بعد 9 سنوات من النزوح.. مخيم العريشة يطوي صفحته الأخيرة في الحسكة

بقلم: ريم ريّا
بعد مرور تسع سنوات تقريباً على إنشائه لإيواء آلاف النازحين الفارين من القتال في شرق سوريا، بات مخيم العريشة، جنوب الحسكة، على وشك الإغلاق النهائي. ولا تزال آخر العائلات تغادره، وقد وصل عدد سكانه إلى أدنى مستوى له على الإطلاق. وتفيد مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في الحسكة بأن عدد العائلات التي لا تزال تقيم في المخيم قد انخفض إلى نحو 20 عائلة، وذلك بعد مغادرة معظم السكان في الأشهر الأخيرة، وفقاً لخطة إخلاء المخيم وإغلاقه بالكامل. ويأتي هذا القرار في وقت يشهد فيه وضع النازحين في سوريا تطورات متسارعة. فبينما يعود بعضهم إلى ديارهم، لا يزال آخرون يواجهون صعوبات تحول دون عودتهم.
لماذا أُنشئ مخيم العريشة في الحسكة؟
أُنشئ مخيم العريشة عام 2017 في ريف الحسكة الجنوبي، في ذروة العمليات العسكرية في محافظتي دير الزور والرقة، حين أجبر القتال آلاف العائلات على النزوح بحثاً عن ملجأ. على مرّ السنين، استضاف المخيم نحو 18 ألف نازح، معظمهم من ريف دير الزور، بالإضافة إلى عائلات من مناطق أخرى متضررة من النزاع.
خلال هذه الفترة، شكّل المخيم ملاذاً مؤقتاً للعائلات التي فقدت منازلها أو تعذر عليها العودة بسبب انعدام الأمن، بينما قدّمت المنظمات الإنسانية لهم الخدمات الأساسية كالغذاء والماء والرعاية الطبية والتعليم.
ما أسباب إغلاق المخيم اليوم؟
بحسب السلطات المختصة، يعود قرار إغلاق مخيم العريشة في الحسكة إلى عدة عوامل مترابطة، من بينها انخفاض ملحوظ في عدد المقيمين خلال السنوات الأخيرة. فقد غادر نحو 75% من سكان المخيم منذ بداية العام. كما ساهم انخفاض المساعدات الإنسانية المقدمة من بعض المنظمات الدولية والسلطات المحلية في تسريع وتيرة المغادرة، نظراً لتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات المتاحة.
يرى المراقبون أن استمرار مخيم لا يضم سوى بضع عشرات من العائلات لم يعد مجدياً من الناحية الإدارية أو المالية، لا سيما مع تزايد التوجه نحو إغلاق المخيمات التي تشهد انخفاضاً في عدد سكانها، وتشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم الأصلية. ورغم قرب إغلاق المخيم، لا تزال بعض العائلات تواجه صعوبات جمة تحول دون عودتها إلى ديارها. فقد دُمّرت منازل كثيرة في مناطقهم الأصلية كلياً أو جزئياً، وتفتقر بعض العائلات إلى الموارد المالية اللازمة لإصلاح منازلها أو حتى لتغطية تكاليف إعادة التوطين.
علاوةً على ذلك، لا تزال بعض مناطق المنشأ للنازحين تعاني من نقص الخدمات الأساسية ومحدودية فرص العمل، مما يعيق عودتهم ويثير مخاوف اقتصادية ومعيشية. لذا، تهدف الاجتماعات التي تعقد بين الجهات الحكومية وممثلي المنظمات الإنسانية إلى إزالة العقبات التي تواجه الأسر المتبقية في المنطقة، ووضع آليات تمكّنها من الانتقال طوعاً وبأمان.
اقرأ أيضاً: محطات مخيم الهول.. انسحاب تلاه إيقاف ونقل سكان فهل هذه النهاية؟
ما البدائل المتاحة للأهالي؟
بحسب البيانات الرسمية، تبذل جهود حثيثة لتمكين العائلات المتبقية من العودة إلى ديارها، بالتنسيق مع إدارات الشؤون الاجتماعية في الحسكة ودير الزور والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومن بين الحلول المطروحة تقديم الدعم اللوجستي للعائدين، وتأمين وسائل نقلهم، ومتابعة أوضاعهم بعد عودتهم، وتقديم أشكال مختلفة من الدعم الاجتماعي والإنساني، بحسب الموارد المتاحة.
إلا أن نجاح هذه المبادرة مرهون بقدرة المناطق المُضيفة على دمج العائدين وتوفير الحد الأدنى من الخدمات وسبل العيش لهم، وهو تحدٍّ يواجه معظم برامج العودة في سوريا اليوم. يمثل إغلاق مخيم العريشة نهايةً لفترة طويلة من النزوح القسري، نتيجة سنوات الحرب في سوريا. المخيم، الذي آوى آلاف العائلات الهاربة من القتال، أصبح الآن شبه خالٍ، إذ تغيرت الظروف التي أدت إلى إنشائه.
مع ذلك، لا يعني إغلاق المخيم بالضرورة نهاية معاناة جميع سكانه السابقين. لم تعد التحديات مقتصرة على الخيام والملاجئ، بل تشمل قضايا أكثر تعقيداً تتعلق بإعادة الإعمار، والحصول على السكن والعمل، والعودة إلى الحياة الطبيعية في المناطق التي يعود إليها النازحون. في نهاية المطاف، لا يقاس نجاح تفكيك المخيمات بعدد الخيام التي أزيلت، بل بقدرة الأسر على بناء حياة مستقرة خارجها.









