بعد تحذيرات النقابة: لماذا كل هذه الضجة حول طب الأسنان؟

بقلم هلا يوسف
لا تكاد تمشي خطوتين في أي شارع حتى ترى لوحات لأطباء أسنان، فطب الأسنان يعد الطريق المختصر للحصول على لقب “دكتور” مقارنة بالاختصاصات الطبية الأخرى (باستثناء أطباء الأسنان ذوي الاختصاصات العليا بكل تأكيد)، عدا عن كون هذا الاختصاص لا يتطلب علامات عالية كأقسام الداخلية والقلب وغيرها. وهذا ما جعل الإقبال على طب الأسنان مرتفعاً جداً. لذلك كانت المعلومة التي تفيد بافتتاح المزيد من كليات الأسنان في الجامعة بمثابة الفاجعة بالنسبة للنقابة التي أصدرت بياناً حذرت فيه من هذه الخطوة لأنها تساهم في تعميق الأزمة. ما تفاصيل هذا البيان، وما هو واقع طب الأسنان؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
النقابة: زيادة الكليات لن تحل المشكلة بل ستزيدها
أبدت نقابة أطباء الأسنان قلقها من الأخبار المتداولة حول افتتاح كليات جديدة لطب الأسنان، أو محاولة التوسع في هذا الاختصاص مما يزيد من أعداد الطلاب المقبولين في الكليات الحالية. وأقرنت النقابة أسباب قلقها بدراسة علمية أعدتها حول واقع المهنة. وشملت هذه الدراسة أعداد أطباء الأسنان الموجودين في سوق العمل، وعدد الخريجين الجدد كل عام، والطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، بالإضافة إلى الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي في البلاد.
وعرضت النقابة نتائج هذه الدراسة على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي خلال عدة اجتماعات، للوصول إلى حلول تحافظ على جودة التعليم، وفي الوقت نفسه تضمن عدم تخريج أعداد تفوق حاجة سوق العمل.
وترى النقابة أن استمرار زيادة أعداد الطلاب سيؤدي إلى نتائج كارثية لا تقتصر على وجود أعداد عاطلين عن العمل في هذه المهنة فقط، بل ستؤدي إلى انخفاض مستوى التدريب العملي داخل الكليات والمشافي التعليمية نتيجة الضغط الكبير على الإمكانات المتاحة، وهو ما قد يؤثر بالمستقبل في جودة الخدمات الصحية التي يحصل عليها المرضى.
ولذلك شددت النقابة على ضرورة إعادة النظر في أي قرار يزيد من مخرجات كليات طب الأسنان، داعية إلى اعتماد سياسة وطنية واضحة للتعليم الصحي تقوم على احتياجات الدولة الفعلية، وليس فقط على زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات.
كما أكدت أنها ستواصل متابعة هذا الملف مع الجهات المعنية عبر الوسائل القانونية والمؤسساتية، انطلاقاً من مسؤوليتها في حماية المهنة والدفاع عن مستقبل الأطباء الجدد.
لماذا يشعر أطباء الأسنان بأن المهنة وصلت إلى مرحلة التشبع؟
تلتقي تحذيرات النقابة مع مطالب رفعها أطباء أسنان في دمشق وريفها وحلب واللاذقية خلال الفترة الماضية، عندما دعوا إلى وقف القبول في كليات طب الأسنان بشكل مؤقت، أو على الأقل تخفيض أعداد الطلاب المقبولين حتى تستعيد المهنة توازنها.
ويقول الأطباء إن المشكلة لم تبدأ اليوم، وإنما تراكمت خلال السنوات الأخيرة مع استمرار تخريج آلاف الأطباء كل عام، في وقت بقيت فيه فرص العمل محدودة، سواء في المؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص، وهذا ما أدى إلى زيادة المنافسة بين الأطباء بشكل كبير، وانخفاض الأجور، وظهور البطالة المقنعة، حيث يعمل بعض الخريجين في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو بأجور منخفضة لا تكفي لتغطية تكاليف الحياة.
ويضيف الأطباء أن افتتاح عيادة خاصة، الذي كان يمثل الخيار الطبيعي بعد التخرج، أصبح اليوم أكثر صعوبة بسبب ارتفاع تكاليف الأجهزة الطبية والمواد اللازمة للعمل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يجعل استرداد تكاليف افتتاح العيادة يحتاج إلى سنوات طويلة.
كما يشيرون إلى أن القطاع العام لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، في حين لا توجد خطط واضحة لتنظيم توزيع أطباء الأسنان بين المحافظات وفق احتياجات كل منطقة.
ولذلك يطالب الأطباء بأن تكون قرارات القبول في الكليات مبنية على دراسات حقيقية لسوق العمل، حتى لا تستمر الفجوة بين عدد الخريجين والفرص المتاحة لهم.
عندما ننظر إلى الأرقام، تصبح الصورة واضحة بشكل أكبر. فبحسب البيانات المتداولة، يتخرج من الجامعات الحكومية والخاصة في سوريا نحو خمسة آلاف طبيب أسنان كل عام. وذلك يعني أن ما يقارب 90 بالمئة من الخريجين لا يجدون فرصة لإكمال الاختصاص داخل سوريا، رغم أن الاختصاص يعد مرحلة مهمة لتطوير المهارات المهنية ويفتح أمام الطبيب مجالات أوسع للعمل.
وبسبب الواقع السابق يختار كثير من الخريجين السفر إلى الخارج لإكمال اختصاصهم، إلا أن هذه الخطوة ليست متاحة للجميع، إذ تبدأ تكاليف برامج الاختصاص في بعض الدول من نحو عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ يصعب على عدد كبير من الخريجين تأمينه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
بينما يشير كثير من الأطباء إلى أن استمرار هذه الفجوة قد يدفع المزيد من الكفاءات الشابة إلى الهجرة، وهو ما قد يحرم القطاع الصحي السوري من كوادر يحتاج إليها في المستقبل.
وبالرغم من كل التحديات السابقة، كان عام 2025 عام الإنجازات بالنسبة للمهنة، فقد حققت إنجازاً أكاديمياً مهماً بعدما حصلت كلية طب الأسنان في جامعة دمشق على الاعتماد الرسمي ضمن برنامج LEADER الذي تقدمه الجمعية الأوروبية لتعليم طب الأسنان، لتصبح الجامعة السورية الوحيدة المنضمة إلى هذا البرنامج.
ما الحل؟ دعوات لتنظيم التعليم بما يتناسب مع حاجة السوق
يرى أطباء الأسنان أن معالجة الأزمة لا تتطلب إغلاق الكليات أو إيقاف التعليم، وإنما وضع خطة وطنية متكاملة تنظم العلاقة بين الجامعات وسوق العمل. ومن بين أبرز المطالب التي يطرحها الأطباء تخفيض أعداد المقبولين في كليات طب الأسنان، وإعادة النظر في الرسوم النقابية التي يرون أنها أصبحت مرتفعة مقارنة بدخولهم الحالية، بالإضافة إلى تعديل قانون خدمة الريف بما يحقق توزيعاً أكثر عدالة ويوفر بيئة عمل مناسبة للأطباء.
وحذر الأطباء أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من انخفاض دخل طبيب الأسنان، وارتفاع معدلات هجرة الكفاءات، وتراجع مستوى الاستقرار المهني.
وفي النهاية، مهنة طب الأسنان مثلها مثل الكثير من الاختصاصات التي تخرج آلاف الطلاب كل عام وتغرق سوق العمل بها دون وجود فرص. لذلك إعادة النظر بأعداد الخريجين في كل الجامعات هو الحل الأمثل.
اقرأ أيضاً: السوري العادي يعالجه الصيدلاني وليس الطبيب.. صحيح؟ ولماذا؟









