سياسة

بعد سقوط الأسد: لماذا لم يسقط توزيع «الثروة» الجائر؟!

الكاتب: أحمد علي

طوى يوم 8 كانون الأول 2024 صفحة حقبة كاملة طالت لنصف قرن في سوريا، أُزيحت صورة الحاكم الأبدي عن جدران المؤسسات، وتعالت في الشوارع أهازيج الفرح والآمال بميلاد عهدٍ جديد عنوانه العدالة والشفافية. ولأول مرة منذ عقود، شعر السوريون أنهم على أعتاب بناء وطن مختلف، بعيداً عن قبضة القمع والفساد. غير أن نشوة الانتصار السياسي سرعان ما اصطدمت بحقائق مريرة على الأرض: فإسقاط رأس السلطة/النظام لا يعني بالضرورة سقوط النظام بكل ما يعنيه التعبير من معنى، ولا يعني سقوط توزيع الثروة الجائر الذي تشكّل عبر السنين لحماية مصالح شبكة واسعة من المنتفعين. ففي حين سقط الرمز، بقي “النظام” العميق بآلياته الاقتصادية في إعادة إنتاج الولاءات قائماً كما كان، إن لم يكن أشد رسوخاً...

تغيير السلطة أم نظام توزيع الثروة؟

يكشف هذا السؤال الجوهري الفرق بين تغيير سياسي ظاهري وبين تغيير بنيوي لمنظومة المصالح الاقتصادية. لقد غادر بشار الأسد منصبه مخلفاً فراغاً في قمة السلطة، لكن نظام توزيع الثروة – أي آليات المحاصصة والامتيازات والريع – لم يتبدد تلقائياً. في سوريا، لم يكن توزيع الثروة يوماً عملية عادلة أو شفافة، بل ارتبط تاريخياً بمنطق الولاء السياسي. من امتيازات الاستيراد الحصرية، إلى احتكار تجارة موارد أساسية كالنفط والاتصالات، وصولاً إلى منح العقود والعقارات للمقربين، شكّل الولاء معيار الحصول على الثروة والنفوذ.

واقتصاد “المحاسيب” هذه – كما يسميها خبراء الاقتصاد السياسي – يعني ببساطة تحالفاً غير معلن بين السلطة ورأس المال، حيث تُمنح الفرص الاقتصادية لا على أساس الجدارة والمنافسة النزيهة، بل وفقاً لقرب أصحابها من دوائر الحكم. بهذا تحوّل نظام توزيع الثروة في سوريا إلى شبكة من المحسوبيات: كبار المتنفذين وأصحاب الامتيازات يحصدون المكاسب، بينما يُقصى من هم خارج تلك الدائرة الضيقة. وقد رسّخ هذا النظام جذوره عبر عقود، فصار جزءاً أصيلاً من بنية «الدولة العميقة» إن صحّ التوصيف. بناءً على ذلك، فإن تغيير رأس السلطة – مهما كان مدوياً – لن يمس جوهر هذه البنية ما لم تُقتلع أدواتها الراسخة.

وحتى نفهم معنى بقاء نظام التوزيع، يجدر توضيح ما ينضوي تحته: إنه يشمل الامتيازات الاقتصادية (كاحتكار سلع وخدمات أو قطاعات كاملة)، ويشمل الجباية غير الرسمية عبر شبكات الفساد (من الرشاوى في الإدارات إلى الإتاوات على الحواجز والمعابر)، وكذلك توزيع المواقع الوظيفية والمناصب بحسب الولاء، بل وحتى التحكم بتدفق المساعدات الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. أي أن “الثروة” هنا ليست مجرد أموال في الخزينة، بل هي مجموعة الموارد والفرص التي استحوذت عليها فئة حاكمة ووزعتها على أتباعها لضمان بقائهم موالين.

سقوط القمة وبقاء الشبكات

مثّل سقوط الأسد انهيار رمز السلطة وشخصنة الحكم، لكنه لم يؤدِّ تلقائياً إلى زوال الشبكات التي كانت تستفيد من وجوده. تبدّلت الشعارات في ساحة الحكم، وبدأت السلطة الجديدة برسم ملامح مختلفة للدولة. ظاهرياً، أُعلن عن مشاريع ضخمة واتفاقيات اقتصادية مع شركاء إقليميين، وجرى الحديث عن تغييرات في القوانين والسياسات المالية. لكن خلف هذه الصورة التفاؤلية، الكثير من آليات الماضي ظلّت تعمل كما هي. فمن الملاحظ أن معظم التحركات الاقتصادية بعد التغيير تمت خلف الأبواب المغلقة وبمعزل عن أي رقابة ديمقراطية. البرلمان مازال غائباً أو معطّلاً، والقضاء المستقل لم يولد بعد، ولم يُسمح للإعلام بعد بالاضطلاع بدوره في كشف التجاوزات.

في مثل هذا المناخ غير الشفاف، يرى البعض بأنّه من السهل على الحلقة الضيقة المحيطة بالحكم الجديد أن تُحكم سيطرتها على القرارات المصيرية وتعيد صياغة التحالفات الاقتصادية بما يخدم مصالحها.

شهدت سوريا تغيرات في الوجوه والمناصب، لكن كثيراً من شبكات المصالح القديمة التي كانت مرتبطة بالسلطة السابقة، بقيت متغلغلة في مفاصل القرار. كبار رجال الأعمال الذين أثروا في عهد الأسد – عبر الفساد والاحتكار – لم يختفِ نفوذهم بين ليلة وضحاها. بعضهم سارع إلى إعادة التموضع تحت مظلة السلطة الجديدة، مقدمين الولاء لها مقابل الاحتفاظ بمكاسبهم. على سبيل المثال، كشفت بعض التقارير أن شخصيات اقتصادية نافذة هرّبت أموالها إلى ملاذات آمنة قبل سقوط سلطة الأسد ثم تفاوضت مع الحكومة الجديدة على تسويات تجنبها الملاحقة.

في الوقت ذاته، صعدت أسماء جديدة من رجال الأعمال المحسوبين على العهد الجديد أخذت تحل محل بعض الوجوه القديمة، لكن بأساليب مشابهة عبر احتكار قطاعات حيوية مستفيدةً من علاقاتها الخاصة مع السلطة. ولا نريد أن نتحدث عن أسماء بعينها -رغم أنها معروفة ومتداولة ويعرفها القارئ قبل الكاتب- وذلك بهدف عدم شخصنة القضية التي نتناولها.

بعبارة أخرى، ما سقط فعلاً في 2024 هو الرأس المتحكم والقشرة الظاهرة للمنظومة؛ أما الذي لم يسقط فهو هيكل الولاءات والامتيازات الممتد تحته. إنه الإرث الثقيل لدولة قامت على الريع والولاء بدلاً من الإنتاج والكفاءة. كثيرون شبّهوا ما حدث في سوريا بتجارب دول أخرى: في العراق مثلاً، بعد سقوط صدام حسين، أعيد توزيع الثروة والنفوذ عبر شبكات طائفية وحزبية حافظت على الشلل الاقتصادي. وكذلك الأمر في سوريا، إذ ورثت السلطة الجديدة منظومة ريعية مترسخة ليس من اليسير تفكيكها دون خطوات جذرية.

احتكار السوق وشراء الولاءات

لعل أوضح مؤشر على بقاء نظام توزيع الثروة هو الأسلوب الذي يواصل به إعادة إنتاج نفسه عبر الاقتصاد والخدمات. بعد التغيير السياسي، توقع المواطن العادي أن تزول مظاهر الاحتكار وأن تنفتح الأسواق أمام المنافسة الشريفة. لكن واقع العام الأول كشف أن الكثير من الاحتكارات القديمة بقيت قائمة، أو عادت بوجوه جديدة. فعلى الرغم من دخول بعض الشركات والبضائع الجديدة إلى البلاد وكسر عزلة سنوات الحرب، ظل “كبار اللاعبين” يمسكون بمفاصل قطاعات حيوية. وأشار أحد التجار في درعا (يتخذ اسماً له أبو ستيف الكردي) إلى أن السوق بات يشهد منافسة أقوى ووفرة في بعض السلع مقارنة بأيام النظام السابق، لكنه حذّر في الوقت نفسه من عودة شبكات مصالح قديمة لاحتكار الموانئ والعقود التجارية، ما سيعيد إنتاج الاقتصاد الريعي الذي يحتكر المنافع ويستثني الأغلبية.

بكلمات أخرى، متى استمرت “أوليغارشية الحرب – تجار الحرب” في الإمساك بـ“مفاتيح الاقتصاد” – من المرافئ إلى عقود الإعمار والتجارة الخارجية – النتيجة ستكون تجديداً لدورة الريع التي تثري هؤلاء الأوليغارش بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي يشارك فيه الجميع، ويثري الوطن وجميع من فيه.

إلى جانب السوق، تستمر الخدمات العامة كساحة أخرى لإثبات نفوذ شبكات المصالح، فما زال المواطن السوري يواجه في حياته اليومية معوقات بيروقراطية لا تُحل إلا عبر الرشاوى أو الوسطاء ذوي العلاقات النافذة. فبعد عام من التغيير، تُخبرنا قصص الناس أن كثيراً من الدوائر الحكومية لم تتحرر من عقلية “السمسرة”. للحصول على وثيقة رسمية أو إنجاز معاملة بسيطة، قد يضطر المرء لدفع رشوة مستترة تحت مسمى “إكرامية” لموظف، أو الاستعانة بمعقّب معاملات يرتبط بأحد المتنفذين في المؤسسة.

وهكذا استمرت الخدمات العامة التي من المفترض أن تُقدَّم للمواطن كحق، بوصفها سلع في السوق السوداء تُباع لمن يملك ثمنها أو علاقاته. إنها الثقافة نفسها التي سادت لعقود، حين صار الحصول على وظيفة حكومية أو سرير في مستشفى أو مقعد دراسي مرهوناً بدفع مبالغ تحت الطاولة أو توسط شخصية نافذة. واليوم، ورغم الوعود الرسمية بمحاربة الفساد الإداري، لا تزال هذه الظواهر قائمة مما يدل على عمق تجذر ثقافة الفساد في أجهزة الدولة.

أما المؤسسة الأمنية، فلا تزال تلعب دوراً اقتصادياً خفياً يؤثر في توزيع الثروة، رغم أنّ هذا الدور ليس محسوساً بالطريقة التي كان فيها خلال وجود السلطة السابقة. خلال سنوات الحرب، نشأت طبقة من أمراء الحرب والمليشيات استفادت من حالة الفوضى لتحقق ثراءً فاحشاً عبر نهب الموارد وفرض الإتاوات. كثير من هؤلاء جرى دمجهم لاحقاً ضمن أجهزة أمنية أو شبكات تهريب تديرها شخصيات نافذة. وبعد سقوط الأسد، يفترض أن ينتهي عصر الحواجز التي كانت تقاسم الناس أقواتهم، لكن يبدو أن بعض الممارسات الموروثة استمرت في الواقع. فرغم إزالة كثير من الحواجز وتحسّن حرية الحركة بعد سقوط الأسد، يشير تقرير الوكالة الأوروبية للجوء (EUAA) ضمن Syria: Country Focus (تموز 2025) إلى أن تقارير الابتزاز عند نقاط التفتيش أصبحت نادرة وغالباً ما تُنسب إلى جهات مسلحة “اسماً” ضمن أجهزة الدولة، مع بقاء حوادث متفرقة مثل فرض “رسم خروج” في نقطة محددة.

كما يخلص تقرير وزارة الداخلية البريطانية (Home Office) بعنوان CPIN: Internal relocation, Syria في كانون الأول 2025، إلى أن حرية الحركة تحسّنت عموماً بعد سقوط الأسد، مع استمرار وجود نقاط تفتيش وفحوص هوية، وورود حالات متفرقة من المضايقات/سوء المعاملة دون مؤشرات على نمط “منهجي واسع”.

جانب آخر من جوانب إعادة إنتاج النظام يظهر في كيفية توظيف المساعدات الإنسانية والخدمات الاجتماعية. تحت حكم الأسد، كانت عمليات الإغاثة وتوزيع الدعم تتم وفق معايير الولاء السياسي؛ إذ مُنحت الأولوية لمناطق ما عرف بالـ «الموالين» وحُرمت مناطق المعارضين أو النازحين من أبسط الحقوق. تولت أسماء الأسد عبر منظماتها ما يشبه الاحتكار لتنسيق توزيع المعونات، مستغلة المأساة لمراكمة النفوذ والثروة تحت ستار خيري. وبعد رحيل السلطة القديمة، كان المتوقع إقامة معايير شفافة وعادلة لإيصال المساعدات لكل السوريين دون تمييز.

وبعد سقوط نظام الأسد، كان المتوقع تفكيك منظومة التحكم بتوزيع المساعدات. لكن هيومن رايتس ووتش (12 أيار 2025) وثّقت أن السلطات الحالية أعادت/شدّدت متطلبات تسجيل وتشغيل تُلزم منظمات الإغاثة بالعمل ضمن ‘نظام مظلّة’ يعيّن ‘شريكاً وطنياً’ بصلاحيات واسعة، وهو نموذج سبق أن استُخدم لتقييد استقلال العمل الإنساني وتقليل الشفافية في تخصيص المساعدات. كما تشير Refugees International (أيار 2025) إلى استمرار ترتيبات ترخيص/تنسيق تحدّ من مرونة واستقلال الجهات الدولية. وبذلك تبقى قابلية المحسوبية أو التوجيه غير القائم على الاحتياج قائمة ما لم تُصلح المنظومة الرقابية وآليات الاعتماد. وبصيغة أخرى، فإن جزءاً مهماً من نظام توزيع الثروة يظل سارياً عبر بوابة المساعدات أيضاً.

بالمحصلة، يظهر المشهد الاقتصادي-الاجتماعي في سوريا ما بعد الأسد بمزيج معقد من الجديد والقديم. نعم، هناك هوامش تحسنت: سعر العملة استقر نسبياً، وتوفرت بعض المواد الأساسية دون طوابير كما في السنوات السوداء، وارتفعت رواتب ما تبقى من الموظفين لتمتص بعض الغضب. لكن هذه التحسينات تبقى هشة إذا لم تقترن بتغيير جذري في أسس اللعبة الاقتصادية. وقد حذر مناف قومان munaff koman وهو أحد خبراء الاقتصاد، من أن استمرار اقتصاد النخب والأوليغارشية الذي يحمل إرث الحرب، سيعني ببساطة إنتاج نسخة جديدة من النظام القديم. أي أن الوجوه قد تتغير، لكن المعادلة تبقى: شبكة ضيقة تمسك بالموارد وتوزعها وفق المصالح، مقابل أكثرية مهمشة تكافح في ظل غلاء المعيشة والبطالة، وتعتمد على المعونات والحوالات لتنجو.

شروط التغيير الحقيقي

إذا كان سقوط رأس النظام لم يُسقط نظام توزيع الثروة الراسخ، فإن السؤال الأهم يصبح: ما المطلوب لإسقاط هذا النظام الموازي فعلاً وتحقيق التغيير الجذري الذي ينشده السوريون؟ هنا تبرز مجموعة من الشروط والإصلاحات أو التغييرات البنيوية التي يعتبرها الخبراء ضرورة لا غنى عنها. أول هذه الشروط الشفافية وإطلاق يد الرقابة والمحاسبة. لا يمكن إنهاء اقتصاد المحسوبيات والصفقات في العتمة بدون مؤسسات رقابية مستقلة وبرلمان فعّال وإعلام حر يكشف الفساد. أي اتفاقيات أو عقود استثمار جديدة ما لم تخضع لرقابة برلمانية وقضائية وشعبية صارمة، ستتحول تلقائياً إلى أدوات لشراء الولاءات وتكريس النفوذ بدلاً من خدمة الاقتصاد العام. لذلك، فإن بناء مؤسسات شفافة وآليات مساءلة حقيقية هو حجر الأساس؛ فلا حصانة لفاسد مهما علا منصبه، ولا سرية على عقود تتعلق بثروات البلاد.

ثانياً، تفكيك الامتيازات الاحتكارية واستعادة الأموال المنهوبة. لقد راكمت الشبكات المرتبطة بالنظام السابق ثروات هائلة بطرق غير مشروعة وعلى حساب المال العام. لذا فإن استرداد هذه الأموال ومحاربة احتكار القلة للأسواق خطوة محورية نحو عدالة التوزيع. الحكومة الجديدة أعلنت فعلاً عن حملات لمكافحة الفساد ومبادرات بالتعاون مع منظمات دولية لاسترداد الأصول المهربة. لكن نجاح هذه الجهود مرهون بإرادة سياسية صلبة لا تكتفي بصغار المرتشين، بل تصل إلى كبار “الحيتان” الذين صنعوا ثرواتهم عبر استغلال النفوذ. فتفكيك إمبراطوريات أسماء شهيرة مثل رامي مخلوف وسامر فوز ومحمد حمشو ومن على شاكلتهم – سواء عبر القضاء المحلي أو ملاحقات دولية – سيبعث رسالة واضحة بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى.

ثالثاً، إصلاح النظام الضريبي وتعزيز الإيرادات المشروعة للدولة. أحد جذور اقتصاد الريع في سوريا كان ضعف جباية الضرائب وهيمنة الموارد الريعية (مثل النفط والمساعدات) على خزينة الدولة. المطلوب الآن بناء نظام ضرائب عادل وفعال يوسع القاعدة الضريبية ويحد من التهرب والفساد. فحين تستطيع الدولة تحصيل الضرائب بشفافية وإنفاقها على الخدمات، تقل حاجتها للبحث عن موارد عبر المحاصصة أو إيكال الاقتصاد للموالين.

كذلك ينبغي إعادة هيكلة الدعم بحيث يصل حقاً إلى مستحقيه فعلاً وليس إلى جيوب المهربين والمحتكرين. فعلى سبيل المثال، القرار المرتبط بتسعير المحروقات بالعملة الصعبة ورفع الدعم عن الغاز المنزلي كان يهدف إلى سد عجز الموازنة، لكنه أثقل كاهل المواطن العادي. وكذلك الأمر بالنسبة للكهرباء التي سجلت ارتفاعاً خياليّاً رفضه الناس وقالوا بصراحة: لن ندفع!

والبديل الأنجع هنا هو ضبط منافذ الهدر والتهريب التي استفاد منها المنتفعون لسنوات، مما يوفر موارد تكفي لدعم الطبقات الفقيرة دون إرهاق بقية المواطنين. وتقسم الشرائح في تسعير الكهرباء إلى شرائح طبقية، تحمل فيها الطبقة الثرية الكلف الأعلى بمقابل كلف أقل ومدعومة للشرائح الفقيرة والتي تنسحب لتشمل 90% من السوريين باعتراف أممي.

رابعاً، استقلال القضاء وتعزيز سيادة القانون. لا تغيير حقيقي دون قضاء قوي يحاسب الفاسدين وينصف المظلومين دون تدخلات سياسية. استقلال السلطة القضائية في سوريا الجديدة سيكون الضامن لتطبيق أي قوانين إصلاحية تُسن لضبط توزيع الثروة. كما أن وجود قضاء نزيه يشجّع المستثمرين الحقيقيين – المحليين والأجانب – على الدخول في الاقتصاد السوري دون خشية مناخ المحسوبية والمخاطر العالية.

ضافة إلى ذلك، لا بد من تحديث القوانين الاقتصادية نفسها لتشجيع المنافسة العادلة ومنع تكوّن احتكارات جديدة. فالتنمية تتطلب أن يكون المعيار في السوق هو الجودة والسعر، وليس اسم التاجر وصلته بصاحب القرار. لذا فإصدار تشريعات لمكافحة الاحتكار وحماية المستهلك وتشجيع المشاريع الصغيرة سيكون جزءاً من معركة كسر نظام التوزيع القديم.

خامساً، عقد اجتماعي جديد ومشاركة مجتمعية واسعة، ففي النهاية، إنّ أي إصلاح اقتصادي أو قانوني لا ينبع من اتفاق وطني شامل ويؤسس لقاعدة التشاركية والعدالة، سيبقى مجرد وهم يُعيد تدوير الأزمة.  لا بد أن يشعر كل مواطن أن له نصيباً عادلاً في ثروة بلده وفرصها. وهذا يتطلب تمكين المجتمع المحلي والنقابات والهيئات الشعبية على عدة مستويات، من مراقبة الأداء الحكومي والمساهمة في رسم السياسات. ويتطلب أيضاً التخلص من عقلية “غنائم النصر” لدى السلطة الجديدة؛ فالدولة ليست مغانم يتقاسمها المنتصرون، بل مؤسسة جميع المواطنين. وبناء هذا الوعي هو الضمانة لعدم عودة الاستبداد بثوب آخر. ومن فقه العرب أن «الثورات» و«معارك التحرير» «مغرم لا مغنم»…

وفي الختام، تبقى المعادلة الحاسمة التي تقيس نجاح التغيير في سوريا: هل انخفض عدد بوابات الريع وتراجعت سلطة الشبكات في الاقتصاد؟ وهل ازدادت شفافية إدارة الموارد وطرق توزيع الثروة لتحل محل الصفقات المظلمة؟ هل شعر الناس بأن الفقر والعوز والحرمان أصبح من الماضي؟ إذا لم يتحقق ذلك، فإن ما جرى في نظر الناس مجرد تغيير شكلي وسقوطاً لرأس النظام دون نظامه. أما إذا جرى تفكيك منظومة الامتيازات فعلياً وإطلاق طاقات السوريين ضمن دولة قانون وعدالة، فعندها فقط يمكن القول إن سقوط الأسد كان بداية لسقوط نظام توزيع الثروة وبزوغ فجر سوريا الجديدة التي حلموا بها منذ 2011، ومنذ ما قبل 2011 وصولاً إلى لحظة انتزاع الاستقلال من المستعمر…

اقرأ أيضاً: الاستقلال وأسئلة الفساد.. بين سطري البيان الرسمي للاتصالات تسكن الحقيقة!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى