بعد تكرر الهزات الأرضية.. هل هناك ما يدعو للقلق؟

بقلم هلا يوسف
في كل مرة تحدث هزة أرضية ولو كانت خفيفة، تعود ذاكرة السوريين إلى زلزال شباط 2023 الذي خسر فيه الكثير من سكان الشمال السوري أحبائهم تحت أنقاض الأقدار الإلهية. واليوم، تعود هذه الهزات مترافقة مع كثير من الأسئلة التي يطرحها المواطنون حول أسباب هذه الهزات، وهل يجب أن يقلقوا من القادم.
فقد شعر سكان المناطق الشمالية في سوريا خلال الأيام الماضية بهزتين أرضيتين متتاليتين. الأولى سجلها المركز الوطني للزلازل بعد منتصف الليل بقوة 4.4 درجات على مقياس ريختر، شمال غرب حلب بنحو 86 كيلومتراً وعلى عمق 7.5 كيلومترات، بينما سجلت محطات الرصد قبلها هزة أخرى بقوة 4.1 درجات شمال غربي مدينة غازي عنتاب التركية، وشعر بها سكان حلب وإدلب وريف اللاذقية الشمالي.
وعلى الرغم من أن الهزتين لم ينتج عنهما أي أضرار، إلا أن استمرار تسجيل هذه الهزات أصاب الناس نوع من القلق حول طبيعة هذه الهزات.
الهزات مستمرة… لكن لماذا؟
يقول الخبراء إن أول ما يجب معرفته هو أن شمال سوريا وجنوب تركيا يقعان في منطقة نشطة زلزالياً، ففيها تلتقي عدة صفائح تكتونية، أبرزها الصفيحة العربية والصفيحة الأناضولية والصفيحة الإفريقية، بالإضافة إلى مرور صدع شرق الأناضول وعدد من الصدوع النشطة الأخرى، وهو ما يجعل وقوع الهزات الأرضية أمراً متكرراً وطبيعياً من الناحية الجيولوجية.
لكن هناك سبب آخر يجعل الهزات متكررة منذ عام 2023، وهو أن الزلزال الكبير الذي ضرب المنطقة في شباط من ذلك العام. فبحسب المركز الوطني للزلازل، أدى ذلك الزلزال إلى إعادة توزيع الضغوط داخل القشرة الأرضية، ولذلك من المتوقع علمياً أن تستمر الهزات الارتدادية والهزات الصغيرة والمتوسطة لفترة قد تمتد إلى سنوات، مع تراجع تدريجي في عددها وقوتها.
وهذا يعني أن تسجيل هزة جديدة بين الحين والآخر لا يعد شيئاً غريباً بحد ذاته، بل يدخل ضمن السلوك الطبيعي لمنطقة نشطة زلزالياً.
ويشير المركز إلى أن الهزة الأخيرة وقعت على صدع شرق الأناضول، وأن عمقها الضحل جعل السكان يشعرون بها بشكل أوضح، رغم أنها بقيت ضمن الحدود الطبيعية للنشاط الزلزالي المعروف في المنطقة.
وقد يلاحظ البعض أن مناطق معينة تشعر بالهزة أكثر من غيرها، حتى لو كانت المسافات قريبة من بعضها. ويحدث ذلك بسبب عدة عوامل، أهمها قرب المنطقة من مركز الزلزال، بالإضافة إلى طبيعة التربة. فالترب الرخوة والرواسب الطينية تضخم الاهتزازات، بينما تخف حدة الموجات في المناطق الصخرية الأكثر صلابة، ولذلك كان الشعور بالهزة أوضح في حلب وإدلب وريف اللاذقية الشمالي.
هل الهزات الأخيرة تدل على اقتراب زلزال جديد؟
ربما يكون هذا السؤال من أكثر الأسئلة المتداولة بعد كل هزة أرضية، إلا أن العلم قال كلمته الفصل في ذلك: لا يمكن اعتبار الهزة الصغيرة أو المتوسطة دليلاً على اقتراب زلزال كبير. فالمركز الوطني للزلازل يؤكد أن الهزات التي تتراوح قوتها حول أربع درجات على مقياس ريختر تصنف ضمن الهزات الخفيفة إلى المتوسطة، وهي لا تحمل لوحدها أي مؤشر على وجود نشاط استثنائي.
ويشرح المختصون أن العلوم الزلزالية وصلت إلى مراحل متقدمة في دراسة حركة الأرض ورصد الصدوع وتقييم مستوى الخطورة، لكنها حتى اليوم لا تستطيع تحديد موعد وقوع أي زلزال أو مكانه أو قوته بدقة. لذلك فإن أي حديث عن توقع زلزال في يوم معين أو خلال أسبوع أو شهر لا يستند إلى أساس علمي.
كما يلفت الخبراء إلى نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون، وهي أن وصف هزة معينة بأنها كانت “تمهيدية” لا يتم إلا بعد وقوع زلزال أكبر في المنطقة نفسها، أي أن هذا الوصف يأتي بعد الحدث وليس قبله، ولا يمكن استخدامه للتنبؤ بما سيحدث مستقبلاً.
وفي نفس الوقت لا يمكن إنكار أهمية الهزات الأرضية الصغيرة، لأنها تقدم للعلماء معلومات دقيقة عن حركة الصدوع، وكيفية انتقال الضغوط داخل القشرة الأرضية، وتساعد في تحديث خرائط الخطر الزلزالي وفهم النشاط المستمر في المنطقة بشكل أفضل.
لذلك يواصل المختصون مراقبة كل هزة يتم تسجيلها، حتى وإن كانت ضعيفة، لأنها تضيف بيانات جديدة تساعد في فهم الصورة الكاملة للنشاط الزلزالي.
الاستعداد أهم من الخوف
عندما نناقش الفكرة بالمنطق بعد كلام العلماء السابق، ومعرفتنا المسبقة بأنه لا يمكن التنبؤ بموعد الزلازل، فإن أفضل وسيلة للتعامل مع الهزات الأرضية هي الاستعداد المسبق على المستوى الحكومي. بمعنى استعداد فرق البحث والإنقاذ في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لأي حالة طارئة فور تسجيل أي هزة أرضية، حتى وإن لم ترد بلاغات عن أضرار.
حيث تبدأ الفرق بجولات ميدانية لتفقد الأبنية المتضررة سابقاً، ولا سيما تلك التي تعرضت للقصف أو تأثرت بزلزال شباط 2023، للتأكد من عدم حدوث انهيارات جديدة أو وجود أشخاص بحاجة إلى المساعدة.
وتعمل مراكز الدفاع المدني وفق خطط طوارئ معدة مسبقاً، تشمل تحديد أماكن الإخلاء، وآليات طلب الدعم من المراكز الأخرى، وتجهيز مواقع آمنة لاستقبال المتضررين إذا استدعت الحاجة.
إلا أن المسؤولين يشيرون في الوقت نفسه إلى أن الاستجابة تواجه تحديات حقيقية، أبرزها محدودية المعدات الثقيلة والآليات اللازمة لرفع الأنقاض، بالإضافة إلى نقص الكوادر المتخصصة في عمليات الإنقاذ، خاصة إذا تعرضت عدة مناطق لأضرار في الوقت نفسه.
أما بالنسبة للمواطنين، فيؤكد المختصون أن التصرف الصحيح أثناء الهزة قد يصنع فرقاً كبيراً. فإذا كنت داخل المنزل، فمن الأفضل الاحتماء تحت طاولة أو قطعة أثاث متينة، والابتعاد عن النوافذ والأجسام القابلة للسقوط، مع تجنب استخدام المصاعد. وإذا كنت خارج المبنى، فمن الضروري الابتعاد عن الجدران والأبنية والأعمدة الكهربائية والتوجه إلى مكان مفتوح حتى تنتهي الهزة.
وبعد انتهاء الاهتزاز، ينصح بعدم التسرع في العودة إلى أي مبنى متضرر، لأن الهزات الارتدادية قد تتسبب بانهيارات إضافية، كما ينبغي التأكد من عدم وجود تسرب للغاز أو أضرار إنشائية، والاعتماد دائماً على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، بعيداً عن الشائعات التي تنتشر سريعاً بعد كل هزة أرضية.
في النهاية، الهزات الأرضية الخفيفة التي تتأثر بها سوريا لا تحمل أي مؤشرات على وجود زلزال كبير، وهذا النشاط طبيعي. إلا أن المبالغات تأتي من مواقع التواصل الاجتماعي التي تضخم أي حدث طبيعي. لذلك الاعتماد على المعلومات الموثوقة من الجهات الرسمية والعلمية هو الحل الأفضل للقضاء على القلق.
اقرأ أيضاً: نهر الفرات.. كيف أصبح النهر العظيم الذي نعرف؟ دراسة علمية حديثة تجيب









