بعد تداعيات حلب: هل تخسر قسد مشروعها السياسي والعسكري؟

بقلم هلا يوسف
لا يمكن النظر إلى الاشتباكات التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب بوصفها حدثاً أمنياً محدوداً أو معزولاً عن السياق السياسي والعسكري في سوريا. فقد كشفت هذه المواجهات عن تعقيدات كبيرة في العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مصير اتفاق العاشر من آذار، ومستقبل الوجود العسكري لقسد، وطبيعة النظام السياسي المنشود في البلاد. كما سلطت الأحداث الضوء على أدوار القوى الإقليمية والدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة وتركيا والاحتلال الإسرائيلي، في تحديد موازين القوة والمستقبل السياسي في سوريا. في هذا المقال سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة.
أعلنت الحكومة السورية في العاشر من كانون الثاني 2026 بسط سيطرتها الكاملة على مدينة حلب، منهية بذلك وجود قسد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بعد أكثر من 14 عاماً من التواجد العسكري والسياسي في المدينة عقب تشكيل حزب الاتحاد الديمقراطي جناحه العسكري تحت اسم وحدات حماية الشعب في عام 2012، والذي أصبح لاحقاً العمود الفقري لقسد.
جاءت السيطرة الحكومية بعد تصعيد عسكري بدأ في السادس من كانون الثاني، إثر استهداف قسد نقطة عسكرية للجيش السوري، إلى جانب قصف مؤسسات رسمية وأحياء مدنية داخل المدينة وفق بيانات الحكومة السورية. وأسفرت هذه العملية عن اندلاع اشتباكات واسعة في أحياء الأشرفية وبني زيد ومساكن الشقيف، انتهت بمحاصرة المجموعات المسلحة المتبقية في حي الشيخ مقصود، الذي بقي آخر معقل لقسد داخل المدينة.
ورغم التوصل إلى تسوية تقضي بانسحاب هذه المجموعات باتجاه شرق الفرات، تعثرت العملية نتيجة امتناع قسد عن تنفيذ الاتفاق، على الرغم من وصول الحافلات المخصصة لنقل مقاتليها. هذا دفع الجيش السوري إلى إطلاق عملية عسكرية مساء التاسع من كانون الثاني، بهدف تمشيط حي الشيخ مقصود وإنهاء الوجود المسلح.
يرى مركز جسور للدراسات أنّ لجوء الحكومة السورية للخيار العسكري جاء نتيجة عدم التزام قسد بالاتفاقات السابقة، ولا سيما اتفاق الأول من نيسان الذي نص على انسحابها العسكري شرق الفرات مع الإبقاء على قوى أمنية محلية، إضافة إلى اتفاق العاشر من آذار 2025 الموقع بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي والذي يوجد فيه نقاط اختلاف كبيرة بين الطرفين.
إلا أن الأحداث الأخيرة فتحت باب تساؤلات كبيرة حول المستقبل القريب للعلاقة بين الحكومة السورية وقسد، خصوصاً بعد الضغط الدولي لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار المتعثر. هذا ما يفترض وجود معارك مستقبلية بين الطرفين سواء مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذا الخصوص يقدر مركز جسور أن السيناريو الأرجح بعد حسم المعارك في حلب هو انتقال التصعيد إلى مناطق دير حافر ومسكنة، الواقعتين على بعد أقل من 60 كيلومتراً شرق المدينة، مع احتمالات أقل لتوسيع العمليات من مناطق شرق الفرات مثل الرقة أو دير الزور. ويُعيد المركز هذا التقدير إلى اعتماد قسد على وجودها العسكري غرب الفرات كورقة ضغط إضافية، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف الأحياء المدنية أثناء الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، ما قد يدفع الجيش السوري لاحقاً إلى التحرك باتجاه هذه المناطق لطرد قسد وإنهاء أي تهديد محتمل لحلب.
كما فسر المركز رفض مقاتلي قسد الاستسلام داخل الأحياء وعدم قبولهم الانتقال إلى جبهات أخرى كمحاولة لاستدعاء تدخل دولي أو خلق حالة تعبئة على أسس طائفية، إلا أن هذه المحاولة لم تحقق نتائج ملموسة، في ظل انضباط الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي والتزامهما بالأطر القانونية المحلية والدولية. هذا الانضباط حدّ من وقوع انتهاكات، وقلص قدرة قسد على التأثير في الرأي العام أو تحريك مواقف خارجية داعمة لها. كما يشير المركز إلى أن الموقف الأمريكي جاء دون مستوى توقعات قسد، إذ اتسم بالصمت في البداية قبل أن تصدر تصريحات لاحقة للرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص اتسمت بالغموض، لكن تم فهمها على أنها لا تعارض مسار الحكومة السورية في حلب.
وفي هذا السياق يرى المركز أن دعوات الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار بعد حسم المعركة قد تترجم من جانب الحكومة السورية بالعودة إلى استحضار “خارطة طريق منبج” المتفق عليها بين واشنطن وأنقرة منتصف عام 2018، والتي نصت على إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لقسد. ويعني ذلك أن دمشق قد تناور على انسحاب قسد من مناطق دير حافر ومسكنة باتجاه شرق الفرات.
لا يمكن الآن أن تعتمد قسد على الدعم الامريكي الكامل، حيث أصبح غير مضمون في ظل العلاقات التي يمكن وصفها بأنها جيدة بين الحكومة السورية وأمريكا. وهذا ما يفسر قبولها المبدئي باتفاق الأول من نيسان المتعلق بالانسحاب من الأشرفية والشيخ مقصود. إلا أن قسد راهنت في المقابل على إمكانية الحصول على دعم من الاحتلال الإسرائيلي لإعادة صياغة دورها السياسي والعسكري شرق الفرات، وهو ما انعكس في المماطلة بتنفيذ اتفاقي العاشر من آذار والأول من نيسان بحسب مركز جسور.
وبحسب تحليل المركز فإن انتقال قسد إلى خيار المواجهة العسكرية أسهم عملياً في إنهاء مفاعيل اتفاق الأول من نيسان، وجعل العودة إلى المفاوضات على أساس اتفاق العاشر من آذار أمراً غير مرجح قبل إخلاء كامل لمناطق غرب الفرات من وجودها المسلح، بهدف إزالة التهديد الذي تمثله هذه المناطق لمدينة حلب ومحيطها. ويرجح المركز أن الحكومة السورية لن تقبل مستقبلاً بأي صيغة تفاوضية تسمح لقسد بالحفاظ على مشروعها السياسي أو بنيتها العسكرية داخل مؤسسات الدولة في حال استئناف المسار التفاوضي.
ويخلص المركز إلى أن دور قسد كان محصوراً أساساً في الإطار القتالي ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، ومع سقوط نظام الأسد وانضمام الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي، سقطت المبررات التي استندت عليها قسد للاستمرار كقوة عسكرية مستقلة. ويشير المركز إلى أن معظم الأطراف الدولية لا تدعم تحول قسد إلى مشروع سياسي أو إنشاء كيان ذي إدارة ذاتية، باستثناء الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل مستقبل قسد مرتبطاً بمدى استعدادها للاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، أو مواجهة مسار يؤدي إلى إنهاء دورها الحالي.
ماذا عن اتفاق العاشر من آذار؟
في سياق التطورات التي شهدتها حلب سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الضغط على جميع الأطراف لمنع تدهور الوضع. حيث جاءت تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك عقب لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية السوري، داعمة للمسار السلمي دون الوقوف إلى جانب طرف بشكل واضح. لكن دعمها لخطوات الحكومة السورية لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في البلاد كان واضحاً.
فقد أشار المبعوث إلى أن الحكومة السورية جددت التزامها باتفاق العاشر من آذار، خاصة ما يتعلق بملف قسد ودمجها ضمن المؤسسات الوطنية. لكنه أعرب عن قلق واشنطن من أن التطورات الأخيرة في حلب قد تعقد تنفيذ الاتفاق، معتبراً أن استمرار أعمال العنف قد يهدد ما تحقق من خطوات منذ سقوط نظام الأسد، ويخلق بيئة قابلة لتدخلات خارجية إضافية. وأكد على استعداد الولايات المتحدة لتيسير حوار بين الحكومة السورية وقسد لتشكيل جيش وطني موحد.
أسباب رفض الحكومة السورية لبند الفيدرالية جوهر الخلاف
يبدو أن الحكومة السورية تحاول تدارك أخطاء الدول الأخرى عقب خروجها من الثورات. فمع الشواهد الكثيرة أمامها من الطبيعي أن ترفض مبدأ اللامركزية أو الفيدرالية. حيث ترى أن وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة يؤدي إلى ضعف السلطة المركزية. فقد أظهرت تجارب لبنان والعراق وليبيا واليمن، حيث أدى بقاء التشكيلات المسلحة خارج الدولة إلى خلق كيانات موازية وتقويض استقرار الحكومة المركزية.
وهنا يشير مركز جسور أن قبول اندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية وفق بنيتها الحالية، مع الإبقاء على تسلسل قيادي مستقل نسبياً، يشكل حالة استثنائية غير مسبوقة في التجربة السورية. ويشير المركز إلى أن هذا النموذج يختلف حتى عن الصيغة المعتمدة مع هيئة تحرير الشام، حيث تم حل جميع الفصائل العسكرية التابعة لها.
وعليه يرجح المركز أن الحكومة السورية سترفض الإبقاء على قسد دون حل كامل، أو تطبيق اتفاق العاشر من آذار بشكل تدريجي يسمح لها بالحفاظ على سلاحها وهيكليتها القيادية، إذ قد يمنح ذلك قسد القدرة على إعادة توسيع نفوذها في حال تعرضت الحكومة لضغوط داخلية أو خارجية. وقد يدفع هذا الواقع الحكومة إلى اتخاذ خطوات أكثر تشدداً، مثل إعلان تعثر تنفيذ الاتفاق وتحميل قسد مسؤولية ذلك، أو حل الإدارة الذاتية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، أو مطالبة التحالف الدولي بنقل المهام الموكلة إلى قسد إلى مؤسسات الدولة، إلى جانب التحرك دبلوماسياً لضبط الحدود ومنع أي أنشطة اقتصادية أو عسكرية خارج إطار الدولة.
اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تكرر «إسرائيل» سيناريو الصومال في الجنوب السوري؟!
قسد.. عقدة الحل والخلاف بالنسبة لتركيا وإسرائيل
في الوقت الذي شهدت فيه الحكومة السورية دعماً كاملاً من تركيا منذ سقوط النظام السابق. كان الاحتلال الإسرائيلي ترسم خطط الدعم للأقليات السورية ليس حباً بهم، بل لتوافق تخوفاتهم مع مصالح الاحتلال بتقسيم سوريا.
فقد عبرت تركيا عن موقفها من الأحداث التي شهدتها حلب عبر تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن تنظيم “واي بي جي/قسد” لا يغير سلوكه إلا تحت الضغط، وأن اتفاق العاشر من آذار يمثل إطاراً عملياً على الورق يمكن تنفيذه على أرض الواقع، لكن التحدي الأساسي يكمن في غياب إرادة حقيقية لدى قسد للانخراط في هذا المسار.
وأكد فيدان أن أي مقاربة جادة لمستقبل الأكراد في سوريا ينبغي أن تستند إلى حلول سلمية تضمن التعايش مع بقية مكونات المنطقة، محذراً من أن توظيف ملف مكافحة داعش لتحقيق مكاسب سياسية لن يؤدي إلى نتائج مستدامة، مشدداً على أن المرحلة الراهنة تتطلب انتقالاً نحو الحوار والحلول الواقعية لتحقيق استقرار طويل الأمد في سوريا والمنطقة.
إلا أن علاقة قسد والاحتلال الإسرائيلي في المرحلة الحالية قائمة على تقاطع مصالح مؤقت، وليست تحالفاً رسمياً أو دائماً، حيث يتعامل كل طرف مع الآخر بما يخدم مصالحه في المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا.
فمع التغييرات الكبيرة التي شهدتها سوريا في نهاية 2024، بدأت تظهر مؤشرات على وجود تواصل بين قسد والاحتلال الإسرائيلي، فبحسب مركز الحوار السوري دعت بعض وسائل الإعلام العبرية ومحللين إسرائيليين إلى ضرورة حماية قسد في ظل مخاوف من تراجع نفوذها أو تعرضها لهجمات من أطراف أخرى داخل سوريا.
كما تشير تقارير إعلامية نقلها مركز الحوار السوري إلى أن قيادات قسد تواصلت مع إسرائيل وطلبت دعماً عاجلاً، نتيجة قلقها على مستقبل مشروع الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، خاصة بعد سقوط النظام السابق وتغير موازين القوى. وكانت قنوات التواصل موجودة منذ سنوات، لكنها ازدادت وضوحاً ونشاطاً في المرحلة الأخيرة.
في المقابل تعامل الاحتلال الإسرائيلي بحذر مع هذه الطلبات، بسبب التعقيدات السياسية ورفض تركيا لأي وجود لقسد قرب حدودها. وناقشت مؤسسات الاحتلال الأمنية إمكانية تقديم دعم لقسد، لكنها كانت تدرك أن أي تدخل مباشر قد يؤدي إلى ردود فعل إقليمية ودولية واسعة.
كما أظهرت الأحداث في دير الزور بعد سقوط النظام السابق أن الضربات الجوية الإسرائيلية جاءت بعد انسحاب قسد من المدينة وأخذها المعدات العسكرية، وليس أثناء وجودها فيها، على عكس تدخلاتها في مدن أخرى، ما أثار تساؤلات حول توقيت وأهداف الضربات.
وفي السابق سمحت قسد بدخول صحفيين من وسائل إعلام إسرائيلية إلى مناطق سيطرتها في شمال شرقي سوريا، حيث أعدت تقارير ولقاءات مع قياداتها، في محاولة لتسويق روايات تخدم مصالح الطرفين أمام الرأي العام الدولي.
باختصار تؤكد أحداث حلب أن مستقبل قسد مرتبط بالاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، وإلا فإن استمرار وجودها المستقل قد يهدد استقرار البلاد ويشجع أطرافاً أخرى على اتباع نفس النهج. وتبقى المرحلة القادمة حاسمة للحكومة السورية وقسد في قدرتهما على التفاهم وتوحيد أهدافهما وعزل التدخلات الإقليمية بسوريا.
اقرأ أيضاً: هل تستطيع واشنطن كبح الاشتباك وهي الداعم الأكبر لـ «قسد»؟!









