المجتمع السوري

بعد 17 عاماً تعود سوريا إلى مسح دخل واستهلاك الأسر.. ما الأهمية والمعوقات؟

بقلم: ريم ريّا

منذ عام 2009، وبعد أكثر من 17 عاماً على إجراء آخر مسح شامل لدخل واستهلاك الأسر ونفقاتها في سوريا، تعود اليوم المؤسسات الرسمية في آذار 2026 لإطلاق واحدة من أهم الأدوات الإحصائية بغية فهم الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع السوري.

وقعت هيئة التخطيط والإحصاء السورية يوم أمس الاثنين 9 آذار 2026، مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي لتنفيذ مسح وطني يستهدف جمع معلومات وبيانات دقيقةحول مصادر دخل الأسر في سوريا وأنماط إنفاقها ومستويات استهلاكها في مختلف المحافظات.

هذا المسح يأتي في مرحلة مفصلية وشديدة الحساسية يمر بها الاقتصاد السوري، إذ تواجه غالبية الأسر تحديات معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية، فوفقاً لتقارير أممية بلغت معدلات الفقر في هذه البلاد نحو 90%، وتغيرت بنية النشاط الاقتصادي فيه خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل هكذا ظروف تغدو الحاجة لوجود بيانات حديثة وموثوقة أمراً رئيسياً لفهم التحولات التي مرّ بها مستوى معيشة الأسر السورية، لكي يتم تحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكثر دقة.

هيئة التخطيط والإحصاء توقع مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي

وقعت هيئة التخطيط والإحصاء السورية مذكرة تفاهم مع برنامج الأغذية العالمي “WFP” لتنفيذ مسح “تعزيز النظم الوطنية للأدلة من خلال مسح دخل ونفقات واستهلاك الأسر” في سوريا. ويعد المسح الأول منذ عام 2009، ويأتي بعد استكمال المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري الذي أعلن عنه في كانون الثاني الماضي.

الهدف من هذا المسح توفير بيانات دقيقة ومحدثة تمثل جميع الأسر السورية في كافة المحافظات، بما يتيح قياس مستويات المعيشة ورصد الفقر، وتوفير البيانات اللازمة لحساب معدلات التضخم. في السياق ذاته، صرح رئيس هيئة التخطيط والإحصاء السورية أنس سليم،إن الشراكة مع برنامج الأغذية العالمي تمثل خطوة مهمة في تطوير العمل الإحصائي الوطني“، مؤكداً حرص الهيئة على إنتاج بيانات نوعية تتجاوز الإحصاءات الروتينية، وتسهم في إعداد خطط التنمية على المستويين الوطني والمحلي ودعم السياسات العامة القائمة على الأدلة. كما أشار إلى أن بيانات المسح ستوفر مؤشرات أساسية لتوجيه خطط الحكومة في مجالات الحماية الاجتماعية والدعم والتنمية، كما ستستخدم في قياس التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

بدورها، قالت المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في سوريا ماريان وارد، إن نتائج المسح ستساعد البرنامج وشركاءه على تصميم تدخلات أكثر دقة واستهدافاً بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

اقرأ أيضاً: فاتورة بدون عداد.. كيف تحولت الكهرباء إلى عبء على الأسر السورية؟

الهدف من المسح وفق تصريحات المسؤولين

أوضح مدير عام الهيئة الدكتور أنس رضوان، أن المسح سيتيح توفير قاعدة بيانات شاملة وموثوقة حول دخل الأسر السورية، إنفاقها، وأنماط استهلاكها، وهو ما يشكل أداة محورية لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وقال، “هذا المسح ليس مجرد جمع بيانات، بل هو مرصد شامل لرصد واقع الأسر السورية، يوفر مؤشرات دقيقة حول الإنفاق، الأسعار، الأمن الغذائي، والفقر، هذه البيانات ستكون أداة رئيسية لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية لضمان وصول الدعم إلى الأسر الأكثر حاجة”.

كما بيّن، أن المسح سيبدأ مباشرةً بعد الانتهاء من الإجراءات الإدارية، ضمن خطة وطنية سنوية للهيئة، تتضمن:

  • تصميم العينات واستمارات الجمع بدقة عالية لضمان موثوقية النتائج.
  • تغطية جميع المحافظات والفئات الأسرية لضمان شمولية البيانات.
  • تحليل النتائج باستخدام أحدث التقنيات الدولية، وتدريب الكوادر الوطنية على تقييمها.
  • نشر النتائج بشفافية على موقع الهيئة لتكون مرجعا للجهات الحكومية والمنظمات الدولية.

وأضاف، هذا المسح سيكون مدعوماً بشراكات دولية واستراتيجية، مع مراعاة أفضل الممارسات العالمية في جمع البيانات الاقتصادية والاجتماعية. وأنه سيتم استخدام نتائج المسح في إعداد استراتيجيات الحماية الاجتماعية متوسطة المدى، وإعداد التقرير الطوعي الخاص بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة في سوريا الذي تعمل الهيئة على إنجازه، كما ستشارك نتائجه مع الوزارات المعنية لدعم تطوير برامجها وخططها السنوية.

في ذات السياق، من المقرر أن يبدأ العمل الميداني خلال الربع الثاني من العام الحالي ويستمر لمدة 12 شهراً لضمان مراعاة التغيرات الموسمية في الدخل والإنفاق، وسيتم استخدام أجهزة لوحية في جمع البيانات لتعزيز الدقة وتسريع عمليات التحليل، وسيشارك في تنفيذ المسح مئات الباحثين الميدانيين من هيئة التخطيط والإحصاء بعد تدريبهم على أحدث المنهجيات الدولية وبمشاركة خبراء برنامج الأغذية العالمي.

من جانبها، قالت ممثلة برنامج الأغذية العالمي في سوريا ماريان وورد، “البرنامج يركز على توجيه الموارد إلى الأسر الأكثر حاجة، ونحن فخورون بالشراكة مع الهيئة التي تقود المشروع، حيث نقدم الدعم الفني والخبرات اللازمة لبناء القدرات الوطنية، جميع الجهات الوطنية تعمل كفريق واحد لتحقيق أهداف المسح”.

أهمية المسح في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية

هذا النوع من المسوح الذي يستهدف دخل ونفقات الأسر، يعتبر من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الحكومات والمؤسسات الاقتصادية حول العالم لفهم الواقع المعيشي لمجتمعاتها. فالسياسات الصحيحة بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، لا يمكن أن تبنى على تقديرات عامة أو انطباعات غير دقيقة، بل تحتاج إلى بيانات موثوقة تعكس واقع الناس اليومي.

في الحالة السورية، يمكن أن يساهم المسح في توفير معلومات تفصيلية حول بنية إنفاق الأسر السورية، على سبيل المثال، حجم الإنفاق على الغذاء والطاقة والسكن، كذلك التعليم والصحة. إلى جانب تحديد مصادر الدخل المختلفة للأسر. وهذه البيانات من شأنها توجيه السياسات العامة، خصوصاً في مجالات الدعم والحماية الاجتماعية. نتائج المسح مهمه، لمساعدة الحكومة على إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، والاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية. إلى جانب دعم إعداد تقارير متعلقة بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ومشاركة نتائجة مع الوزارات المعنية.

كما يحمل المسح أهمية خاصة للمنظمات الدولية العاملة في البلاد، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي. فهذه المنظمات تعتمد بدرجة كبيرة على البيانات الإحصائية الدقيقة والموثوقة لتحديد الفئات الأكثر احتياجاً وتوجيه المساعدات الإنسانية بشكل أكثر كفاءة إليها.

فالمسح يعطي صورة أوضح عن توزيع الفقر ومستويات المعيشة بين المناطق المختلفة والمحافظات السورية، ويمكن للمسح أن يساعد في تصميم تدخلات إنسانية أكثر دقة في اسهداف المحتاجين لها، ما يضمن وصول الدعم إلى الأسر التي تحتاجه فعلاً. كما يمكن أن يساهم في تحسين التنسيق بين المؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية في مجال العمل الإنساني والاجتماعي.

هل سيكون للمسح أثر مباشر على حياة الأسر؟

لا شك أن المسح مبادرة هامة، لكن بحد ذاته ليس حلاً مباشراً للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها الأسر في البلاد. لكنه أداة فعالة لتشخيص الواقع بما يساهم في رسم السياسة الاقتصادية. بمعنى أبسط، يقدم المسح صورة دقيقة عن الأوضاع المعيشية، لكن تأثيره الفعلي على واقع المواطنين يعتمد على كيفية استخدام نتائجه في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

فيجب توظيف النتائج والبيانات في تصميم برامج دعم أكثر عدالة للسكان، مع توجيه الموارد للفئات الأكثر احتياجاً، عندها من الممكن أن ينعكس تدريجياً على تحسين الأوضاع المعيشية في البلاد. أما إذا بقيت تلك البيانات في إطار التقارير ولم تتعدى حدود الدراسات دون ترجمتها على أرض الواقع كسياسات عملية، فإن أثر المسح لن يتعدى حدود الورق المكتوب عليه.

المعوقات المحتملة والتحديات التي يمكن أن يواجهها التطبيق

في الحقيقة هذا المسح، مسح وطني ضخم، لذلك وكونه بهذا الحجم فلن يخلو من التحديات، لا سيما في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تمر بالبلاد.

أبرز تلك التحديات، متعلقة بمسألة الوصول إلى جميع الفئات الاجتماعية والمناطق، وضمان تمثيل دقيق لمختلف شرائح المجتمع في العينة الإحصائية. إلى جانب تحري دقة المعلومات التي تقدمها الأسر، فيمكن لبعضها أن تتردد في الإفصاح عن تفصيل دخلها الحقيقي أو مصادره المختلفة إن وجدت، لا سيما أن البلاد تعاني من انتشار أنشطة اقتصادية غير رسمية.

لعل المعوق الأكبر والذي يحتاج إلى ضبط بأقصى سرعة، متمثل في التغيرات الاقتصادية السريعة ومعدلات التضخم المتنامية، ما يشكل تحدياً إضافياً في تفسير البيانات وتحليلها، ويتطلب استخدام منهجيات دقيقة من أجل ضمان نتائج دقيقة تعكس الواقع المعيشي بشكله الصحيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى