أعمال واستثمار

بعد سنوات من تنسيق الأسعار.. هل بدأت المنافسة الحقيقية في سوق الاتصالات السوري؟

قرابة 600 برج جديد ومرمّم خلال عام، لكن تعطل برجين فقط كان كافياً لترك ما بين 20 و30 ألف شخص في ريف حلب الشمالي بلا اتصال منذ نحو عام ونصف. ورد الرقمان في الحلقة نفسها، ولخصا معاً واقع الاتصالات في سوريا: عمل يتسارع من جهة، وفجوة ما تزال واسعة ويلمسها الناس يومياً من جهة أخرى.

طرحت هذه المفارقة خلال حلقة برنامج «دمشق ديبيت»، التي شارك فيها الرئيس التنفيذي لشركة «سيريتل» ياسر قحف، ومدير عام الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد خالد الحمصي، ورئيس الجمعية السورية للمعلوماتية سنان حتاحت.

لم يحاول قحف أو الحمصي تقديم صورة وردية عن الواقع. أقرّ الأول بأن الشبكة ما تزال بعيدة عن المستوى المطلوب، فيما قال الثاني بوضوح: «ما بدنا نتخبّى ورا إصبعنا». ومن هذه النقطة انتقل النقاش إلى السؤال الأهم: ما الذي يُنجز فعلياً، وكم يحتاج السوريون من الوقت قبل أن تتحول الأبراج والاستثمارات والمشروعات الكبرى إلى خدمة مستقرة تصل إليهم؟

فجوة أكبر من إصلاح بضعة أبراج

أرجع ياسر قحف تراجع الاتصالات إلى غياب الاستثمار المناسب طوال سنوات في الأبراج والربط البيني والبنية التحتية المركزية، في وقت حقق فيه قطاع الاتصالات عالمياً قفزات كبيرة لم تواكبها سوريا.

وأوضح أن معالجة الفجوة لا تنتهي بتركيب برج جديد. فالموقع الواحد يحتاج إلى دراسة هندسية واختيار مكان وتوريد تجهيزات وتركيب قد يستغرق ما بين شهرين وستة أشهر، ثم يحتاج إلى الربط بالشبكة المركزية وتطوير المخدمات والبرمجيات التي تحمل الخدمة.

وبحسب قحف، تحتاج عملية بهذا الحجم في الظروف الاعتيادية إلى أربع أو خمس سنوات، فيما تسعى «سيريتل» إلى ضغط جزء كبير منها ضمن عامين أو ثلاثة. لكنه أقر بأن التحسن المسجل حتى الآن لا يعني أن الشبكة اقتربت من المستوى المطلوب.

ووضع قحف هدفاً يتمثل في وصول التغطية الفعلية إلى 99 في المئة من السكان. والمقصود هنا ليس مجرد ظهور إشارة الاتصال، بل القدرة على إجراء المكالمات واستخدام الإنترنت والتطبيقات بصورة مستقرة.

واحد من كل ثلاثة كان خارج تغطية الإنترنت

كشف قحف أن القياسات التي أجرتها الشركة قبل نحو تسعة أشهر أظهرت أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في سوريا لم تكن تصل إليه خدمة الإنترنت الخلوي في مكان وجوده. وأشار إلى أن تغطية المكالمات كانت أفضل من ذلك، لكن تقييم الخدمة اليوم لا يمكن أن يقتصر على إمكانية إجراء مكالمة.

وقال إن النسبة تحسنت خلال الأشهر الماضية، وقدّر أن تقترب الشبكة خلال نحو عامين من وضع أفضل بكثير من واقعها الحالي، من دون وصفه بالمثالي.

وقدم قحف رقماً جديداً عن سرعة العمل، إذ قال إن الشركة ركبت خلال العام الماضي قرابة 190 برجاً، في حين اقترب العدد خلال العام الحالي من 600 موقع بين الأبراج الجديدة وتلك التي خضعت للترميم. وبحسب حديثه، يأتي هذا التسارع استعداداً لسوق ستدخل فيه «زين» بوصفها مشغلاً جديداً بديلاً من «إم تي إن»، ما يفرض على «سيريتل» تحسين شبكتها حتى تصبح قادرة على المنافسة.

لماذا تبدو خدمة الإنترنت أكثر كلفة؟

لم يفصل قحف مسألة الأسعار عن جودة الخدمة. فالمشترك الذي يشتري باقة ولا يستطيع استخدامها عند حاجته إليها يدفع، عملياً، مقابل خدمة لا يحصل عليها كاملة.

وأضاف أن ضعف الإنترنت الثابت في المنازل وأماكن العمل يدفع السوريين إلى الاعتماد على بيانات الهاتف في معظم استخداماتهم. وضرب مثالاً بتجربته الشخصية، إذ كان يستهلك خلال إقامته خارج سوريا نحو 8 غيغابايت شهرياً، بينما قد يصل استهلاكه في سوريا إلى 40 غيغابايت نتيجة اضطراره إلى استخدام الإنترنت الخلوي بديلاً من الاتصال الثابت.

من جهته، قال الحمصي إن دور الهيئة الناظمة يتمثل في ضمان وجود تناسب بين الأسعار وجودة المكالمات والإنترنت ومدى التغطية. وأكد أن التزامات المشغلين ليست اختيارية، بل تخضع للرقابة، ويمكن أن تقود مخالفتها إلى غرامات شديدة تصل في أقصى الحالات إلى سحب الترخيص.

وتوقع أن يؤدي دخول «زين» وإطلاقها التجاري إلى منافسة على جودة الخدمة والتغطية والأسعار، تنعكس على مشتركي الشركتين.

تنسيق الأسعار في الماضي ومنافسة المرحلة المقبلة

تحدث قحف بصراحة عن طبيعة العلاقة السابقة بين مشغلي الاتصالات، قائلاً إن المتبع في عهد النظام البائد كان تشاور «سيريتل» و«إم تي إن» قبل طرح الأسعار والباقات، بما ينفي وجود منافسة حقيقية بينهما.

وأكد أن هذه الممارسة توقفت، وأن كل شركة تقدم أسعارها وعروضها بصورة منفصلة إلى الهيئة الناظمة التي تراجعها وتراقب المنافسة في السوق.

ورغم امتلاك «سيريتل» حالياً شبكة أوسع من منافستها، قال قحف إن الشركة لا تريد أن تكون مسيطرة على السوق، بل رائدة فيه. وشرح الفرق بأن يختارها المشترك بسبب جودة شبكتها وباقاتها وخدماتها، «مو لأنه ما عنده خيار، ولكن لأننا الأحسن».

ماذا قال قحف عن ملكية «سيريتل»؟

في إجابته عن الأسئلة المتعلقة بملكية الشركة، قال قحف إن الحصة العظمى في «سيريتل» تقع اليوم تحت إدارة الصندوق السيادي السوري، وإن الشركة ما تزال مساهمة ومدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية، فيما تعود الحصة المتبقية إلى آلاف المواطنين الذين اشتروا أسهماً فيها على مدى السنوات الماضية.

وأضاف أن حضور الدولة عبر الصندوق السيادي يضع على الشركة واجباً يتجاوز تحقيق الربح. ويظهر هذا الواجب خصوصاً في المناطق الريفية وقليلة الكثافة، حيث لا يمكن أن يكون مردود الموقع التجاري وحده هو المعيار الذي يحدد وصول التغطية إليه.

شبكة واحدة من الساحل إلى الداخل

شرح الحمصي أن تحسين الشبكة الخلوية لا يمكن أن يحدث بمعزل عن بقية مشروعات القطاع. فتوسع أبراج «سيريتل» و«زين» يحتاج إلى شبكة فقارية قادرة على نقل البيانات، ثم إلى شبكات فرعية توصل الألياف الضوئية إلى المدن والقرى والمنازل.

وفي هذا السياق، تحدث عن مشروع «سيلك لينك» الذي تنفذه مجموعة «إس تي سي» السعودية، وقال إن اتفاقية المشروع أُبرمت، بينما كانت تفاصيل الرخصة والعقود الفنية والمالية في مراحلها النهائية عند تسجيل الحلقة. وأضاف أن فرق الشركة السعودية موجودة في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وتجري مسوحات ميدانية وتؤهل المتعهدين وتستقدم التجهيزات بالتوازي مع استكمال الإجراءات التعاقدية.

ويهدف مشروع «سيلك لينك» إلى إنشاء شبكة ألياف ضوئية فقارية تربط سوريا إقليمياً ودولياً، باستثمار يتجاوز 3 مليارات ريال سعودي، أي نحو 800 مليون دولار، وبطول يزيد على 4500 كيلومتر.

ويأتي إلى جانبه مشروع «برق نت» الذي يفترض أن ينقل الاتصال من الشبكة الفقارية إلى المدن والقرى وأبواب المنازل. كما أشار الحمصي إلى طرح «الكود السوري للاتصالات في البناء»، لضمان تجهيز الأبنية الجديدة بتمديدات مناسبة للإنترنت والألياف الضوئية، وحتى لا تضيع الاستثمارات الكبيرة بسبب رداءة التوصيلات في الأمتار الأخيرة داخل البناء.

وعندما سُئل عن الموعد الذي سيبدأ فيه المواطن بلمس نتائج هذه المشروعات، تجنب الحمصي تقديم تاريخ محدد واكتفى بالقول: «هانت إن شاء الله».

من مزود اتصالات إلى شريك في الاقتصاد الرقمي

قال قحف إن طموح «سيريتل» لا يتوقف عند بيع الدقائق وباقات الإنترنت، بل يتجه إلى توفير البيئة التي تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة بناء خدماتها الرقمية فوقها.

وأوضح أن المشغل لا يحتاج إلى تطوير جميع التطبيقات والخدمات بنفسه، لكن عليه توفير الاتصال ومراكز البيانات والبنية التقنية التي تسمح للشركات السورية بالعمل وتقديم خدماتها للمواطنين.

ورأى أن تأخر سوريا تقنياً قد يتحول، في جانب منه، إلى فرصة، إذ تستطيع الانتقال مباشرة إلى تقنيات حديثة بدلاً من إنفاق الوقت والمال على مراحل تجاوزها العالم. وقدّر أن التطور الذي استغرق نحو 15 عاماً في دول أخرى يمكن اختصاره في سوريا إلى قرابة خمس سنوات، بالاستفادة من الخبرات المتراكمة والكفاءات السورية داخل البلاد وخارجها.

لم تقدم الحلقة موعداً نهائياً لانتهاء مشكلات الاتصالات، ولم يقل الضيفان إن التحسن وصل إلى جميع المناطق. لكنها وضعت أمام السوريين مجموعة من الأرقام والتعهدات التي يمكن العودة إليها: قرابة 600 برج جديد ومرمم خلال العام، الاقتراب من تغطية 99 في المئة من السكان، دخول منافس جديد، واستكمال شبكة فقارية يفترض أن تحمل التوسع كله.

ويبقى الاختبار في الأشهر المقبلة بسيطاً بالنسبة إلى المشترك: هل تتحول هذه المشروعات والأرقام إلى إشارة تصل إلى منطقته، وإنترنت يستطيع استخدامه، وخدمة تستحق ما يدفعه؟

اقرأ أيضاً: ملكية «سيريتل» وضعف الشبكة وخطط المحافظات.. الرئيس التنفيذي لسيريتل يجيب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى