سياسة

بعد حمشو.. هل نشهد تسوية مع مخلوف!.. محاولة لفهم التسويات مع رجالات النظام

بقلم: ريم ريّا

أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، على موقعها الرسمي، عن إنجاز تسوية مع رجل الأعمال محمد حمشو، ضمن برنامج الإفصاح الطوعي الذي أطلقته مؤخراً بهدف تسوية أوضاع عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق. الخبر بحد ذاته ليس مفاجئاً، لكنه يكتسب دلالته من السياق الأوسع الذي يأتي فيه، خاصةً مع تكرار أسماء اقتصادية بارزة ارتبطت خلال السنوات الماضية بقضايا وشبهات مالية، لتمثّل هذه الأسماء رجالات اقتصاد الحرب الموالين للنظام، مثل: “سامر فوز، وسيم قطان، غسان القلاع، سامر الدبس”، والذين يمكن أن ينتقلوا تدريجياً من موقع الاتهام الضمني إلى مسارات تسوية منظمة مع الدولة.

هذا التطور يطرح سؤالاً مركزياً: هل ما يجري مجرد حالات فردية فرضتها ظروف خاصة، أم أننا أمام نمط متكامل لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية ورجال المال؟ والأهم، هل يمكن أن تمتد هذه المسارات يوماً لتشمل أسماء أكثر شهرة، مثل رامي مخلوف، الذي ما زال يقدم نفسه على أنه موجود في المشهد السياسي والاقتصادي؟

رجال الأعمال في بنية النظام السابق في سوريا

لم يكن رجال الأعمال في سوريا، خلال العقدين الماضيين مجرد فاعلين اقتصاديين تقليدين أو نتاج تطور طبيعي للسوق. بل كانوا جزءاً من هندسة سياسية – اقتصادية مقصودة. هؤلاء لم يعملوا على هامش السلطة، بل داخلها، بوصفهم أدوات تنفيذية وواجهات مالية لقرارات لم يكن من الممكن تمريرها عبر مؤسسات الدولة التقليدية. رأس المال الخاص هنا لم يكن بديلاً عن الدولة بل امتداداً غير معلن لها.

في مرحلة العقوبات التي فرضت على سوريا واشتدت عام 2020، برز دور رجال الأعمال بوصفهم وسطاء للالتفاف على القيود المالية والتجارية. فأسست شركات واجهة، وشبكات استيراد وتصدير غير مباشرة، ومسارات تحويل مالي خارج القنوات الرسمية، سمحت للنظام بالحفاظ على حد أدنى من التدفقات الاقتصادية.

مع سنوات الحرب، تطور الدور ليشمل المشاركة المباشرة في إدارة اقتصاد الصراع. استثمر هؤلاء في قطاعات مرتبطة بالحرب نفسها، كالمواد الأساسية والطاقة والاتصالات والخدمات، مستفيدين من انهيار المنافسة وتحول الدولة إلى جهة مانحة للامتيازات لا جهة منظمة للسوق. فتحول رأس المال لأدوات تثبيت للسيطرة وإدارة المناطق والولاءات.

ضمن هذا المشهد، شكل رامي مخلوف النموذج الأكثر اكتمالاً لهذا العلاقة حتى عام 2020 ومغادرته سوريا إثر خلاف مع رأس السلطة حينها بشار الأسد. لم يكن مخلوف مجرد رجل أعمال نافذ، بل الذراع الاقتصادية للنظام السابق، خاصةً في القطاعات الاستراتيجية كالاتصالات والخدمات المالية.

موقع مخلوف العائلي وحجم شبكاته، جعلاه نقطة التقاء بين القرار السياسي، والاحتياجات الأمنية والموارد الاقتصادية. كان رامي مخلوف بمثابة ضمانة مالية للنظام. ووجوده في تلك المرحلة لم يكن قابلاً للاستبدال بسهولة، لأنه لم يكن مجرد مالك أصول، بل مدير منظومة مالية كاملة. فمخلوف يعرف مسارات المال، ومفاتيح الشبكات، وحدود الممكن والممنوع.

مؤخراً، يطل مخلوف على الشعب السوري، ببيانات بين الحين والآخر حول الأحداث الدائرة في البلاد، وفي أحد بياناته دعا الحكومة السورية إلى التعاون معه “لحماية البلاد، وتحقيق مصلحة العباد وتوفير الأمن والأمان”. حسب تعبيره.

ربما موقع مخلوف السابق والتسوية الحالية مع حمشو، تدفعنا كما كثيرين لطرح السؤال المشروع: هل ما زال يُنظر إليه كأصل يمكن إعادة توظيفه ضمن تسوية محسوبة، أم كعبء سياسي واقتصادي من الصعب استيعابه ضمن الترتيبات الجديدة؟

اقرأ أيضاً: حمشو نموذجاً: هل يعيد رأس المال إنتاج نفوذه في المرحلة الانتقالية؟

التسويات في سوريا أدوات سياسية أم قانونية؟

من الصعب فصل التسويات الجارية مع رجال الأعمال مرتبطين بالنظام وسلطة الأسد، تحديداً بوزن حمشو، عن السياق السياسي الذي تدار ضمنه. فهي لا تقوم على منطق التقاضي التقليدي، حيث تعرض الوقائع أمام القضاء ويترك الحكم لموازين القانون، ولا تُصنّف أيضاً ضمن إطار العفو العام أو المصالحة الوطنية. ما يجري هو مسار خاص، استثنائي بطبيعته، صُمم للتعامل مع فئة بعينها تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً لا يمكن تجاهله أو التعامل معه بالأدوات الكلاسيكية وحدها.

في هذا الإطار المطروح، تتحول التسوية إلى أداة لإدارة القوة أكثر منها أداة لتحقيق العدالة. فالدولة لا تسعى إلى تفكيك كامل لشبكات النفوذ، بل إلى إعادة ضبطها وتحديد سقوفها. فيتم اعتماد نموذج يقوم على استعادة جزء من الموارد المالية، مقابل تحييد المخاطر السياسية والاقتصادية التي قد تنشأ عن فتح ملفات واسعة تتقاطع فيها مصالح متعددة ومتداخلة.

في السياق السوري وبسبب خصوصيته، يصبح خيار التسوية أكثر حضوراً، فالدولة هنا ليست كياناً منفصلاً عن السلطة، والقانون لا يعمل دائماً كمرجعية مستقلة عن القرار السياسي. ضمن هذا التشابك، تصبح التسويات وسيلة لإعادة إنتاج النظام الاقتصادي بطريقة أكثر انضباطاً وتنظيماً لا بالضرورة أكثر عدالة أو شفافية. وتركز على شكل النظام الاقتصادي وآلية الاستفادة منه أكثر من التركيز على تصحيح اختلالات الماضي.

بهذا المعنى، تصبح التسويات أداة لإعادة ترتيب المشهد أكثر مما هي وسيلة لإنهاء ملفات الشبهات. ويمكن اعتبارها سياسة تهدف إلى ضمان الاستقرار وضبط مراكز القوة، حيث تفضل الدولة إدارة التناقضات بدل حسمها.

لماذا الآن؟ كيف تفكر الدولة برجال أعمال النظام السابق

لنحاول التفكير من منظور الدولة، تتعامل الدولة السورية مع ملف رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق ربما بوصفه ملف إدارة قوة ونفوذ، لا مجرد ملف شبهات مالية وحسب.

من هذا المنظور، تبدو التسويات خياراً عملياً يوازن بين الحاجة إلى استعادة الموارد المالية. فهؤلاء الأشخاص لا يمثلون ثروات شخصية فحسب، بل يمتلكون شبكات مالية، وعلاقات خارجية وخبرات عديدة، وبعضهم يمتلك تأثيراً اجتماعياً واقتصادياً لا يمكن تفكيكه بسهولة.

عقلية الدولة هنا، لا تنطلق من سؤال “من سرق؟” بقدر ما تنطلق من سؤال “كيف نعيد ضبط المشهد؟”، ربما المحاسبة الشاملة قد تبدو أخلاقياً جذابة، لكنها في الواقع السوري المعقد قد تفتح ملفات متشابكة تطال مفاصل حساسة في الاقتصاد والإدارة، قد لا يمكن بعدها إغلاقها. لذلك، تُفضّل السلطة مقاربة تدريجية تقوم على المقاصة: استعادة جزء من المال، تقليص نفوذ رجال الأعمال، وإعادة إدماج ما يمكن إدماجه ضمن قواعد أكثر انضباطاً.

هذا ما يؤكده رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع المهندس باسل السويدان، بقوله: “أن التسويات التي تنجز مع عدد من رجال الأعمال، ومن بينها تسوية رجل الأعمال محمد حمشو، تندرج ضمن إطار مبادرة الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، بوصفها تسوية اقتصادية قائمة على المقاصة”.

كما أوضح السويدان، أن هذه التسوية الاقتصادية، تهدف إلى استرداد المال العام، وإعادته إلى الدولة السورية عبر مسار قانوني ومؤسسي منضبط، مع إعادة إدماج المال والأعمال الناتجة عن الكسب غير المشروع في الدورة الاقتصادية النظامية.

ولفت السويدان إلى أن تسوية محمد حمشو ليست حالة منفردة أو استثنائية، بل هي واحدة من عشرات التسويات التي تنجز تباعاً ضمن هذا المسار، والتي تنتهي جميعها بإقرار طوعي من قبل رجال الأعمال المعنيين، يقضي بتسليم جزء كبير من أموالهم وأصولهم إلى لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، ليصار إلى تحويلها قانوناً إلى الدولة السورية، وتوجيهها لاحقاً نحو أغراض تخدم الاستقرار الاقتصادي، وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

بهذا المعنى، لا تدار التسويات كاعتراف بالذنب، بقدر ما تدار كإعادة تموضع. الدولة لا تبحث عن عدالة مثالية بقدر ما تبحث عن استقرار قابل للاستمرار، حتى لو جاء ذلك على حساب نموذج محاسبة صارم.

بالمحصلة، من المشروع أن تترك هذه التسويات أسئلة مفتوحة، حول مفهوم المحاسبة، وحدود القانون، وإمكانية بناء اقتصاد مستقر دون معالجة شاملة وجذرية لإرث العلاقة بين السلطة والمال. وسواء شملت هذه المسارات أسماء جديدة مثل، رامي مخلوف أو غيره، فإنها تعكس عقلية دولة تسعى إلى اعادة ترتيب بيتها الداخلي بأدوات براغماتية، لا ثورية، وبحسابات باردة أكثر من كونها اندفاعية.

في المقابل، ثمّة من يرى في هذا المسار البراغماتي إشكالية جوهرية. فالتسويات، كما تُدار اليوم، قد لا تمثل قطيعة حقيقية مع النظام الاقتصادي الذي تشكّل في ظل السلطة الأسدية، بل إعادة تنظيم له بعد زوال رأسه السياسي. ووفق هذا الرأي، فإن معالجة الملفات عبر المقاصة المالية، دون تفكيك العلاقة البنيوية بين السلطة ورأس المال، تعني عملياً الإبقاء على جوهر النظام مع تعديل أدواته فقط.

من هذا المنظور، تتحول التسويات من خطوة انتقالية إلى آلية تثبيت. فبدلاً من فتح نقاش عام حول مصادر الثروة، وآليات النفوذ، وحدود المسؤولية، يجري احتواء الماضي داخل مسارات إدارية مغلقة، تُغلق الملفات من دون مساءلة علنية أو كشف كامل للوقائع. وهذا ما يطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة التحول الجاري: هل هو انتقال سياسي فعلي، أم إعادة إدارة للنظام ذاته بشروط أكثر هدوءاً؟

لا تكمن المشكلة هنا في غياب ما يمكن تسميته: “العدالة المثالية”، ولا في طوباويتها، بل في خطر ترسيخ قطيعة شكلية مع الماضي، بينما تستمر بنيته الاقتصادية في العمل. فإزاحة الرأس الأسدي لا تعني بالضرورة تفكيك المنظومة التي نشأت حوله، وإذا لم تُمس القواعد التي سمحت بتراكم النفوذ والثروة خارج أي رقابة حقيقية، يبقى التغيير محدوداً في مستواه العميق.

بهذا المعنى، لا تتعلق المسألة بأسماء بعينها، بل بالسؤال الأوسع حول شكل الاقتصاد الذي يُعاد بناؤه: هل يقوم على قواعد مختلفة وعلاقة جديدة بين الدولة ورأس المال، أم يكتفي بإعادة ترتيب المواقع داخل المنظومة نفسها؟ الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كانت المرحلة الانتقالية بداية تحول فعلي، أم مجرد إعادة ضبط للنظام القديم بواجهة جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى