل الجميع غير راضٍ عن الرحلة معهم، فهذا الوضع لا يمكن أن يستمر دون الاهتمام به، ولا يمكن بأي حال تخطيه عند بحث الموضوع ككل.

وإلى ذلك، يوضح برنامج الأغذية العالمي عبر تقريره الشهري الصادر في 15 آذار 2026، الارتفاع الكبير في مؤشر أسعار الأغذية ضمن مدينة دمشق، والذي وصل إلى نسبة 34% في العام الماضي (آذار 2025)، مقابل استقرار الحد الأدنى للأجور والرواتب الشهرية عند 450 ألف ليرة أي نحو 30 دولار، مع الإشارة إلى أن الحد الأدنى للأجور قد ارتفع في 2026 ليصبح 12,560 ليرة سورية جديدة (1256000 ليرة سورية قديمة).

تجسد هذه المعطيات الرقمية حجم المعاناة التي يتشاطرها السائقون والركاب على حدّ سواء، فالدخل اليومي للسائق الذي لا يتجاوز 50,000 ليرة لم يعد كافياً لتغطية التكاليف التشغيلية (الوقود والصيانة)، فضلاً عن المتطلبات المعيشية، وهو ما يضع الطرفين في دائرة التضييق الاقتصادي ذاتها.

أين تكمن الحلقة المفقودة؟

ما بين حق الراكب باختيار الأرخص ومطالب السائقين بالإنصاف وحماية المهنة من الزوال، تُطرح قضية لا تقل أهمية وهي غياب السياسات التنظيمية الواضحة والمحددة لتنظيم القطاع، مما يجعله في حالة تخبط وفوضى دائمة لا ذنب لكافة الأطراف فيها، وفقاً لما يراه مراقبون.

لعل أبرز دليل على “اليتم المهني” الذي يعيشه سائقو سيارات الأجرة العامة، هو البيان المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، دون وجود جهة مستقلة تمثلهم أو تعمل على تنظيم عملهم (كيان أو نقابة).

وفي هذا السياق، تبرز تجربة سنغافورة في تنظيم قطاع النقل بما يراعي الموازنة بين مصالح الركاب والسائقين، وذلك من خلال تطبيق سياسات تنظيمية واضحة، وإنشاء هيئة مركزية مستقلة للإشراف على التنظيم والشفافية، إضافة إلى فرض تراخيص إلزامية لمنصات التطبيقات الذكية، حيث تشرف هيئة النقل البري (LTA) على كافة متطلبات القطاع وتنظيمه بما يراعي مصالح المستخدمين والعاملين، مع تأكيد الحرص على معايير السلامة وجودة الخدمة.

إذاً يمكن الاستفادة من التجربة السنغافورية من خلال تشكيل جهة مستقلة تشرف على عمل سائقي التكاسي وتطبيقات النقل الذكي بطريقة تشبه الدمج، مع إلزامية الترخيص لكافة المنصات، ووضع حدٍّ أدنى للأسعار، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجهات المعنية في سنغافورة لا تحدد التسعيرة ولكنها تضع سقفاً للحد الأدنى، ضماناً لحماية المستخدمين من الاستغلال والتلاعب السعري.

أما بالنسبة للعوائق الأخرى التي يواجهها سائقو التكاسي العمومية في دمشق اليوم مثل انتشار ظاهرة السيارات الخاصة المخالفة للقانون ضمن مدينة دمشق، مع وجود أرقام لمحافظات أخرى وعمل الدراجات النارية في النقل أيضاً، فإنها تتطلب تفعيل دور الرقابة بشفافية والتي يمكن تحقيقها بوجود الجهة المركزية المستقلة التي تحدثنا عن ضرورة تشكيلها، تجنباً لتحول الاحتجاجات التنظيمية اليوم إلى أمنية واجتماعية غداً، كما يعتقد ناشطون محليون.

غير ذلك، يجب النظر بعين الاعتبار إلى أن أي إصلاح يخص قطاع النقل، لن يكون ذا جدوى حقيقية دون دعم الإنتاج المحلي والاقتصاد الوطني، فالقدرة الشرائية للمواطن واستدامة الدخل للسائقين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالوضع الاقتصادي العام، بالتالي ينبغي الانطلاق من أساس استراتيجي واضح يضمن حق العيش بعدالة دون ترجيح كفة أحد الأطراف دون غيره.

يبدو أننا أمام قضية تتعدى حدود الصراع بين تطبيقات النقل الذكي والتكاسي العمومية في دمشق، فهي مرآة لأزمة اقتصادية أوسع خلفتها سنوات الحرب، فمن فوضى قطاع النقل إلى تدهور لقمة عيش المواطن وصولاً إلى غياب السياسات الواضحة، تبرز ضرورة تبني رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح القطاع، مثل تحديث التشريعات والقوانين الناظمة، وتفعيل دور الرقابة الشفافة مع ضمان الالتزام بتحقيق التوازن بين مصالح الركاب والسائقين، دون تحميل المواطن التكلفة النهائية لأي قرار غير مدروس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى