سياسة

“بناة”.. كيف تُختبر أول منصة تطوع حكومية عندما تخرج من الشاشة إلى الميدان؟

الكاتب: أحمد علي

شهدت المكتبة الوطنية بدمشق في 11 آذار 2026 إطلاق أول منصة وطنية للعمل التطوعي باسم «بُناة»، وسط تحمّس حكومي لربط طاقات الشباب بخطط التنمية، وهذه المنصة الرقمية الجديدة تذكّر السوريين بروح التضامن التي ظهرت في أزمات البلاد الأخيرة، لكنها أثارت أيضاً تساؤلات حول جدوى تطبيقها في الواقع الميداني.

يسعى هذا المقال إلى استقصاء تجربة «بُناة» من جميع جوانبها، بالاستناد إلى أقوال المسؤولين وآراء المتطوعين ومقارنات مع تجارب مماثلة حول العالم.

منصة التطوع بين النظرية والتطبيق

أُطلقت منصة «بُناة – طاقات سورية نحو أثر مستدام» الوطنية لأول مرة في المكتبة الوطنية بدمشق، ووصفتها وزارة التنمية الإدارية بأنها جسراً رقمياً يربط بين الأفراد الراغبين بالعمل التطوعي والجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية التي توفر فرصاً نوعية.

تهدف المنصة إلى تنظيم وتوحيد الجهود التطوعية في سوريا ضمن إطار وطني رقمي متكامل، معزِّزةً مشاركة الشباب وضمان استدامة الأثر المجتمعي. وفي كلمة الحفل قال وزير التنمية الإدارية محمد حسان السكاف إن المنصة «إطارٌ منظَّم يربط طاقات السوريين وخبراتهم بالفرص الحقيقية للمساهمة في البناء والتنمية»، مضيفاً أن «روح التطوع التي ظهرت في أصعب أيامنا… عندما تجتمع النوايا الصادقة تتحول إلى قوة حقيقية تصنع الفرق وتبني الأمل».

التطوع بين الواقع والطموح

عقب هذه الخطوة الحكومية، يحاول كثير من المتطوعين استدعاء تجاربهم السابقة لبناء توقعات معقولة، ففي بداية 2026 أطلقت وزارة الطوارئ والإغاثة منصتها للتطوع بهدف تنظيم جهود فرق الاستجابة للكوارث. آنذاك، أكّد وزير الطوارئ رائد الصالح أن «تجاربنا في كارثة زلزال 2023 وحرائق اللاذقية 2025 أكدت ضرورة وجود فرق تطوعية رديفة ومؤهلة منهجياً».

وبحسب وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، فإن المنصة الجديدة تعبر عن «رؤية وطنية لبناء منظومة تطوعية كاملة مرنة ومستدامة»، لكن مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل التسجيلات الرقمية إلى أفعال ملموسة على الأرض، فالناشطون يرون أن بناء المجتمع يتطلب مشاركة ميدانية حقيقية في المبادرات، وإلا فقد تتحوّل المنصة إلى مجرد إجراء إداري شكلي.

دروس من تجارب دولية

لا تعيش تجربة «بُناة» بمعزل عن تجارب الدول الأخرى في بناء منصات تطوع حكومية، فالإمارات على سبيل المثال أطلقت منصتها «متطوعين.امارات» عام 2017 بوصفها منصة تطوعية ديناميكية واسعة الاستخدام، وُصفت بأنها «مركز يتيح للأفراد إيجاد فرص تطوعية تتوافق مع اهتماماتهم ومهاراتهم».

تقوم هذه المنصة بتسهيل البحث عن الفرص التطوعية المناسبة والربط بينها وبين المتطوعين وفق نظام إلكتروني منظم، ويمكن لسوريا أن تستلهم من هذه التجربة تعزيز العمل التطوعي الحكومي؛ فالحلول التكنولوجية التي تم اختبارها عالمياً قد تُسهم في تفادي مشكلات التشتّت الإداري والاجتهادات المتفرقة.

ملاحظات أولية وآفاق مستقبلية

خلاصة القول، إن ثمة مرتكزات حقيقية سيعتمد عليها نجاح المنصة مستقبلاً، فالمتطوّعون لن يكتفوا بتسجيل أسمائهم إلكترونياً فحسب، بل يتطلعون إلى رؤية الفرص المعلنة تتحول إلى عمل فعلي على الأرض.

ومن هنا يركّز المراقبون على مدى سرعة استجابة الجهات الحكومية لطلبات التطوع واستثمار قدرات الشباب دون معوقات بيروقراطية، وإذا نجحت «بُناة» في بناء قنوات تواصل فعّالة بين المتطوعين ووزارات الدولة، فقد تشكل نموذجاً ملهماً لتوظيف طاقات المجتمع في التنمية.

لكن في المقابل، فإن أي تأخير في الصرف على المشاريع أو تراجع في الدعم قد يحولها إلى مجرد صيغة إجرائية بلا تأثير ملموس، فيما يبقى العمل التطوعي مسعىً يبدأ بالمبادرة الفردية وينتهي بالبناء المجتمعي؛ وبين التفاؤل بنجاح «بُناة» وتساؤل جماعي حول نتائجه، قد تفتح هذه المنصة آفاقاً جديدة لشراكة بناءة بين المواطنين والدولة حال ظهور ثمارها الميدانية.

اقرأ أيضاً: كاريكاتير: التمثيل السياسي للمرأة في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى