بمناسبة الخلاف بين غسان عبود ووزير الإعلام.. هل ارتفع مستوى حرية التعبير في سوريا؟

بقلم: هلا يوسف
مشكلة واحدة فتحت أمام السوريين أبواب الأمل في التغيير ببوادر الارتفاع بمستوى حرية التعبير والانتقاد، فشكلت المشكلة الحاصلة بين وزير الإعلام ورجل الأعمال غسان عبود تريند جاب السوشال ميديا والمواقع الإخبارية، ليبرز أحد أهم نتائج الثورة السورية: وهي رفع القيود عن حرية التعبير عن الرأي. لكن هنا لا بد من طرح تساؤل، ألا وهو: هل حرية التعبير تشمل جميع الآراء بما فيها المناهضة لبنى السلطة الحقيقية؟ تحتاج الإجابة عن هذا السؤال أكثر من مجرّد اجتزاء لما حدث
حرية التعبير بحسب منظمة العفو الدولية
تؤكد منظمة العفو الدولية أن حرية التعبير تشمل جميع الأفكار والآراء، حتى تلك التي قد يُنظر إليها على أنها مسيئة أو مثيرة للجدل. وبينما يكفل القانون الدولي هذا الحق، فإنه يسمح في بعض الحالات بفرض قيود محدودة ومبررة، مثل الحالات التي تنتهك فيها حقوق الآخرين أو تحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف. وتشدد المنظمة على أن أي قيود على حرية التعبير يجب أن تكون منصوصاً عليها في القانون، وأن تهدف إلى حماية المصلحة العامة أو حقوق الآخرين، وأن تكون ضرورية لتحقيق هذا الهدف.
وتشير المنظمة إلى أن التمتع بحرية التعبير من دون خوف أو تدخل غير قانوني هو شرط أساسي لوجود مجتمع منفتح وعادل، يتيح للناس الوصول إلى العدالة وممارسة حقوقهم الإنسانية.
كما يوضح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مادته 19، أن لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، وهو حق تمت حمايته لاحقاً من خلال عدد من المعاهدات الدولية والإقليمية.
وتقول منظمة العفو الدولية إن الدفاع عن حرية التعبير كان دائماً جزءً جوهرياً من عملها، لما له من دور في مساءلة السلطات. فالحق في التعبير مرتبط بحقوق أخرى، مثل حرية الفكر والضمير والدين، كما يعزز حرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها وحرية التجمع السلمي. ومع ذلك، تتعرض هذه الحقوق بانتظام لهجمات من قبل حكومات تسعى إلى إسكات النقد والمعارضة.
وتلفت المنظمة إلى أن العديد من الحكومات حول العالم ما زالت تسجن الأشخاص أو تعرّضهم لانتهاكات جسيمة لمجرد التعبير عن آرائهم، على الرغم من أن معظم الدساتير تكفل حرية التعبير. وتشير المنظمة إلى أن بعض الحكومات تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن القومي أو الدين ذريعة لتقييد حرية التعبير وسجن المعارضين السلميين، بما في ذلك الصحفيين والنشطاء والمنظمات غير الحكومية والأشخاص الذين يقدمون المساعدة للاجئين والمهاجرين.
وترى المنظمة أن مستوى تسامح الحكومات مع الآراء المعارضة والأصوات النقدية يعد مؤشراً مهماً على احترامها العام لحقوق الإنسان. وهي تدعم بشكل خاص الأفراد الذين يدافعون عن أنفسهم وعن الآخرين بطرق سلمية، سواء كانوا صحفيين يكشفون الانتهاكات، أو نقابيين يفضحون ظروف العمل القاسية، أو ممثلي شعوب أصلية يحمون أراضيهم من أطماع الشركات الكبرى. وتشدد المنظمة على أن كل شخص يُسجن لمجرد ممارسة حقه في التعبير السلمي يُعتبر سجين رأي، ويجب إطلاق سراحه فوراً وبدون قيد أو شرط.
حرية التعبير شعار جذاب يخضع لمعايير سياسية واقتصادية
تقر المنظمة أن حرية التعبير غالباً ما تتأثر بالثروة والامتيازات الاجتماعية، حيث نادراً ما تُفرض قيود على الأغنياء والأقوياء في التعبير عن آرائهم، بينما يواجه المواطن العادي قيوداً وعقوبات كبيرة.
وانطلاقاً من هذا الكلام، نستنتج أن حرية التعبير عن الرأي مشروطة بحزمة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية، حتى في الغرب الذي يتغنى بهذه الشعارات الرنانة.
والدليل على ذلك هيلين توماس، الصحفية الأمريكية الشهيرة التي بدأت مسيرتها منذ عهد الرئيس جون كينيدي، فقد فقدت منصبها بسبب تصريحاتها، رغم أنها لم تتحدث عن أي موضوع يُعتبر محرّماً في الغرب، مثل الهولوكوست. كل ما قالته هو أن اليهود في فلسطين يمكن أن يعودوا إلى ديارهم في بولندا وألمانيا والولايات المتحدة، وهو رأي حاولت من خلاله التخفيف من حدة الصراع، وليس دعوة لما هو غير أخلاقي أو غير إنساني. كانت مجرد وجهة نظر في بلد يعتبر نفسه منارة للديمقراطية.
أما الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، فكان وضعه أسوأ. ففي فرنسا، التي يصفها كثيرون بأنها رمز التنوير والحرية، لم يُسمح له بالتعبير عن آرائه حول موضوع حساس، وهو رواية الهولوكوست. بدلاً من الرد عليه بطريقة علمية أو مناقشة وجهة نظره، تمت محاكمته وإدانته. هذا يُظهر أن حرية التعبير في بعض الحالات تصبح شعارًا بلا مضمون، حتى في مجتمعات تعتبر نفسها حامية لهذه الحرية.
حرية التعبير في سوريا
من المؤكد أن حرية التعبير عن الرأي في سوريا قبيل الثورة السورية لم تكن واردة، فجميع الآراء واحدة وموحدة تحت شعار حزب البعث، والدليل على ذلك السجون التي كانت ممتلئة بالمعتقلين السياسيين.
أما خلال الثورة السورية وفي مناطق النظام، كانت العامة تنتقد الوزراء بشكل طبيعي من خلال مواقع التواصل الإعلامي، إلا أن انتقاد الوزراء لم يكن يعني السماح بانتقاد مفاصل السلطة الحقيقية، فكان ذلك محرماً ويحكم على صاحبه بالحبس دون شك. إنّ انتقاد النظام الحقيقي أيام السلطة، والوقوف في الصف الآخر كان موضع تهديد كبير لصاحبه، والدليل على ذلك الوثائق التي تكشف الآن عن الدراسات الأمنية للمواطنين، ومعرفة حتى تعليقاتهم على السوشال ميديا.
وبما أن حقبة النظام السوري السابق ذهبت مع الريح، تتجه الأنظار الآن نحو النظام الجديد، ومدى الحرية التي يوفرها للمواطنين كافة.
ومع غياب الخطاب الوطني المقارب لوجهات النظر، أصبح الحديث عن الحقوق لأي طرف مصدر تهديد لصاحبه، ليس بالضرورة من أصحاب القرار، وإنما من مواليهم من كافة الأطراف.
فمثلاً، الجدل الذي حصل بين رجل الأعمال السوري غسان عبود ووزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، على الرغم من عكسه نوعاً مميزاً من حرية التعبير عن الرأي لم يعهده السوريون، إلا أن ذلك لا يكفي، فالمواطن السوري بكافة فئاته وطبقاته الاجتماعية بحاجة إلى التعبير عن آراءه بدون تهديد أمني على حياته، وبدون تخوين أو تهجّم.
فالمطالبة بالحقوق وانتقاد أي جهة أو سلطة لا يعني السعي لإسقاطها بقدر ما يعني الإصلاح وتصويب البوصلة، طالما أنها تنطلق من منطلق وطني، والجدير بالذكر أن الثورة السورية قامت على أساس المطالبة بالحقوق المسلوبة.
باختصار، حرية التعبير عن الرأي لا بد أن تخضع لمعايير معينة، ومن حق دولة منع خطاب الكراهية أو الخطاب الطائفي تحت مسمى حرية التعبير، وخصوصاً في بلداننا العربية التي تستخدم هذه الأمور لإشعال حروب أهلية، لكن انتقاد أعمال السلطة وطريقة إدارتها، ووجود رؤى وتوجهات مغايرة لطريقة الحكم، هو حق من الواجب استيعابه من أي نظام حكم. وعليه، فالمشكلة بين رجل الأعمال غسان عبود ووزير الإعلام حمزة المصطفى هي بادرة لحرية التعبير في العهد الحالي، لكنها تبقى رهينة مدى الحرية المتوفرة للحديث حول باقي المواضيع الأكثر جوهرية، كالأمن والأمان مثلاً.
اقرأ أيضاً: رشا عمران: النظام والثورة وحرية التعبير والرأي









